إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تاريخ الحياة المكرسة (1) ما قبل المسيحية

0 231

المظاهر الرهبانية قبل المسيحية

سنتناول في هذا البحث تاريخ الحياة المكرسة في الكنيسة، مفصلينَ أنماطها المتنوعة وروحانية كل نظام رهباني وأثر ذلك على تاريخ الروحانية المسيحية في الكنيسة الكاثوليكية بشكل عام. لكن قبل الخوضَ في تلك الأشكال سنُخصص المبحث الأول عن الظاهرة في حد ذاتها. ما المقصود بظاهرة الرهبنة؟

  1. التعريف

الراهب في اللغة[1]  اسم فاعل من: رَهِبَ، ورَهْبةً أيضا بالفتح، ورُهبا بالضم ورجل رَهَبُوتٌ بفتح الهاء أي مرهوب يقال رهبوت خير من رحموت أي لأن تُرهب خير من أن تُرحم و أرْهَبَهُ و اسْتَرْهَبَهُ أخافه والرَّاهِبُ المتعبد ومصدره الرَّهْبَةُ و الرَّهبَانِيَّةُ بفتح الراء فيهما و التَّرَهُّبُ التعبد. الرَّاهِب إذن هو المُتعبد والجمع رُهْبان، المؤنث رَاهْبة، جمع التأنيث رَاهبات.

في اللغات الأوربية، تأتي الرهبنة من الفعل اليوناني Monos أي “وَحدَه” للإشارة لنمط الحياة الفردية والجماعية لمجموعة من الأشخاص، ذكورًا وإناثًا، الذين فضلوا العيش في انعزال عن الحياة المدنية للوصول إلى مُثل عليا للكمال الروحي والعبادة.

تحتضن الرهبنة، من الناحية التنظيمية، حياة النسك التي تتسم بدرجات متفاوتة، من أقصى العزلة إلى الحياة الجماعية Cenobite، أي الجماعات التي تعيش جانبًا محدودًا من العزلة.

تنطوي الرهبنة دائما على الزهد، وانكار الذات، وعدم التملك، والصوم والصلاة، واليقظة الليلية، والعمل اليدوي. إذن تشمل الفقر الأختياري والعزوبة (عدم الزواج) والطاعة للمرشد أو المعلم الروحي. وهدف هذه الممارسات التقرب إلى الله عن طريق نكران الذات، والتنازل عن الاحتياجات الضرورية، تفرغًا لعبادة الإله.

  1. تاريخ الظاهرة

بداية، يمكن القول بأن تاريخ الرهبنة غارق في ظلام دامس، يصعب تحديد بداية الظاهرة تاريخيًا. فالممارسات القديمة للظاهرة، وجدت في الهند في القرن العاشر قبل الميلاد. ويمكن التعرف إلى أنماط رهبانية في ديانات كثيرة كالهندوسية، والبوذية، واليانية (ديانة هندية قديمة)، والديانة المصرية القديمة، واليهودية (الأسينيين).

  • البوذية

توصل مؤسس البوذية، سيدهارتا جواتاما، إلى أن الإستنارة تكون في “الطريق الوسط”، ليس في الإنغماس في الرفاهية وكذلك ليس في تعذيب الذات. وفوق هذا إكتشف ما عرف فيما بعد بـ “الحقائق الأربعة النبيلة”: 1) الحياة معاناة (دوكا)؛ 2) المعاناة تأتي من الرغبات (تانها، أو “التعلق”)؛ 3) يمكن أن ينهي الإنسان كل معاناة بالتخلي عن كل ما يتعلق به؛ 4) هذا يتحقق باتباع الطريق الثماني النبيل.

