إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تاريخ الحياة المكرسة (6) – الحياة التوحدية

0 948
  1. القديس أثناسيوس الرسولي

هناك تعليم للأب تواضروس تتضمنه سيرة الأنبا باخوميوس يقول فيه: “في مصر في جيلنا توجد ثلاث شجرات نامية ومُزدهرة وفقا لمحبة الله والبشر. الأولى الطوباوي المجاهد القديس أثناسيوس رئيس أساقفة الإسكندرية الذي جاهد من أجل الإنجيل حتى الموت، والثانية القديس أنطونيوس المثال الكامل لحياة النسك، والثالثة هو القديس باخوميوس مؤسس حياة الشركة التي هي اجتماع الأخوة مع بعضهم بعضًا وسلوكهم حسب وصايا الله حتى يدركوا الكمال”[1].

لا يمكن الحديث عن نشأة الرهبنة المصرية دون تناول هؤلاء الشخصيات الثلاثة التي أثرت بشدة على نموها وازدهارها عبر التاريخ. ليس هناك أب وحيد مؤسس للرهبنة المصرية، ولكن ظهور تلك القامات معا وفي حقبة زمنية متقاربة جدا ساعد على نشأة الرهبنة بالصورة التي كانت عليها في القرنين الرابع والخامس الميلاديين.

أثناسيوس الرسولي، بالرغم من عدم كونه راهبا، مثل أنطونيوس وباخوميوس، إلا إنه حجر الزاوية الذي عليه تأسست الرهبنة في مصر والعالم قديما. فتدين الحياة النسكية له بالفضل في نشرها وإرساء قواعدها ونمط حياتها. نُشر كتابه عن القديس أنطونيوس سريعًا بواسطة إيـﭭـاجريوس البنطي باللغة اللاتينية مما ساهم في نشر الرهبنة في الغرب. ويشهد القديس أغسطينوس في اعترافاته عن تأثيره الحاسم في توبته وتحوله إلى المسيحية بما كتب أثناسيوس عن الرهبنة. هو: “الأب الروحي لنظام الرهبنة، منشئ الأُطر اللاهوتية للحياة النسكية والمنظم لقواعدها”.

وُلد أثناسيوس بالإسكندرية عام 295 تقريبًا من أبوين مسيحيَين فقيرين، على الأرجح في الإسكندرية. وحصل هناك على تعليمه المدني واللاهوتي سواء بدراسته الخاصة أو في مدرسة الإسكندرية. تردد على البرية مرارًا، ومن المحتمل أن يكون قد إلتقى بالقديس أنطونيوس في تلك الفترة حيث يقول هو نفسه: “لقد رأيت أنطونيوس مرارًا وتعلمت منه لأنني لازمته زمنًا طويلاً وسكبت ماء على يديه”[2]. وفي حوالي سنة 313 كان أثناسيوس بصدد انهاء دروسه اللاهوتية بالإضافة إلى الفلسفة والبلاغة والشعر ودراسة القانون الروماني، حين لفت انتباه أسقفه ألكسندروس حدة ذكائه وسعة إمكاناته، فاهتم الأسقف بمتابعة دروسه وفي هذه الفترة (318) أنهى تأليف كتابين وهما: “ضد الوثنيين”، و” تجسد الكلمة” وهو لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره بعدها رسمه شماساً عام 319م، ثم رئيسًا للشمامسة وجعل منه أمين سرّه وبادر معه إلى ترتيب أمور الكنيسة التي خرجت من مرحلة اضطهاد الإمبراطور ديوقليتيانس، ورافق البطريرك الكسندروس الإسكندري إلى مجمع نيقية عام 325م، لمواجهة بدعة آريوس.

