إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

لاهوت الحياة المُكَرسة (11): الحياة الإرسالية

0 546

الحياة الإرسالية

في إطار عرضنا عن الحياة الجماعية أشرنا إلى إن الله يدعو المُكرس ليعيش داخل جماعة مُكرسة بهدف رسالة معينة تُطلب من الجماعة الرهبانية ككل. فالحياة الجماعية لا تزهر إلا إذا قامت في سبيل غاية خارجة عن ذاتها: “ودَعا الذينَ أرادَهُم فحَضَروا إلَيهِ. فأقامَ مِنهُم اَثنَي عشَرَ سَمّاهُم رُسُلاً يُرافِقونَهُ فيُرْسِلُهُم مُبَشِّرينَ” (مرقس 3: 13- 14). فالجماعة هي جماعة مُنطلقة للبشارة وفي هذا غاية وجودها. حتى جماعة الحبيسات المتفرغات للحياة التأملية لهن رسالتهم الخاصة في الكنيسة، هذا ما نقرأه في الرسالة الرعائية الخاص بهنَّ “عروس الكلمة “VERBI  SPONSA: “الرسالة هي أيضاً من ضروريّات مؤسّسات الحياة التأمليّة. والمحصَّنات يحقّقنَها بمكوثهنَّ في قلب الكنيسة الرساليّ، بالصلاة المتواترة، وتقدمة ذواتهنَّ وتأدية ذبيحـة التسبيح.. إن مساهمة الراهبات الحسيّة في التبشير والحركة المسكونيّة ونموّ ملكوت الله في مختلف الثقافات هي أسمى ما تكون المساهمة الروحيّة” (بند 7).  لمؤسَّسات الحياة التأمليّة أهميّةٌ كبيرةٌ جدّاً في اهتداءِ النفوس، بفعل الصلوات وأعمال التوبة وتحمّل الشدائد، إذ إن الله، بفعل الصلوات، يُرسل عملةً إلى حصاده (رَ متى 9: 38)، ويفتح قلوبَ غير المسيحيّين لسماع الإنجيل (رَ أع 16: 14)، ويُخصب في قلوبهم كلمة الخلاص (1 كو 3: 7)».

الإطار اللاهوتي للحياة الإرسالة

في العهد القديم كان مُبرّر الاختيار والدعوة هي الرسالة، فيختار الله النبي لأجل رسالة معينة، كإرميا: ” «قَبلَ أنْ أُصوِّرَكَ في البَطْنِ اختَرتُكَ، وقَبلَ أنْ تَخرُج مِنَ الرَّحِمِ كَرَّستُكَ وجعَلتُكَ نبيُا للأُمَمِ» (إرميا 1: 5). أما في العهد الجديد فالله لا يختار ويدعو للرسالة، بل لأجل المدعو نفسه، كما سبق أن رأينا عند الكلام على التكريس. فالمسيح يختار الراهب من أجل شخصه، والراهب يختار المسيح من أجل شخصه، وما الرسالة إلا امتداد لهذه العلاقة؛ فالمسيح “يوجهه” لرسالة معينة والراهب يقوم بها تعبيرًا عن علاقته مع المسيح وتجسيدًا وتحقيقًا لها.

سبق أن حدد المجمع الفاتيكاني الثاني هذا الإطار اللاهوتي للحياة الإرسالية بقوله: “يجب أن يصدر عملهم الرسولي من صميم اتحادهم بالمسيح وأن ينشطوا في تعزيز الحياة المستترة مع المسيح في الله (راجع كولسي 3 :2). من هذه الحياة، تنبع محبة القريب وتصبح ملحة، وذلك لخلاص العالم ولبنيان الكنيسة” (م. ك: 6). تبنى الإرشاد الرسولي “الحياة المكرسة” ذات الإطار اللاهوتي فخصصَ القسم الثالث بأكمله للحياة الإرسالية مواضحًا ماهيتها في ثلاث عناصر أساسية وهي على الترتيب: التكريس، الحياة الأخوية داخل الجماعة المُكرسة، وأخيرًا الرسالة الخاصة لكل مؤسسة رهبانية. نلاحظ هنا أن الحياة الأخوية داخل الجماعة المعنية في هذا الجزء هي الحياة الخاصة بكافة المجموعات الرهبانية وليس فقط المكرسين، وبالتالي تنطبق أيضًا على أنظمة العلمانيين والذين يعيشون مثل هذا النوع من الحياة.