وهكذا فطريق الخلاص “النيرفانا” تقوم على مرحلتين: الأولى هي إتمام الأحكام الأخلاقية التي هدفها التحرر من التعلق الشهوات وذلك من خلال مسلك ملئ بالفضائل الثمانية: الرأي المستقيم، أي الاعتراف بالحقائق المقدّسة الأربع، وهذا تمهيد للولوج إلى سبيل الخلاص لا يمكن التخلّي عنه. ثمّ هناك العزم المستقيم على ممارسة التخلّي والتجرّد، والرأفة غير المحدودة والرضى تجاه جميع الكائنات الحيّة. ثمّ القول المستقيم. ثمّ العمل المستقيم، أي باختصار السلوك المستقيم، والمهمّ فيه أن يتصرّف كلّ واحد تصرّفًا لا يمسّ أيّ كائن آخر بأذى. وأخيرًا السعي المستقيم (توجيه الطاقة بطريقة صحيحة) لصدّ ما يهدّد الخلاص والحثّ على طلب الخلاص. المرحلة الثانية هي الاستغراق في تأمّل ذي طابع روحانيّ يقود إلى اكتساب الحكمة المنشودة.

الرهبنة في قاموس المصطلحات البوذية هي:  البار باشا وهي أيضًا من كلمتين بار، أي: الزهد والاعتزال وباشا، أي: المطلق، أو التام فيكون المعنى: الزهد المطلق، أو الاعتزال التام، والمراد به: هو الاعتزال عن البيوت والمساكن، والاعتزال عن أسلوب حياة أهلها إلى والأسلوب الرهباني هو: التنسك، والتبتل.

وقد عرفها بعض علماء البوذية بأنها: هي الامتناع عن جميع الرذائل، والانعزال التام عن الحياة المدنية، أو بتعبير آخر هي الاعتزال عن العالم كله، ويعنى بذلك: الاعتزال عن النهج الذي يعيش فيه أهل العالم.

فالرهبنة البوذية: هي الاعتزال الكلي عن جميع شئون الحياة المدنية، أي: شئون البوذيين المدنيين الساكني البيوت؛ لأن البوذية تقسم أهلها إلى طائفتين: المدنيين، وهم ساكنو المنازل، والبيوت، والرهبان، وهم المتنازلون عن البيوت، والأموال، والشهوات، واللذات لممارسة حياة الرهبانية.

ومن هنا يتضح: أن الغرض الحقيقي من الرهبنة البوذية هو إعدام الألم والتسامي بالروح، أو الوصول إلى “النيرفانا” أي: السعادة في هذه الحياة فقد اعتقد البوذيون فيما زعموا: أن الوصول إلى السعادة لا يتم إلا بانخراطهم في سلك الرهبنة؛ وذلك لأن الحياة المدنية، أو المنزلية على حد تعبيرهم لها عقبات، ولها موانع كثيرة قد تحول دون الوصول إلى السعادة في هذه الحياة.

أما الرهبانية: فتتيح لهم فرصة أكبر للوصول إلى السعادة؛ لأنها تحررت عن جميع القيود، والعقبات، وتحررت عن الشهوات واللذات، وعن نعيم الدنيا وزخارفها، وقد ذهب بوذا إلى أن الرهبانية أسلوبٌ جليلٌ من أساليب الحياة لما فيها من تضحية شاقة لا يصلح لها كل إنسان، ولا يقدر عليها كل إنسان، ولا يصل إلى غايتها كل من سلك سبيلها، كما زعم أنها أسمى وظيفة للبشر، وأن أصحابها هم في أَسْمَى مَرَاتِبِ الناس.

فقد أكد بوذا في كثير من كلامه خطورة الحياة المدنية، فمثلها مرة بالبحر الواسع المخيف، ومرة أخرى بالغابة المليئة بالحيوانات المفترسة؛ فهو يقصد تخويف أتباعه من الحياة المدنية؛ ليلتحقوا معه بالرهبانية، وليبلغوا الهدف المزعوم بـ”النيرفانا” أي: السعادة في حياتهم الراهنة من أجل هذا تنادي البوذية بنظام الرهبنة، وتفرض على الرجال البوذيين أن يدخلوا فيها مرة في حياتهم. أما نساؤهم فرهبانيتهن على سبيل الاختيار لا على سبيل الإلزام[2].