تولى السدة البطريركية للكنيسة القبطية خلفًا للبابا ألكسندروس في عام 328. كان النجم اللامع الذي حارب ضد الهراطقة، خاصة الأريوسيين في مجمع نقية عام 325، ودفع الضريبة لموقفه هذا طيلة حياته التي قضى معظمها مُطاردًا من الملوك والأساقفة المعضدين لتيار الأريوسية. نُفي عن سدة البطريركية خمس مرات[3]،  وقضى سبعة عشر عامًا في المنفى دون أن يتراجع عن موقفه الإيماني. لعبت شخصيته القوية وأفكاره الإيمانية الدور الأساسي في تأثيره على الكنيسة جمعاء.

  • دور أثناسيوس في انتشار الرهبنة

لم يكن أثناسيوس ناسكًا، إلا إنه قضى الكثير من عمره، في شبابه وفي فترة نفيه عن كرسيه، بين رهبان الصحراء، وأثر هذا فيه بشدة، فكانت تعاليمه تنصب على روحانية النسك، حتى دعى من بعضهم، بالأب الروحي للحياة النسكية. أُحب مرافقة الرهبان أكثر من رجال الإكليروس من أساقفة وكهنة، فعند سفره إلى روما لحمل شكواه ضد الأريوسيين، أصطحب معه زكاوس وتواضروس، تلميذي أنطونيوس معه، وفي هذه الزيارة عرف الغرب نمط حياة رهبان الصحراء المصريين. وفي وقت لاحق يلجأ إلى الرهبان لمساندته باختيارهم كأساقفة للإيبارشيات التابعة له مثال: سيرابيون، أبوللو، أغاثون، أرسطوى، أمون، مكاريوس، بولس وغيرهم.

توطدت علاقة أثناسيوس بالرهبان في فترة نفيه الثالثة والتي دامت ست سنوات عاشها وسط الرهبان، يعتقد باحثون كثيرون أن كتابه عن أنطونيوس قد كُتب في تلك الحقبة. كذلك في فترة نفيه الرابعة والتي دامت بضعة شهور، تقابل فيها مع تلميذي باخوميوس، تواضروس وأورزيسوس. وتعكس المصادر التاريخية الاستقبال الحافل للبطريرك وسط الرهبان الباخوميين مما يدل على مكانته بينهم.

من الطبيعي أن تُشكل تعاليم البابا منهجًا للكنيسة الخاضعة له، كذلك للرهبان التابعين له. فالتعاليم الروحية اللاهوتية والنسكية لأثناسيوس كان لها عظيم الأثر وسط الرهبان، فشكلت القاعدة والأساس الذي بنى عليها الرهبان روحانيتهم الخاصة. فيقول شنودة، رئيس المتوحدين، عندما يتحدث عن البتولية: “كما يقول رئيس الأساقفة أثناسيوس”[4].

    • فكر أثناسيوس النسكي

لم يكن أثناسيوس ناسكًا، إلا إنه قضى الكثير من عمره، في شبابه وفي فترة نفيه عن كرسيه، بين رهبان الصحراء، وأثر هذا فيه بشدة، فشكلت فكره النسكي. وتُظهر سيرة حياته مدى تفضيله للرهبان على رجال الإكليروس، فعند سفره إلى روما حمل شكواه ضد الأريوسين، أصطحب معه تلميذي القديس أنطونيوس، وفي هذه الزيارة عرف الغرب نمط حياة رهبان الصحراء المصريين. وعند اختيار الأساقفة كان يميل للاختيار بين الرهبان.

قدم أثناسيوس خلاصة فكره النسكي في سيرته عن أنطونيوس، فهي بحق “مرآة الرهبان” أكثر من كونها سيرة حياة شخص. ففي مقدمته للسيرة يعكس هذا التوجه بقوله: ” وأنا أعرف أنكم عندما تسمعون إنكم. فضلا عن الإعجاب بالرجل. سترغبون فى الاقتضاء بعزمه إذ ترون حياته نموذجاً كافيا للنسك“. نحن أمام برنامج نسكي أكثر من كونها مذكرات وصفية لتاريخ شخص ما. يقدم أثناسيوس من خلال روايته عن أنطونيوس منهجًا نسكيًا وتعاليم وروحانية النسك التي يؤمن بها والتي تتفق مع أفكاره ومعتقداته.