1. التكريس

التكريس هو المُكون الأول للحياة الإرسالية للمكرسين، فشهادة الحياة ذاتها – وفقا لتعاليم الكتاب المقدس- هي لكل إنسان مسيحي بمثابة أول وأهم خطوات الرسالة المسيحية. الحياة المكرسة والتي تتطلع إلى عكس شكل حياة المسيح ونمط حياته على الأرض فإن تكريسيها لهذا في طبيعته البشرية، فالشخص الذي يعيش عفيف، فقير، مطيع يكون بمثابة ذاكرة يسوع في الوقت الحالي، فنمط حياته يُشكل علامة استفهام في حياتنا المعاصرة والتي تعلي من شأن ثقافة اللحظة.

داخل الكنيسة يشكل هذا النمط من الحياة قوة تبشرية خاصة، فالمثل والنموذج الذي يعطيه المكرس بحياته عائشًا في نفس ظروف حياة المسيح الإنسان على الأرض له قوة ثأثير أكبر بكثير من محاولات الإقناع العقلية التي يمكن أن لا تجني ثمرًا.

في بند (18) تؤكد الرسالة على أن الحياة الإرسالية تبدأ بالقبول الغير مشروط على مثال استجابة العذراء لمخطط الله بإعلانها أنها أمهُ الرَّبّ، وعلى استعداد لعمل مشيئته. هذه الإستجابة هي عمق حياة الإبن يسوع الإنسان والذي أتي للعالم لعمل مشيئة أبيه السماوي، وهي في ذات الوقت ولُب حياة المكرس، الذي على مثال معلمه، يُكرس حياته لعمل مشيئة الله. فإذا كان التكريس، في حد ذاته، يعنى القبول الغير مشروط لإرادة الله في حياة الشخص، فإنه يَّعد بداية حياة التبشير والحياة الإرسالية أيضًا. ويتضح هذا في إعلان البابا أنه بالدرجة التي يعيش فيها المكرس تكريسه الخاص لله ويرهن ذاته لعمل مشيئته، فإنه بذلك يشارك بفاعلية في رسالة يسوع الخلاصية ويساهم بطريقة فريدة في تغيير العالم.

الحياة الإرسالية تبدأ إذن داخل الشخص المكرس أولا. فالرسالة الأولى التي على المكرس أن يقدمها هي تبشير ذاته. في هذه الرسالة يستند البابا إلى تقليد آباء الصحراء والذين نزحوا إليها رغبة في تطهير القلب من كافة ارتباطاته الدينوية ولترك مكانًا شاغلًا في القلب إلى الله ومجيء ملكوته جميع هؤلاء النساك كانوا مبشرين بكل ما تحمل الكلمة من معاني، فتطهير الذات والاستجابة الغير مشروطة لمشيئة الله في حياة الشخص هي أول مراحل الرسالة الحقيقية. شهادة الحياة التي قدمها هؤلاء النساك شكلت لقرون طويلة أقوى وسائل التبشير المسيحي. والجدير بالذكر هنا المثل الذي قدمه أنطونيوس الكبير وآثره في حياة الكثيرين.

التكريس في حد ذاته، إذن أولى خطوات الرسالة، لأن المكرس بالتزامه بالتكريس يترك مكانا في حياته الله ويضع ذاته لعمل مشيئته فيعكس نمط حياة يسوع الإنسان ويكون نورًا للعالم وملحًا للأرض. التكريس أخيرًا هو ما يميز الحياة الإرسالية للمكرس عن الحياة الإرسالية إلى أي عضو آخر من أعضاء الكنيسة كالعلماني أو أحد رجال الإكليروس.