    • الهندوسية

تعلم الهندوسية إن كلّ الكائنات في العالَم معرّضة للفناء وخاضعة لدورة الولادات الجديدة الدائمة. للتخلّص من هذا الوضع المؤلم، يتوجّب على الإنسان أن يتجرّد عن كلّ ما يعرّضه لقانون الفناء والولادة الجديد الصارم. ومن ثمّ ينبغي له أن ينقطع قدْر الإمكان عن كلّ نشاط ويتخلّى عن كلّ ميل إلى العالم وإلى الحياة. ولا يستطيع الزاهد أن يتغلّب على ألَم الوجود الأرضيّ إلاّ إذا عاش بدون رغبات وميول وأهواء ومارسَ اعتدال المزاج. علاوةً على ذلك يستطيع الحصولَ على الحريّة الباطنة والرفيعة التي يسعى إليها من خلال تجرّده.

للوصول إلى هذا اللانشاط والاطمئنان والحريّة، يأوي الزاهد إلى العزلة. وإلى جانب الفضائل المهمّة كاحترام الحياة، والعفّة، والطهارة، والفقر، ومحبّة الحقيقة، يمارس التمارين التي تسهّل له ضبطَ النفس والتجرّد عن العالم، كاليوغا، التي نتهدف إلى تنقية روح الإنسان المشتتة بالظروف المادية والنفسية بحيث تبلغ حالة النقاوة الكاملة، والتركيز العميق والكامل، وإلى معرفة ذاتها الحَدْسيّة معرفةً عميقة وكاملة. في هذه المرحلة تتغلّب الروح على حالتها الأرضيّة وتصل إلى دائرة كيان أرفع. إنّ التبصّر في الحقيقة الأخيرة، ومعرفَة الحقيقة القصوى، وعيش الواقع الواحد، كلّ هذا يعني بداية الخلاص ويمنح تذوّقًا مسبقًا للخلاص النهائيّ الذي يعني الوصول إلى تطهير الروح تطهيراً كاملاً من كل الأدناس الأرضية بحيث تكتشف ذاتَها في شكلها الصافي أو توضع في حالة تمكّنها من أن تعيشَ هويّتها مع المطلق وتصل إلى الاتحاد بالله.

لهذا كان النظام الرهباني منذ قرون بعيدة، فهو أكثر ملائمة للعقيدة الباحثة عن السلام والهدوء وتنقية روح الإنسان من الانشغال بالعالم ورغباته. هناك مرحلتان في التقليد البوذي ذات الطابع النسكي الرهباني. المرحلة الأولى في فترة الشباب قبل سن الزواج فينخرط فيها الشاب تحت قيادة معلم لفهم العبادة وأشكالها. أما المرحلة الثانية فهي في خريف العمر، بعد تربية الأبناء، فعليه الانعزال في الغابات عن الحياة، وكل ارتباطاته بالعالم المادي، والتفرغ للتأمل بحثًا عن الحقيقة، والاتحاد بالبرهاما، رب الوجود كله. في هذه المرحلة يمكن اعتبار الراهب الهندي متجولا بين المعابد المختلفة، مستعطياً الاحتياجات الضرورية. وعرفت الأزمنة المتأخرة تجمع الرهبان في أديرة بسيطة، يغلب عليها الفقر الشديد، في شبه حياة جماعية[3].

    • الرهبنة في العالم اليهودي: الأسينيون

أثارت اكتشافات مخطوطات قمران التساؤل عن أصل النظام الرهباني، فظهرت جماعات نظامية، أطلق عليها الأسينيون، في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وبلغ عدد أفراد الطائفة أكثر من أربعة آلاف نسمة عند فتح القائد الروماني تطيس لأورشليم وإخماده لتمرد المكابيين عام 70 ق.م.  هي جماعات رهبانية تماثلها في نظام حياتها الرهبنةُ الباخومية، إلى الدرجة ذهب بعض الباحثيين إلى افتراض أن باخوميوس وتلاميذه اعتنقوا نظام الحياة الخاص بالأسينيين[4].