تُعد السيرة تعليمًا غنيًا عن الروحانية النسكية ونظام الحياة الرهبانية السائدة وقتئذ. فالنمو الروحي لأنطونيوس، وانتقاله من مرحلة نسكية إلى مرحلة أعمق، تُظهر التدرج الذي أراد أثناسيوس توضحيه للقارئ، فللنسك درجات، أسماها في الاتحاد الكامل بالخالق بعد أن ينتصر الإنسان على أهوائه الشخصية وميوله الطبيعية.  فالناسك شخص باحث عن الله يجتهد للوصول إليه. ولكي يحقق هذه الأمنية عليه:

  • أولاً: التخلي التام عن ممتلكاته وعن روابطه كافة بالعالم المادي، وكي ينعم بالعزلة الداخلية والعزلة الخارجية ويكرس نفسه لله كاملة.
  • ثانيًا: أن يكون مستعدًا لخوض معركة شرسة مع قوى الشر التي تضع العراقيل والصعوبات أمام الإنسان حتى لا يصل إلى هدفه لقاء الرب. فيقوى تأمل الأمور الأخيريّة النفس ضد الأهواء والشياطين. فإذا عاش المسيحيون يوميّا وكأنهم سيموتون في اليوم نفسه، لن يرتكبوا الخطيئة أبدًا. وفي الصراع ضد مكائد إبليس، السلام الذي لا يُقهر هو ثمرة الإيمان والصلاة والصوم ورسم إشارة الصليب. وبما أن المتوحد يحمل معه إلى وحدته عدم كماله وميوله الشريرة، وأيضًا يهاجم إبليس المتوحد بعنفٍ شديد، فإن الحياة التوحدية في أساسها جهاد وصراع. قد يهرب الفرد من العالم، ولكن سيواجه في البرية خطاياه، الشريرَ وجهًا لوجه الذي يفتش عمن يستطيع التهامه (1بط 5: 8).
  • ثالثا: عليه ممارسة محبة القريب والتضحية بذاته لأجل خلاص النفوس، والصلاة من أجل الآخرين، وبدعمهم بالإيمان من خلال النصائح الروحية. فعلى الناسك أن يكون مستعدًا لأن يترك برّيّته حين تتطلب مصلحة الكنيسة أو مصلحة النفوس ذلك.

هذه هي الخطوط العريضة التي يضعها أثناسيوس كملامح لبرنامجه نحو القداسة حيث تصل بالإنسان إلى حالة البرارة الأولى التي كانت عليها آدم قبل السقوط.

يضع أثناسيوس تعاليمه اللاهوتية والنسكية على لسان، بطل قصته، أنطونيوس ويظهر هذا بوضوح في حوار أنطونيوس مع الرهبان (بند 16- 43) الذي يضم ملخص تعليم أثناسيوس عن الحياة النسكية لأنطونيوس. أما الحوار الثاني مع الفلاسفة (بند 74- 80) والذي يعكس فيه أفكاره اللاهوتية. فالمناقشة أو الجدل مع أحد الفلاسفة طريق معروفة في الأدب قديمًا لتوضيح الأفكار والمعتقدات بصورة تشد إنتباه القارئ. فلدينا الأدباء الكثيرون الذين استعانوا بهذه المنهجية لتوضيح الأفكار والرؤى.