في رسالته “فرح الإنجيل” يؤكد البابا فرنسيس هذا التوجه الذي تبنته الحياةالمكرسة؛ ففي الفقرة 120 يقول: “لا نقول أننا تلاميذ ومرسلون، بل تلاميذ – مرسلون”  بمعنى إنهما وجهان لحقيقة واحدة وبُعدان لهوية واحدة. فكل تلميذ مندفع للرسالة وكل مرسل يحمل في طياته التلمذة. يقول البابا في الفقرة 266: “المرسل الحقيقي هو الذي يبقى دائما تلميذ”

“وصَعِدَ إلى الجبَلِ ودَعا الذينَ أرادَهُم فحَضَروا إلَيهِ. 14فأقامَ مِنهُم اَثنَي عشَرَ سَمّاهُم رُسُلاً يُرافِقونَهُ فيُرْسِلُهُم مُبَشِّرينَ (مرقس 3: 13- 14) يصحبونه فيرسلهم، يوجد تتالي في الأفعال، الصحبة ثم الرسالة. الخبرة المعاشة، التلمذة  ثم الرسالة أي التبشير بها.

في الفقرة 150 يقول البابا عن التبشير بالانجيل: “في عصرنا أيضا، يفضّل الناس الاصغاء الى شهود: يطالب العالم بمبشرين بالانجيل يحدثونه عن إله يعرفونه و يترددون عليه … “واَجتَمَعَ الرُّسُلُ عِندَ يَسوعَ، وأخبروهُ بِكُلِّ ما عَمِلوا وعَلَّموا. وكانَ كثيرٌ مِنَ النـاسِ يَروحونَ ويَجيئونَ، فلا يَتركونَ لهُم فُرصةً ليأكُلوا طعامَهُم، فقالَ لهُم يَسوعُ: «تعالَوا أنتُم وحدَكُم إلى مكانٍ مُقفِرٍ واَستَريحوا قليلاً” (مرقس 6: 30- 31). يتردد الرسل على يسوع للحديث معه، للاختلاء معه، لمراجعة حياتهم.

2. الحياة الأخوية داخل الجماعة

ما يُميزّ إرسال يسوع تلاميذه، في العهد الجديد، أنه إرسال جماعي، فلم يَعُد يُرسل أفرادًا كالأنبياء بل إنه أرسل تلاميذه جماعيّا: “اذهبوا”، مِما يُضفي على الرسالة بُعدًا جماعيًا، كنسيًا يتجاوز الأفراد. مضمون الرسالة يتعلق بشخصه: “وتكونونَ لي شُهودًا في أُورُشليمَ واليَهودِيَّةِ كُلِّها والسّامِرَةِ، حتى أقاصي الأرضِ” (أعمال 1: 8)، وبتعاليمه: “وعلَّموهُم أن يَعمَلوا بِكُلٌ ما أوصَيْتُكُم بِه” (متى 28: 20).

الرسالة، إذن، هي ثمرة علاقة شخصية قبل أن تكون عملاً يؤديه مرسَل، فالراهب يقوم بالرسالة من فيض اختباره الشخصي. وفي الوقت نفسه، فإنها رسالة جماعية لا فردية، وإن استدعى الأمر أن يقوم بها وحده بدون الجماعة الرهبانية، فإنه يؤديها باسم رهبانيته التي تُكلفه بها، لأنه ليس هو المبادر فيها بل المُتلقي إياها كهبة مِن الله عن طريقة رهبانيته. فليس الراهب هو الذي يُرسل نفسه، بل إنه يتلقى رسالته كهبة من الله، كما أنّ الابن الأزلي اقتبل من الآب رسالته للبشر.

تناول الإرشاد الرسولي البعد الجماعي للحياة الإرسالية بالتذكير على أن المؤسس أو المؤسسة للمجموعة الرهبانية قد حدد أو حددت أنه من خلال الجماعة يمكن أن تحقق الأعمال الواجبة تجاه الآخرين بصورة أعمق وأقوي من العمل الفردي، كما إن حياة الشركة الواحدة لأعضاء الجماعة الواحدة  تشهد على إمكانية العيش في أرض جديدة وسموات جديدة حيث جميع الأفراد متساوون، متحابون ومتحدون في شركة واحدة. في ذات الوقت تعلن الحياة الأخوية على أن الكنيسة هي واحدة وأن الهدف الأساسي لها هي أن تجمع الجميع في شخص المسيح وأن توحد ما بين الإنسان وأخيه. أن عالم اليوم في أشد الاحتياج إلى هذا المعنى للحياة الأخوية والتي يعيشها المكرسون خاصة في ظل حالة الاغتراب التي يعيشها الكثيرون.

