إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

مريم والمرأة السامرية

0 858

يتشابه موقف السامرية اليوم مع موقف العذراء مريم. يقول البشير يوحنا على أن السامرية خرجت لاستقاء الماء وقت الظهيرة. كان الجو حار جدا، وتعب المسيح من السفر حتى أنه جلس هكذا على حافة البئر: “وكانَ يَسوعُ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، فقَعَدَ على حافَةِ البئرِ. وكانَ الوَقتُ نحوَ الظُّهرِ. فجاءَتِ اَمرأةِ سامريَّةِ تَستَقي مِنْ ماءِ البِئرِ، فقالَ لها يَسوعُ: «أعطيني لأشرَبَ”. تعنى كلمة هكذا، أن المسيح وصل إلى مرحلة تعب شديدة بعد مسيرة طويلة استمرت لساعات عديدة وسط صحاري قاحلة وطريق وعرة، ليس هناك مكان للاستراحة ولا أشجار ليستظل بها. عندما يجد الإنسان المتعب مكانًا يمكن أن يجلس عليه، كالبئر هناك، فأنه يرمي بجسده عليه جالسًا من التعب.

هنا يثار السؤال: لماذ تخرج امرأة، في هذا التوقيت مع الحر وفي قيظ الشمس لتجلب ماء؟ كانت تخشي نظرات الناس وانتقاداتهم، فهي تعيش مع رجل دون زواج، وقد سبق لها أن تزوجت خمس مرات. انتقادات الناس وكلامهم قاسي، ولهذا اختارات قسوة الطبيعة والحر أفضل من قسوة النظرات من الناس، فخرجت في وقت تعلم جيداً إنها لن تقابل أحدٌ، فمن يجرؤ من الناس للخروج من بيته في هذا التوقيت، إلا من تضطره الظروف مثل السامرية. خافت السامرية من كلام الناس وانتقاداتهم، فاختارت وقت لا تنتظر أن تقابل أحدٌ منهم.

عاشت العذراء نفس الموقف تقريبا. لنتأمل موقف العذراء مريم حينما بشرها الملاك بالحبل الإلهي. هي مخطوبة لرجل اسمه يوسف. كانت الخطبة في الشريعة اليهودية عهداً أبدياً لا ينفصم، وما الزفاف إلا حفل تنتقل فيه الفتاة من بيت أبيها لبيت رجلها، ووفقاً لهذه الشريعة كانت الفتاة المخطوبة بمثابة زوجة لخطيبها، ولو مات خاطبها أثناء فترة الخطبة وقبل الزفاف تُعتبر الخطيبة أرملة خاضعة لشريعة الزواج من أخي الزوج (تثنية 25: 5-10)؛ ولم يكن ممكناً للفتاة أو عائلتها أن يفُضَّا علاقة الخطوبة هذه إلا بكتاب أو وثيقة طلاق، كما أن هذه العادات أو الشريعة ما كانت لتسمح بوجود علاقة جنسية بين الخطيب وخطيبته قبل إعلان حفل الزفاف وإلا اُعتبرا في حُكم الزناة. لذلك عندما علم يوسف بأمر الحمل، يقول لنا الكتاب، إنه لم يشأ أن يُشهر بها، لأنه كان إنسان بار، أراد فقط تخليتها سراً. فكشف الله ذاته عن طبيعة الحمل قائلا له:  “يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حُبل به فيه هو من الروح القدس” (متى 1: 20). قبلت مريم أن تنفذ مشيئة الله وإرادته بالرغم علمها من نظرة الناس لها، ستكلمون عنها بإنها خاطئة.. خالفت الشريعة. تصورا فتاه لم تتزوج بعد، لكنها حُبلى! ماذا تقول لخطيبها؟ كيف يتقبل الأمر مهما كانت شهامته؟ إن الشريعة اليهودية أنذاك تعتبر هذا الأمر زنا، وعقوبة الزنا هي الرجم. كيف تفسر للناس بأنها حملت من الروح القدس؟ هل سيصدق الناس؟

نفس الموقف للمرأتين، ماذا سيقول الناس، العذراء مريم “حبلي” وهي ليست متزوجة! والسامرية تعيش مع رجل ليس بزوجها! هربت السامرية من انتقادات الناس ونظراتهم، أختباء في بيتها، ولم تخرج إلا للضرورة، لا جلب الماء من البئر، أختارت وقت الظهيرة، حيث يستريح الناس في منازلهم، ولا يخرج أحد تحت الشمس الحارة.

أما العذراء، فلم تخف، لم تهرب، بل أعلنت عن موافقتها على عرض الملاك الغريب: فسَتَحبَلينَ وتَلِدينَ اَبنًا تُسَمِّينَهُ يَسوعَ. فيكونُ عظيمًا واَبنَ الله العَليِّ يُدعى، ويُعطيهِ الرَّبُّ الإلهُ عرشَ أبـيهِ داودَ، ويَملِكُ على بَيتِ يَعقوبَ إلى الأبدِ، ولا يكونُ لمُلْكِهِ نِهايةِ! اعترضت العذراء في البداية قائلة: «كيفَ يكونُ هذا وأنا عَذراءُ لا أعرِفُ رَجُلاً؟ ثم وافقت على عرض الملاك قائلة: “أنا خادِمَةُ الرَّبِّ: فَلْيكُنْ لي كَما تَقولُ”.

قالت مريم بعد أن شرح لها الملاك “أن الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لوقا 1: 25). قالت: “ليكن”. كثيرا ما نسأل عن سبب اختيار العذراء لهذه الكلمة.. كان أسهل أن تقول نعم أو أي كلمة تدل على الموافقة. “ليكن” هي ذات الكلمة التي نجدها في بداية الخليقة: قال الله ليكن نوراً، فكان نورٌ. هي كلمة الخلق الجديد، الذي بها يتشكل الشيء في يد الله، فتتحول الظلمة إلى نور، والأرض الخربة إلى حياة. تخضع العذراء ارادتها بالكامل في مجرى التدبير الإلهي. أن يضع الإنسان ارادته ليس بالأمر السهل تأملوا ألامها منذ البشارة حين واجهت يوسف وهي لم تعرف كيف يتقبل الأمر.. وحين أراد تخليتها سراً وما في ذلك من تشهير بها.. وحين واجهت مجتمعها وهي حبلي قبل أن يتم الزفاف كعادة اليهود.. والخوف الذي شعرت به عند مطاردة هيرودس لوليدها.. كم الألم الذي شعرت به عند رفض اليهود لرسالة ابنها لهم، ومحاولة قتله وطرحه من أعلى الجبل.. كيف واجهت حتى أقربائها اللذين أتهموه باتهامات باطلة بأنه بقوة بعلزبول يخرج الشياطين. ويصل الأمر إلى الذروة وقت الصلب حين تعيش الألام والضرب والجلد والمسامير ثم تعليق ابنها على خشبة وهي واقفة تبكي لا تستطيع أن تصنع له شيئاً.

قبلت إرادة الله كليا.. وضعت إرادتها كاملةً تحت تصرف الله، في وقت الفرح وقت الألم.. قالت “لتكن” إرادتك

قد يعجبك ايضا
اترك رد