لدنيا في الحوار الأول أولُ تعليم لاهوتي متكامل “مكتوب” للحياة النسكية. يتسأل بعضهم هل هو لأثناسيوس أم لأنطونيوس؟ اختلف الباحثون كثيرًا حول المؤلف الحقيقي لهذا التعليم[5]. الأمر الواضح هو صعوبة أن يكون شخص في مكانة وثقافة أثناسيوس قد التزم حرفيا بما قاله أنطونيوس، خاصة وهو رئيس الأساقفة وكل تعليم ممهور بتوقيعه سيكون تعليمًا للكنيسة. من الصعب إذن القول بأن أثناسيوس قد دمج تعليمًا عن الحياة النسكية “مرآة الرهبان” في متون كتابه دون أن يكون متوافقًا تمامًا مع قناعاته اللاهوتية والعقائدية وإيمان الكنيسة. إذا التعليم لأثناسيوس وليس لأنطونيوس ويعكس قناعاته وأفكاره[6].

أراد البطريرك نقل تجربة الرهبنة المصرية إلى “الأرجاء الأجنبية”، فأعطى تعليمًا متكاملاً عن لاهوت وروحانية الحياة النسكية من خلال حوار أنطونيوس مع الرهبان. ونميز بعدين منفصلين في ذلك الحوار:

  • في البعد الأول دعوة لاتباع درب الفضائل التي يمكن الوصول إليها من خلال التبحر في الفلسفة: كالحكمة، والتعقل، والعدل، والاعتدال، والشجاعة، والفهم، أو تلك التي يمكن الوصول إليها عبر الحياة النسكية: كالمحبة، ورحمة الفقراء، والإيمان بالمسيح. يبحث الفلاسفة عن تلك المعرفة في الخارج ويعبرون البحار من أجل الحصول عليها، في حين أن الراهب غير مضطر إلى الارتحال عن الأوطان طلبًا للفضيلة لأنها ليست خارجة عن الإنسان، بل في داخله. فقط عليه أن يتجرد من روابط العالم المادي ويجنح إلى العزلة الخارجية التي تقوده إلى اكتشاف الفضيلة داخله. “وطالما كانت الفضيلة فينا وتنشأ منا. لذلك فإنها لا تتطلب منا سوى الإرادة، فإذا أدت النفس وظيفتها الروحية فى حالة طبيعية نشأت الفضيلة. وهى تكون فى حالة طبيعية إذا لبثت كما أتت إلى الوجود، وحينما أتت إلى الوجود كانت جميلة ومتزايدة فى النبل”. فمهمة الراهب ليست عسيرة لأنه لا يجتهد في الحصول على الفضيلة من الخارج، كما يفعل الفلاسفة، بل عليه فقط حفظ الوديعة التي أعطاها الله عندما خلقه.
  • في البعد الثاني يتناول أثناسيوس الصراع مع الشياطين التي تحاول عرقلة طريق الإنسان نحو الفضيلة. يعكس الحوار تعليمًا لاهوتيًا عميقًا عن الحيل التي تتبعها الشياطين لصرف الراهب عن طريقه: “إنها أولاً تهجم بالتجربة. وتضع الصعاب، أي الأفكار الشريرة، لعرقلة طريقنا (…). إن عجزت عن خداع القلب باللذات الدنسة صراحة اقتربت في صور مختفية مختلفة، فتحاول أن تبعث الرعب والفزع، مغيرة أشكالها، ومتخذة صور النساء، والوحوش البرية، والزحافات، والأجساد الضخمة، وشكل الرهبان والقديسين (…) إلخ. الانتصار على الشياطين ليس عسيرًا، فعلى الراهب فقط التمييز بين صوره المختلفة التي يظهر بها عن الملائكة الحقيقيين.
    • الناسك هو نموذج الكمال المسيحي