3. الرسالة الخاصة

إذا كان التكريس يعطي إمكانية الاشتراك في نمط حياة المسيح. فإن الرسالة الخاصة تعطي امكانية الاشتراك في أحد أعماله أو بالاحرى، أحد “أسراره” الخاصة. الرسالة الخاصة لكل مؤسسة رهبانية تعكس سرًا خاصًا أو عملًا من أعمال المسيح. فالمسيح حاضر في المؤسسة الرهبانية ليس فقط من خلال نمط حياته والتي تميزها المشورات الإنجيلية، لكن أيضًا من خلال عمل محدد أو رسالة خاصة قام بها المسيح في حياته على الأرض. القديس منصور دي بول، رأي في إصحاح 25 من إنجيل القديس متى، المسيح الذي يهتم بالفقراء والمساكين. ولهذا فروحانيته ورسالة مجموعته الرهبانية تنطلق من هذا المنظور لشخصية المسيح. في حين يأتي المسيح الفقير كنموذج لنمط ورسالة الرهبنة الفرنسيسكانية، نجد أن تعاليم المسيح حول التبشير والرسالة تميز جماعة دانيال كومبوني الإرسالية. هكذا فإن كل مؤسسة رهبانية تكرس حياتها لتعكس بعدًا واحدًا من أبعاد شخصية المسيح، وهذه الأبعاد المختلفة غير قابلة للنفاذ لأنها أبعاد شخصية إبن الله ذاته.

البعد الخاص بالجماعة المكرسة يُعبر عنه بمصطلح الرسالة الكاريزماتية للجماعة الرهبانية “La missione carismatica”. ويجب الإشارة إلى أن الرسالة الخاصة ليست فقط النشاط الرعوي، بل التوجه العام للمؤسسة الرهبانية ودورها في الكنيسة. لهذا تنادى الرسالة الرعائية للحياة المكرسة بضرورة أن تقوم المؤسسات الرهبانية بإعادة النظر في أوجه النشاط التي تقوم بها لكي تعكس التوجه العام للمؤسسة الرهبانية.

4. رسالة الحياة المكرسة في العالم المعاصر

عند تعرض سينودس الأساقفة للجانب الإرسالي للحياة المكرسة في مناطق العالم المختلفة ربط بين هذا الجانب والتحديات القائمة في العالم المعاصر. هذه العلاقة هي قلب القسم الثالث من الرسالة الرعائية والذي يبدأ بعرض لاهوت الحياة الإرسالية، ثم لتحديدات العالم المعاصرة للرسالة المسيحية. من هذا يتضح أن الفهم الواضح لرسالة الحياة المكرسة يتطلب، بالإضافة إلى وجود فكر لاهوتي واضح عن ماهية الرسالة التبشرية للمكرسين، يلزم أيضا توافر فكرة واضحة بخصوص الصعوبات التي تواجه الرسالة المسيحية في عالمنا المعاصر ومناطقه المختلفة. لهذا فأن على المكرسين الإلمام بكافة هذه الصعوبات والتحديات حتى تكون رسالتهم فعّالة وإيجابية، وفي نفس الوقت ملائمة لاحتياجات إنسان اليوم ومستواه الثقافي والفكري.

  • المقصود بالتحديات المعاصرة تلك الميول والاتجاهات السائدة في عالم اليوم تؤثر بشدة على الحياة المكرسة. المطلوب ليس التعرف على البعد الاجتماعي والاقتصادي لهذه الميول والاتجاهات والتي يمكن التوصل إلى معرفته عن طريق القواعد العلمية الخاصة بعلوم الاجتماع والاقتصاد، ولكن أيضًا التعرف على بعدها اللاهوتي من حيث إنها علامات الأزمنة التي تعبر عن صورة الله الموجهة للكنيسة في الوقت الحالي: Vox dei appellantis Ecclesiam hic et nune””. الحياة المكرسة لا يجب أن تكون بعيدة عن هذه التحديات، بل العكس يجب أن تكون قادرة على مواجهتها، يجب أن تكون قادرة على عكس وجه الله الخلاصي وتعاليم الإنجيل أمامها. يتطلب هذا ضرورة توافر الثقة في عمل وقوة الروح القدس من جانب المكرسين، فالروح يظهر من خلال هذه العلامات احتياجات وتساؤلات إنسان اليوم ويساعد على تقديم الإجابة الشافية لهذه التساؤلات.
  • هناك كم كبير من التحديات والصعوبات وأحيانًا تظهر متعارضة فيما بينها، فكيف يمكن للحياة المكرسة مواجهتها؟ الرسالة الرعائية في إجابتها على هذا التساؤل، تشدد على أن الواجب الأول للحياة المكرسة هو مواجهة الصعوبات التي تعترض الكاريزما الخاصة لكل مؤسسة رهبانية. المكرس يجب أن يلم بكافة التحديات التي تواجه الكنيسة اليوم بشكل عام والحياة المكرسة بشكل خاص، ولكنه يجب أن يجتهد في التوصل إلى إجابات شافية فقط لتلك الصعوبات والتحديات التي تواجه الكاريزما الخاصة بمؤسسة الرهبانية. على المكرس أن يُدرك حجم ونوعية هذه الصعوبات وأن تصبح مادة خصبة لصلاته وتأملاته وأن يجتهد في التغلب عليها وفي ذات الوقت أن يكن أمينا للكاريزما الخاصة.