يتشابه الأسينيون كثيرًا مع الرهبنة المسيحية خاصة في: الرجاء الأخروي في حياةٍ أبدية؛ مركزية الكتاب المقدس؛ الإيمان بأنهم ورثة الأنبياء والشعب الحقيقي السالك في البرية؛ رفض المسرات الدنيوية باعتبارها شرًا؛ واعتبروا كبح جماح النفس وضبط الانفعالات من الفضائل؛ رفضوا أخيرًا الزواج مفضلين تربية أبناء الآخرين ليُشكلوا حسب أنماط حياتهم.

ذكر المفكر اليهودي يوسيفيوس، الذي عاش في حوالي 37- 98 م في الكثير من مؤلفاته أسلوب حياة الأسينيين في العبادة والخدمة، خاصة في كتابه “تاريخ اليهود” الذي كتبه حوالي 60م. كانوا يبدأون يومهم قبل الفجر بالصلاة، ثم يتفرقون ليقوم كل عضو منهم بمختلف الأعمال الدنيوية المؤهل لها. وفى منتصف النهار يستحمون بالماء البارد ثم يجتمعون فى قاعة الطعام ليتناولوا جميعا طعاما بسيطا بعد الصلاة، ثم يستأنفون أعمالهم . وفي المساء يكررون ما فعلوه في الظهيرة من الاستحمام وتناول الطعام.

يستلزم الانضمام لهذه الجماعة أن يقضي المبتدئ سنة تحت الاختبار، يظهر خلالها كل السجايا التي تهدف إليها الجماعة، وعندما يثبت أن تتوفر فيه المؤهلات اللازمة، يُقبل بعدها رسميا في جماعة الأسينيين، ولكن في بيت منفصل عن باقي الجماعة، ولو أنهم يأكلون من الطعام نفسه، ويراعون قواعدالحياة نفسها. يختلف هنا المؤرخون في تحديد فترة الإعداد التي يُقبل بعدها الشخص بصفة دائمة داخل الجماعة ويتعهد بقسم أن يكون أمينا وتقيا نحو الله، وعادلا نحو الناس، وبعد ذلك يسمح له بالاشتراك في طعام الجماعة كعضو معترف به تماما فى الجماعة. ويبدو أن هيبوليتس اعتقد بأن فترة الإعداد كانت سنتان وليست ثلاث سنوات كما ذكر يوسيفيوس.

وهناك امتحانات ورتب وطقوس يتدرّج فيها المريدون لبلوغ هذه الأهداف السامية.  وكان  الناجحون يختارون ليكونوا أطباء للأجساد والأرواح، أو مرسلين مبشّرين، أو معلّمين ومرشدين، أو كتبة وشارحين، أو حِرَفِيين في الأديار وفي خارجها، شرط ان تكون الحرفة غير ضارّة وغير عسكرية، كحرفة النجارة مثلاً.  وعندما ينخرط المريدون رسميًا في الجماعة الأسينية فعليهم أن يتخلّوا عن ملكيتهم الخاصة نهائيًا، ويهبوا أموالهم وأرزاقهم إلى الدير الذي يدخلون إليه، حيث يوزّع رئيس الدير على رهبانه ما يحتاجون إليه من قوت وكسوة.  يعيش الأسِّيني داخل ديره، حياة بسيطة فقيرة، طاهرة، بعيدًا عن بهارج العالم وملذاته.  وهنا يجدر الإشارة إلى شهادة كاتب مسيحي وهو هيبوليتس في كتابه “تفنيد كل الهرطقات” (170- 230) الذي أضاف على ما ذكر كل من يوسيفيوس وفيلون، بأن الأسينيين لم يعترضوا اطلاقا على اقتسام ممتلكاتهم مع المحرومين الذين كانوا يقصدونهم التماسا للعون.