أمر آخر يتناوله أثناسيوس باستفاضة وهو أن المغالاه في أعمال الإماتات التي يعشها الرهبان للوصول إلى حياة الفضيلة لم تنل من “هيئة جسمه السابقة، فلم يكن بدينا كرجل بدون تمرين، ولا نحيفاً هزيل الجسم بسبب الصوم والصراع مع الشياطين، بل كان كما عهدوه قبل اعتزاله”. ولم تغير طباعه فتجعلها أكثر خشونة، بل على العكس وجد الفلاسفة طباعَ أنطونيوس، بالرغم من معيشته في الجبال الوعرة رقيقةً مهذبة، ولم ينزعج منه أحد، بل سُر منه كل الذين زاروه. احتفظ أنطونيوس بتوازنه النفسي والجسدي بالرغم من حياته القاسية وسط الجبال. كونه “أُميّ” الثقافة اليونانية لم يمنعه من مقارعة الحكماء اليونانيين الحجة بأفضل منها: “إذًا فمن كان له عقل راجح أصبح في غير حاجة إلى الحروف”.

لا تمنع الحياة النسكية العمل بوصية المحبة تجاه القريب. فتوحد أنطونيوس مع مشكلات العالم عامة والكنيسة خاصة، فنراه يغادر صومعته وقت اضطهاد مكسميانوس ويذهب إلى الإسكندرية لمساندة إخوته، ورغب في الاستشهاد بقوة، لكن الرب حفظه لأجل فائدة الكنيسة، لكي يكون معلمًا عن النسك، فرغب كثيرين في أن يقتدوا به مجرد رؤيتهم طريقة حياته. فوضع أثناسيوس الحياة النسكية نموذجًا يجتاح الكنيسة.

قدم أثناسيوسُ أنطونيوسَ نموذجًا للفضيلة والكمال المسيحي للكنيسة جمعاء، وبصفة خاصة للراغبين، من الشباب، في اعتناق الحياة النسكية. الاقتداء بأنطونيوس ليس بالأمر الصعب، فلا تتطلب سوى إرادة الوصول إلى الكمال.

منذ نشر سيرة القديس أنطونيوس، أصبح لدي الرهبان نموذجا للاقتداء به، وبرنامجا لاتباعه. أصبح لديهم القاعدة اللاهوتية للحياة النسكية التي متى اتبعوها جنحوا إلى الكمال المنشود. انتشر هذا النموذج في العالم أجمع، وأثر في حياة كثيرين اتبعوا الطريق ذاته الذي رسمه أثناسيوس الرسولي: “الأب الروحي لنظام الرهبنة، منشئ الأُطر اللاهوتية للحياة النسكية والمنظم لقواعدها”. وظلت هذه السيرة تقرأ في الكنائس فترات طويلة، فألهبت حماسة الألوف من الشباب، فازدهرت البراري المصرية بالرهبان على نحو ما سجله الرحالة كما أشرنا سابقًا.

[1] Lefort, p. 276

[2] ATHANASIO, Vita Antonii, in: Ch. MOHRMANN – C. J. BARTELINK (a cura di), Vita di Antonio, Milano 1974, p. 7.

[3] الأولى إلى مدينة تريف Ttéve بفرنسا بعد إدانته في مجمع نقية 335م واستمر هذا النفي لمدة سنتين.

الثانية إلى روما بعد انعقاد مجمع في أنطاكية ضده 339م ولكنه استطاع أن يعود بعد 7سنوات نفي، كان فيها على كرسي الأسقفية البابا غريغوريوس الكبادوكي.

 الثالثة هرب فيها إلى الصحراء بعد إدانته في مجمع ميديولانون عام 256م وبقي في النفي لمدة 6سنوات.

 الرابعة هرب إلي طيبة حيث عاش وسط الرهبان هناك لمدة سنة 362-363م.

 الخامسة هرب إلى براري مصر ولمدة  4 سنوات

[4] Scenute, De viriginitate, in “CSCO” 96, p. 62.

[5] H. Dörries, Die Vita Antonii als Geschichtquelle, in NGWG 14(1949), pp. 359- 410.

[6]  L. von Hertling., Antonius der Einsiedler, Innsbruck 1929, p.27.

قد يعجبك ايضا
اترك رد