الرسالة الرعائية تريد من المكرسين أن يكونوا أكثر ارتباطًا بالكاريزما الخاصة حتى لا يسقطوا في هوة العموميات. أهم ما يميز عالمنا المعاصر هو التخصصات الدقيقة وتماشيًا مع متطلباته فإن على المكرس أن يكون ملمًا بكل تفاصيل الكاريزما الخاصة به وأن يكون على استعداد لتقديم إجابات واضحة لكافة التساؤلات المتعلقة بهذه الكاريزما.

يلاحظ أن في كل مرة تتناول الرسالة موضوع الكاريزما الخاصة تورد هذه العبارة “أمانة خّلاقة” أو “أمانة ديناميكية” أي الآصالة للكاريزما. هذه الأمانة لا تتطلب ترديد نفس النغمات وتكرار نفس الأفعال التي قام بها المؤسس، بل يهتم المكرسون بمؤامة الكاريزما الخاصة وفقًا لمتطلبات الحياة المعاصرة مع الإلتزام بالروح العامة للكاريزما. هذه العلاقة بين الأمانة للكاريزما والروح الخلاقة والمتجددة تُعد أكثر التحديات التي تواجه الحياة المكرسة في الوقت الحالي.

  • هناك مشكلة أخرى متعلقة بماهية الاتجاهات في المجتمع التي يمكن إعتبارها صوت الله؟ هنا تظهر مشكلة التمييز الروحي. تردد الرسالة كثيرًا أن التمييز لا يتم بمعزل عن القراءة الجيدة للأحداث للتعرف على علامات الأزمنة. من هنا تظهر أهمية تربية هذا الوعي لدي المكرسين وامكانية استخدامه في الوقت المناسب للتعرف على صوت الله في الأحداث المتعاقبة اليومية. التمييز الروحي في حد ذاته يعني البحث عن إرادة الله من خلال الأحداث اليومية مع الإيمان بأن الله يعمل بصفة مستمرة في العالم. التمييز يعنى الإستعداد للتغيير حتى إذا وصل الأمر لتغيير الوضع الحالي للمؤسسة الرهبانية استجابة لصوت الله.

في هذا المجال هناك سؤالان يبحث المكرسون عن إجابة لهما: الأول متعلق بكيفية تمييز إرادة الله وسط الأحداث اليومية؟ أما الثاني فهو عن كيفية تكوين هذا الوعي لديهم؟ هذان السؤالان في حد ذاتهما يعكسان مدى التحدي الذي تواجهه الحياة المكرسة اليوم وستواجه في السنوات القليلة القادمة.