وينقسم وقتهم بين الصلاة والتأمل، والقراءة والدرس، والعمل اليدويّ في الأرض، والعمل الحرفيّ في المهنة الخاصّة.  وكانوا يلبسون قمصانًا بيضاء طويلة غير مخيطة، منسوجة كلّها من أعلاها إلى أسفلها، تمامًا كما لبس المسيح… (راجع يوحنا 19: 23-24).  ولا ينتعلون حذاءً إلاّ عند الضرورة القصوى.  وكان الاسينيّ يُعرف من ثيابه، لدرجة أن الاسينيّين كانوا يلقبون “بالأخوة البيض” نسبة الى لون قمصانهم البيضاء الطويلة.  أما كلمة “أسِّينيّ” فلم تكن متداولة على ألسِنة الناس، كان المطّلعون على الأسرار وحدهم يعرفون “الأسيني” ويتعرّفون عليه.  وهذا ما يفسّر إلى حدّ بعيد خلوّ أكثر كتب التاريخ من ذكر اسم “الأسينيين”-ومنها تواريخ نشأة المسيحية والقرون اللاحقة.

وتتضح صرامة النظام عند الأسينيين، في العقوبات الموضوعة للتعديات الكبيرة، فكان المذنبون يُعزلون من بين الجماعة، لأنهم كانوا مقيدين بعهود موثقة بأقسام، بعدم تناول الأطعمة العادية، فإنهم يتضورون جوعًا قبل أن يستعيدوا أماكنهم بين الجماعة، وكثيرا ما كان يتم هذا بدافع الشفقة لا غير. وحياتهم المشتركة تسير تحت إشراف عدد من الشيوخ الذين يفرضون الوقار الدقيق في الاجتماعات العامة.

ويؤكد فيلون الإسكندري الذي عاش أواخر القرن الأول قبل الميلاد (20 ق م- 50 م)، مثلما يؤكد يوسيفيوس، المكانة الكبيرة التي لدراسة الأسفار الإلهية في دوائر الأسينيين، وكيف يراعون أيام السبوت، فقد كانوا يتخلون عن كل عمل فى ذلك الوقت ويذهبون إلى أماكن مقدسة يسمونها “مجامع” حيث يصطفون فى صفوف حسب أعمارهم، فيجلس الصغار في أماكن خلف شيوخهم. وفي خلال العبادة، يقرأ أحدهم جزءا من الأسفار الإلهية، ثم يقوم بعده شخص مقتدر ليفسر بطريقة مجازية أى شيء عسر الفهم في الجزء الذي قرئ. ويذكر فيلون أن الأسينيين كانوا يتدربون على القداسة والتقوى والعدالة والسلوك العائلي والاجتماعي. ولخص معتقداتهم وممارساتهم فى عبارات ثلاث : محبة الله، ومحبة الفضيلة، ومحبة الناس.

وفى المؤلف الثاني لفيلون، “الغرض” يعلق على اجتهاد الأسينيين وانكبابهم على العمل، كما ذكر ملكيتهم المشتركة لكل شيء من أمتعة وأموال، كما يعلق على إصرارهم على حياة البتولية على أساس أن النساء والأولاد يعملون على تحويل الجماعة عن الهدف المعلن وهو الوصول إلى الصلاح والحق. وكانوا يعتقدون أن النساء اللواتي لهن أبناء، هن خطر شديد، حيث إنهنّ يملنَّ – بدون أى وازع من ضمير – إلى استخدام أبنائهنَّ وسيلة لتنفيذ إرادتهنَّ على الآخرين بصورة تعكر صفو الوحدة الروحية للجماعة.

    • الرهبنة في العالم الهلينستي

في العالم اليوناني، وتحديدًا في القرن السادس ق. م، عندما تم الانتقال من التفسيرات الأسطورية للعالم إلى التفسيرات المبنية على الفلسفة. نجد أنفسنا أمام محاولة فيثاغورس سامو الذي أسسَ أول نظام معروف لجماعة من التلاميذ هدفها البحث عن الله والتأمل في أسراره الغامضة. عُرفت مجموعته بالزهد الشديد لتنقية الذات من ميولها الشريرة، وممارسة الصمت في الحياة اليومية مما يبعد النفس عن كل تشويش واضطراب، والعيش المشترك في حياة جماعية، إلى ارتداء الثياب البيضاء علامة السعي إلى الكمال. تتشابه هذه المقومات مع الأنظمة الرهبانية التي ظهرت في العصور التالية. انعزلت تلك المجموعات في البراري وبعيدًا عن المراكز السكانية التي يرى بعضهم أنها تُشكل بدايات ظهور مجموعات النساك والعذارى، بعد سلام قسطنطين، في أوربا[5].

    • الرهبنة في مصر القديمة

اختلفت الدراسات النقدية الحديثة بشأن تاريخ الظاهرة، وتعقدت الأمور في بداية القرن العشرين عندما أرجع Weingarten الظاهرة إلى الحقبة الفرعونية، وتحديدًا إلى كهنة سيرابيون، الذين قادوا حياة “رهبانية” منظمة إلى حد كبير تماثل الرهبنة المسيحية التي أعلنت عن نفسها فقط في القرن الرابع بعد الميلاد.  تخلى الكهنة عن ضروريات الحياة وانعزلوا فترات زمنية محددة عن الحياة المدنية بعيدًا عن زوجاتهم، في حياة نسكية يغلب عليها التقشف والزهد، ناعتين بعضهم ببعض بمصطلحات: “أخ”، “أب”.  انعزلوا في البراري والمقابر المهجورة تفرغا لعبادة الآلهة ورغبةً في السيطرة على الأرواح الشريرة، سكان الصحاري.

قاد أولئك الأشخاص حياة نسكية، تشبهها حياة المتوحدين من الرهبان المصريين، كالقديس أنطونيوس الكبير. وتوصل Weingarten إلى فرضية أثارت كثيرًا من الجدل بين الباحثيين في تاريخ الكنيسة، مفادها أن الرهبنة ليست ظاهرة مسيحية، بل هي امتداد لظاهرة كانت معروفة وسائدة في مصر القديمة[6]. كّثُرت الدراسات للرد على هذه الفرضية، وأهرقت الأحبار على أطنان من الورق لتفنيدها، إلا إنه بالرغم من كثرة الفرضيات تبقي نظرية Weingarten قوية وملهمة، خاصة أن هناك تشابه كبير بين المسيحية والديانة المصرية القديمة. مما لا شك فيه إن ظاهرة الرهبنة تأثرت بالمحيط الديني والاجتماعي السائد في مصر وكانت ضمن أسباب ظهورها الأول في الأراضي المصرية قبل أن تمتد إلى البلاد الأخرى. وهذا ما نتناوله بالتفصيل عن العوامل الثقافية والاجتماعية التي ساعدت على ظهور الرهبنة.

[1] معجم مختار الصحاح

[2]G. M. COLOMBÁS,  Il monachesimo delle origini. Uomini, fatti, usi e istituzioni, vol. I, Milano 1990, pp. 33-42.

[3]  BRODOV, V., Indian Philosophy in Modern Times, Progress Publishers, Moscow, 1984 pp. 25-66.

[4]  فرضية قدمها  Guillaumont وذلك بالقول بأن جماعات من الأسينيين نزحوا بعد سقوط أورشليم عام 78م إلى بلاد الرافدين وسوريا. إلا إن كثير من الباحثين يرون صعوبة وجود علاقة قوية بين الأسينيين والرهبنة المصرية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي.

Cf: A. GUILAUMONT, Les perspectives actuelles sur les origines du monachisme, in IDEM, Aux origines de la vie communautaire chrétienne, quelques équivoques déterminantes pour l’avenir, in «VS Suppl.», 88(1969), pp. 215-227; F. S. PERICOLI RIDOLFINI, Alle origini del monachesimo. Le convergenze esseniche, Roma 1966, pp. 168-169; G. M. COLOMBÁS, Il monachesimo delle origini. Uomini, fatti, usi e istituzioni, vol. I, Milano 1990, p. 47.

[5] Cf. P. JORDAN, Pythagoras and Monachism, in «Traditio» (1960), pp. 432­- 441.

[6] H. WEINGARTEN, Der Ursprung des Mönchtums im nachconstantinischen Zeitalter, in «ZKG», 1(1876), pp. 1-35; 545-574.

قد يعجبك ايضا
Loading...