  • يلاحظ أن الرسالة الرعائية تعطي بعضًا من التغيير في مفهوم الالتزام الاجتماعي للمكرسين، فهي تحول الاهتمام من أعمال المحبة العينية (مثل تقديم الخدمات الاجتماعية والثقافية خاصة في النواحي التعليمية والتربوية) إلى المحبة الروحية كواجب والتزام للمكرسين. هذا التحول في مفهوم الالتزام الاجتماعي لا يعنى أن الفقر المادي اختفى من عالمنا المعاصر، مما يستلزم من المكرسين ترك هذه النوعية من الخدمات. الفقر المادي موجود، بل ويزداد تفشيًا في مناطق كثيرة من العالم. الرسالة الرعائية ترى ان الوسائل الروحية هي الأكثر قدرة على مواجهة تحدى الفقر المادي المستشري في مجتمعات كثيرة. لم تنفى الرسالة بذلك أهمية أعمال المحبة العينية التي تقدمها بعض المؤسسات الرهبانية كوسيلة فعالة في محاربة الفقر المادي ولكن تعطى أهمية أكثر للوسائل الروحية، كالاهتمام بالتبشير والبعد الروحي لتلك الفئات.
  • عندما رغبت الرسالة الرعائية في تقديم مجالات الرسالة، قسمت المشكلات الأساسية في ثلاث مجموعات. الأولى هي “Ad Gentes” والمقصود هنا تلك المجتمعات التي لم تعرف بعد شخص يسوع المسيح كأبن الله ومخلص العالم. المجموعة الثانية تضم تلك المجتمعات التي تم تبشيرها منذ فترات طويلة ولكنها حاليا في حاجة إلى إعادة تبشير. أما المجموعة الأخيرة فمن مجموعات الفقراء في المناطق الأكثر إحتياجًا والتي فيها يعد الفقر صورة من صور الظلم الاجتماعي.

5. Ad Gentes

تؤكد الرسالة على أهمية الانفتاح على كافة المجتمعات، خاصة تلك التي لم تعرف بعد شخص يسوع المسيح. كل المؤسسات الرهبانية مدعوة للخوض في هذا المجال، حتى تلك التي لم يسبق لها القيام بهذه النوعية من الرسالة، فهي مدعوة أيضا لتنمية الوعي الإرسالي لدي أفرادها. الحياة المكرسة إذن مدعوة للقيام بتبشير تلك المجتمعات. تؤكد الرسالة على أن هذا المجال لابد أن يُعد قضية خاصة لكل مؤسسة وعليها ايجاد الإجابة المناسبة عليها، ويستشهد البابا بقول الرسول بولس: “الويل ليَّ إن لم أُبشر”.

6. إعادة التبشير

يُظهر البابا صعوبة التوصل إلى طرق أكثر فاعلية للتبشير وتنمية الوعي الإرسالي للمكرسين قبل أن يقوم المكرسون بتبشير ذواتهم أولاً. يجب أن توجه الرسالة إلى المكرسين والمكرسات أولاً ومنها تنطلق إلى الآخرين. القلب المملوء بالمعاني وقيم الإنجيل هو وحده القادر على تقديم الرسالة للآخرين وفي ذات الوقت فإن الامتلاء بالقيم الإنجيلية يعطي قدرة خّلاقة على إيجاد الوسائل الأكثر فاعلية لتقديم الرسالة. التجسد يسبق مرحلة التبشير والرسالة العلنية في حياة يسوع، هكذا الحال مع المكرس. فالمسيح قضى مرحلة طفولته وشبابه في صمت تام، عائشًا في ظلمة الناصرة استعدادًا لتقديم ونشر النور في العالم. والتعبير ذاته المستخدم لوصف حياة المكرسين يشير إلى هذا المعنى، فنحن نقول “حياة مكرسة” فهي إذن حياة معاشة وفقا للقيم الإنجيلية وتكريس الحياة لله. ومن هنا فأن العيش الأمين لمتقضيات هذه الحياة يعد أولى مراحل التبشير والرسالة.

إعادة التبشير يُعّد عنصرًا هامًا لأنه يمس عمق الحياة ذاتها بالنسبة للمكرس. تعاليم الرسالة الرعائية بمثابة دعوة للإصلاح الداخلي والعيش وفقًا لمقتضيات الإنجيل. دعوة البابا للتبشير الذاتي والإصلاح الداخلي لم تأتي لسد ثغرات في البرامج الرعوية للمكرسين، لكنها دعوة إلى العودة إلى الينبوع الأساسي للحياة المكرسة، ألا وهو القيم الإنجيلية. وقد ساعد الإنغماس في الأنشطة الرعوية، في كثير من الأحيان، على نسيان هذه الحقيقة المهمة وهي أن الحياة المكرسة في حد ذاتها، وقبل أي شيء أخر، تحتاج إلى تبشير مستمر وارتباط قوي بحياة الإنجيل بإعتباره المنبع الأساسي والذي منه تستقى روحانياتها.

تتعرض الرسالة في هذا الإطار لإحدى المشكلات الهامة والتي تؤثر على رسالة المكرس والمتعلقة بالاغتراب الثقافي. تتأرجح هذه المشكلة بين الحاجة إلى التخلى عن الإرتباط الثقافي الخاص بالفرد حتى يتمكن من التأقلم مع الثقافات المختلفة والتي قد تقضي ظروف الرسالة التعايش معها، وما بين المساهمة بالقيم الإنجيلية في المكون الأساسي لتلك الثقافات.

تتناول الرسالة الرعائية الجانب الأول للمشكلة في بند (79)، أما الجانب الثاني فقد خُصص له بند (80). تركز الرسالة على وحدة المؤسسة الرهبانية لأن التأقلم مع الثقافات الأخرى يؤدي إلى التفتت الداخلي في المؤسسة، لأنه يُعدد الطرق المختلفة اللازمة لمعالجة ذات المشكلات.

في البند (51) نجد إشارة ذات معنى من قداسة البابا، فيشير إلى المؤسسات التي تقدم رسالتها في نطاق دولي أو عالمي، فأن عليها مواجهة مشكلة التعدد الثقافي للحفاظ على الهوية الخاصة بالمؤسسة. فالهوية واحدة لأن الخبرة الروحية للمؤسس واحدة. انتشار المؤسسة بعد المؤسس في بلدان كثيرة لا يجب أن يفقد هذه الهوية أصالتها وفرادتها. التوصل إلى الوحدة رغم الاختلاف والتباين للمكرسين يعطي مثلاً صريحًا على عالمية الكنيسة الجامعة. فالمؤسسة تضك أفرادًا من شتى أرجاء المعمورة، ولكن يجمعها روحٌ واحد وهويةٌ واحدة، مثلها مثل الكنيسة التي تجمع الجميع في إطار أخوية واحدة رغم أنها تضم كنائس إقليمية ذات ثقافات متباينة. على المؤسسات الرهبانية إذن التغلب على مشكلة الاغتراب الثقافي وجعل تلاقي أفراج من ثقافات مختلفة نوعًا من الغنى الذي يثرى الروحانية الخاصة بالمؤسسة، وليس كأداة للأنقسام والأختلاف.

7. الأعمال الخيرية لخدمة الفقراء

لو تم عقد سينودس الأساقفة قبل عشر سنوات لكان هذا الموضوع استحوذ على اهتمام أكبر بكثير مما استحوذ عليه في سينودس الأساقفة المنعقد في عام 1994. قبل عشر سنوات كانت أمريكا اللاتينية تموج بثورات التحرير والكفاح ضد الفقر المدقع والظلم الاجتماعي. في تلك السنوات ظهر لاهوت التحرير في محاولة لإيجاد مخرج لتلك المشكلات. وبالرغم من الفقر مازال يربض على مظاهر الحياة في أمريكا اللاتينية، ويُعد من أصعب المشكلات التي تواجه الرسالة المسيحية، إلا أن هذه المشكلة لم تحظى بحيز كبير من الاهتمام داخل أروقة سينودس الأساقفة.

تعالج الرسالة الرعائية هذا الموضوع في بند (82) عندما تشير إلى الأعمال الخيرية المقدمة لخدمة الفقراء والتي تدفع بعض المكرسين لمحاربة الظلم الاجتماعي المتسبب الأول في مشكلة الفقر. لم تكتفي الرسالة بهذا الشكل من مظاهر الفقر، بل تناولت كافة الذين يتواجدون في حالة ضعف أو احتياج، مثل المهاجرين والمسنين والمرضى والأطفال. هؤلاء ليسوا فقراء بالمعنى المادي، ولكنه فقر من نوع آخر. تدعو الرسالة إلى التضامن مع هؤلاء، خاصة المهمشين مهم. ويعنى التضامن هنا مشاركتهم الظروف التي يعيشون فيها، العيش مثلهم محرومين من أشياء عدة. اختيار العيش كفقراء هو في حد ذاته، اعلان لأنجيل الخلاص للفقراء. وتعرض الرسالة في البنود التالية (90- 98) للأعمال الخيرية لمساعدة الفقراء وفقا للكاريزما الخاصة بكل مؤسسة رهبانية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد