إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تاريخ الحياة المكرسة (19): قديسو الكّرمل

0 178

القديسة تريزا الأﭬـيلية

تحمل القديسة تريزا الأﭬـيلية لقبين للمكانة البارزة التي شغلتها في تاريخ الروحانية: مُصلِحة الكرمل، وأعلى سلطة في لاهوت الصلاة. ولِدَت في مونيدا بالقرب من أﭬـيلا، وكانت منذ سنواتها الأولى منقادة إلى الله، وتشددت روحها التقوية من مَثَل والدَيها. حين بغلت الثالثة عشر من عمرها توفيت والدتها، فأرسِلَت الصبية إلى مدرسةٍ تديرها الراهبات الأغسطينيّات. وتركت الممدرسة وهي فتاة ناضجة، واهتمت بشؤؤن البيت لأجل والدها. كانت تريزا مقتنعة بأنّ دعوتها هي الحياةالرهبانية. وعلى الرغم من معارضة والدها في البداية، دخلت دير التجسد للكرميليات في أﭬـيلا. ظنت أن الحياة بالدير صعبةٌ للغاية، ففوجئت بأن حياة الراهبات حياةٌ تقوى عايدة مثلُ أيٍ مسيحي آخر، وكل ما يميزَهُنّ عن غيرهنّ، حياةٌ البتولية.

جاهدت، بعد أبراز نذورها الاحتفالية، من أجل الكمال، لكنها سرعان ما ممرضت ودخلت في غيبوبة دامت أربعة أيام، فكانت راقدة وكأنّها ميتة. استعادت صحتها تدريجيًا لتعود إلى الدير، ولكنها ظلت مشلولة فترةً من الزمن. وحين تعافت تمامًا في آخر الأمر، نسبت شفاءها إلى شفاعة القديس يوسف، فصارت تكنّ له منذ ذلك الحين تقوى عميقة.

وفي مطلع عام 1554، قرأت تريزا كتاب “اعترافات” للقديس أغسطينوس. فانفتحت عيناها على الأسرار العليا، وبدأت تحيا من جديد حياة الصلاة والحرارة والإماتة. وأخذت تقول: “حسبي الله”. “الله وحده يكفيني”. وعملت على إصلاح ذاتها قبل إصلاح غيرها. فعكفت على التأمّل والصلاة العقلية. وبدأت تميت جسدها بشتى أنواع الإماتات. فكانت تلبس المسح الخشن وتزنّر جسدها بحزام من معدنٍ مسنّن، وتصوم وتصلّي، حتى أصبح جسدُها أسيرًا لنفسها المتعطشة لله، المشرقة بالأنوار السماوية وأخذت تختبر حالاتٍ من الانخطاف والأعراض الخارقة. فلجأت إلى استشارة لاهوتيين كبار، من ودومنيكان وفرنسيسكان، إلا إن المساعدة الكبرى التي نالتها كانت معرّفٍ يسوعيّ، بالتازار أﭬـارِس، الذي كان يبلغ من العمر خمس وعشرون عامًا فقط، ولكنه موهوب بقدرةٍ فائقةٍ في التمييز، وكفاءةٍ في معرفة أعمال الله في نفس تريزا.

في العام 1560، قررت تريزا وبعض الرفيقات أن الحاجة هي إلى إصلاح الحياة الكرميلية. وبعد ذلك نالت تريزا أمرًا من السماء بأن تقود المجموعة. وبعد عددٍ من الصعوبات والتأجيلات، افتُتِحَ الدير الأول للإصلاح بأﭬـيلا في العام 1562، ووضِعَ تحت رعاية القديس يوسف. عكفت تريزا على تأسيس الدير وتنشئة المبتدئات على الروح الكرميلية الأصيلة، ولهذا الغرض كتبت كتابها “طريق الكمال”. فزاع صيت ذلك الدير وازداد من جهة، عدد الراغبات في حياة ذلك الدير الجديد، كما ازدادت المقاومة من جهة أخرى من جانب الأساقفة وأعضاء الطبقة النبيلة وراهباتها الكرميليات.

ولكنّ تريزا كانت واضعة هدفها الإصلاحي نصب عينيها. فعزمت على تخطّي جميع العقبات، متكلةً على نعمة الروح وقوّته. فطبّقت القانون المتشدد، واضعةً صرامةً شديدةً في الطعام واللباس، حَددت ساعتيّ تأمّل عقلي في اليوم، وحياة انقطاع تام عن إغراءات العالم. والإقلال من الاجتماعات والزيارات والخروج من الدير. حَظيت بعد فترة بزيارة الرئيس العام للرهبانيّة الكرمليّة الأب روبير، فأُعجب بذلك النمط الجديد، ورعى مشروعَها، وشجّعها على بناء وإصلاح أديارٍ أخرى. فوُلد الدير الثاني في “مدينة دل كمبو”Medina Del Campo

ولكنّ تريزا أدركت أن الحياة الرهبانيّة الأصيلة وتطبيق هذا القانون المتشدّد، لن يتحققا إلاّ بانضمام الرهبان أيضًا إلى هذا التيار الإصلاحي. فكتبت تريزا بهذا الخصوص إلى الرئيس العام الأب روبير فسمح لها بتأسيس أديرة للرهبان الكرمليّين الذين يعيشون بدورهم حياة الرخاء والتساهل في شتّى الميادين. وبدأت تريزا تبحث عن رهبان كرمليين تنسجم أفكارهم وأفكارها لمساعدتها في عملية إصلاح الفرع الرجالي. فحظيت بمعرفة راهبين هما يوحنا الصليب وأنطونيو دي هيريديا، اللذين أخذا عهدًا على نفسيهما في مساعدتها بعملية الإصلاح هذه. فإزدهرت الحركة الإصلاحية وأسست تريزا 16 ديرًا للكرمليّات.

أسسَ يوحنا الصليبي أو دير للكرميلين المتشددين في العام 1568، ثم ديرًا للمبتدئين في مدينة (باسترانا). ولكنّ هذه الخطوة لاقت مقاومات عنيفة، مِن الرهبان، وصلت إلى مرحلة الإضطهاد، إذ إن المناوئين لهذه الحركة الإصلاحية المتشدّدة، توصّلوا إلى حجز تريزا في أحد الأديرة وإلى اختطاف يوحنا الصليب وزجّه في سجن دير طليطلة، ومعاملته أقسى معاملة. وازداد الإضطهاد، مما دفع الكرمليّين الحفاة إلى إقامة إقليم منفصل عن الكرمليّين الملطّفين (العائشين حسب القانون الملطف السهل). وسنة 1586 أصبحوا رهبانيّة لها حكمها الذاتي. وسنة 1593 أصبحوا رهبانيّة مستقلّة تمامًا.

رغم الإضطهاد، لم تستسلم تريزا لليأس، بل واصلت الكفاح بجرأة من أجل متابعة هذه المسيرة الاصلاحية. وأخذت تكتب وتنصح وتوبّخ. فكتبت إلى الرئيس العام الأب روبير، وإلى الملك فيليب الثاني. كما أنها عكفت على كتابة كتاب روحي نفيس عنوانه “الصرح الداخلي”. وانتقلت تريزا إلى الحياة الأبدية في 4 أكتوبر، في عيد القديس فرنسيس الأسيزي، العام 1582.

برزت تريزا كمعلمة روحية وتخطت شهرتها حدود إسبانيا إلى العالم كله، بعد ترجمت كتاباتها إلى معظم اللغات الأوروبية والشرقية. تَّأثر بتعاليمها عن الصلاة كل الكتاب الروحيين من بعدها، أمثال ألفونس ليغوري وفرانسوا دو سال. أهم أعمالها: السيرة، طريق الكمال، والمنازل. والأخير المذكور هو الأهم. وخلافًا لكثير من المقالات في الصلاة قبل زمن القديس إغناطيوس، فقد كانت مؤلفات القديسة تريزا عملية ووصفية. لذا أعلنتها الكنيسة، بفم البابا بولس السادس في العام 1970، أول معلمة للكنيسة جمعاء.

أنصبت طريقة تريزا في التأمل على شخصية يسوع المسيح. هكذا تقول في كتاب السيرة: “ما التأمل في رأيي، إلاّ حديثُ صداقةٍ نُجريه غالباً على انفراد مع مَن نعرف أنّه يُحبُّنا“. (سيرة 5،8):

  • حديث أي حوار وكلمات تُوَجَّه إلى شخصٍ حيٍّ بصيغةِ المخاطَب الحاضِر لا بصورة الغائب؛ هو حوار Dialogue وليس حوار مع الذات Monologue، بل الحاضر يجيب في الأعماق وعندما يشاء.
  • صداقة: هذا الحاضر أكنّ له حبّاً عميقاً صافياً كحبِّ الصديق لصديقه، فأُحدِّثه بثقةٍ ودالّةٍ وجرأة.
  • نجريه على انفراد: تعبير عن العزلة المادية بالمكان والأجواء الهادئة، والعزلة الباطنية باستجماع القوى النفسية في موضوع الحبّ أو في ذات المحبوب. “وهدف الإختلاء هو أن يقودَ النفس إلى هيكل الله الحميم”.
  • مع مَن نعرف: هذه المعرفة تتأتّى من الإيمان، ومن الذاكرة التي تعيد إلينا ما صنعه الله لأجلنا بالخلق أو بالفداء,
  • أنه يحبّنا: وجودُ الله ليس مجرّدَ وجود، بل حضورُ مُحبّ، حضورُ شخصٍ حبيبٍ يحرّك حضورُه أعماق الصديق الوجدانية فيستجيب لنداءِ الحبّ[1].

هناك سبع مراحل للصلاة بحسب المنازل، الأولى: النفس ما تزال في حالة من التعلق بالأشياء الأرضية، ومعرضة دومًا لخطر الابتعاد عن رغباتها الصالحة. إن ممارسة الصلاة في هذه المرحلة هي لفظية صرفة. تقوم الصلاة اللفظية Oratio vocalis على تحريك الشِّفاه وإعلاء الصوت بتلاوة صلوات مكتوبة كالمزامير والأبانا، أو بالترنيم فرديًّا أو جماعيًّا، كالإحتفالات الليتورجيّا.

عندما توشك النفس على دخول المنازل الثانية، تبدأ بممارسة الصلاة العقلية Oratio mentalis بجدية، على الرغم من وجود فتراتٍ متكررة من الجفاف والصعوبات التي تدفع النفس إلى التخلي عن بذل الجهد. إن الصلاة المميزة لهذه المرحلة هي التأمل العقلي. وعلى الرغم من أنّ الصلاة العقلية هي صلاة تفكيرية، عليها ألا تنحصر في عملية التفكير، بل الإدراك الصافي للحب. ” حين تكون النفسُ في سكينتها الضيّقة، تَنشغل بالحبِّ وحده، ولا تُحسِن التفكيرَ في شيءٍ آخر”. وتنصح القديس تريزا مَن تعودوا على “الإكثار من استعمال تفكيرهم” أن يتأملوا المسيح ويحاوروه. ولمّن يواجهون صعوبات في السيطرة على قدراتهم في أثناء التأمل، تقترح بأن يتلوا أو يقرأوا بعض الصلوات اللفظية، وأن يفكروا في كلماتها.

وبالانتقال إلى المنازل الثالثة، تدخل النفس في المرحلة الأخيرة من الصلاة الطبيعية أو المكتسبة، وهي تسمي صلاة الخلوة المتكتسبة أو التطلع Contemplation أو المشاهدة وهي الوعي بحضور الله. ومن شدة حيوية هذا الحضور، تتحد كل القدرات في حالة خلوةٍ مع الله وانتباه إليه. وتشير القديسة تريزا إلى أنّ هذا النمط من الصلاة يتعزّز إذا نمّت النفس وعيًا لحضور الله فينا، وأخضعت ذاتها كليةً للمشيئة الإلهية، وجاهدت دومًا لتعيش في حضور الله حتى حين تنخرط في انشغالاتٍ أخرى غير ممارسة الصلاة.

المنازل الرابعة تُدخِلُ النفس إلى أول أنواع الصلاة الصوفية، وهي صلاة فائقة الطبيعة ومُفاضة، تُسمّى صلاة الهدوء. وهي حالة الاتحاد الحميم للفكر مع الله، بحيث تتمتع النفس بوعيٍ حيٍّ لحضور الله. في هذه الصلاة تغرق الإرادة الشخصية بحب الله، وتتحد بالله لأنه صلاحها الأعلى.

ثم تنتقل النفس إلى صلاة الاتحاد في المنازل الخامسة، وهو وقت الحوار أو الحديث الودي، فلا فائدة من كل الأعمال السابقة إن لم تبلغ بنا إلى الحوار. تّسكب النفس ذاتُها أمام الله في حوارٍ هادئ وودي. وفي المنازل السادسة، فإن النفس تخضع في أعلى درجات الصلاة الصوفية لمحيٍ شديدة وآلام،. وليس نادرًا أن نرى النفوس تنال في هذه المرحلة من الصلاة ظواهر صوفية مدهشة كالنشوة، وتحليق الروح، والعبارات، والرؤى، وغيرها. وبعدها تدخل إلى المنازل السابعة والأخيرة، فتدرك النفس تضرع المسيح لأبيه السماويّ: “ليّكونوا واحٍدًا كما نَحنُ واحِد: أنا فِيهم وأنتَ فِيَّ” (يوحنا 17: 22- 23). هذه هي حالة الزواج الصوفي أو الاتحاد المحوِّل.

ومن الخطأ اعتقاد أن عقيدة القديسة تريزا كانت صوفية حصرًا. فبالرغم من إنها موجه للراهبات التأمليات، إلا إنها تعلن إن القداسة ليست في الخوارق بل في القيام بالأفعال الاعتيادية بطريقةٍ رائعة. إنّ أساس القداسة هي التوافق الكامل مع إرادة الله، والتخلى التام عن الإرادة البشرية، وإخضاعها كليّة لله.

القديس يوحنا الصليبي

ارتبط القديس يوحنا الصليبي بالقديسة تريزا الأﭬـيلية وقاما سويا بإصلاح العائلة الكرميلية. أعلنه البابا بيوس الحادي عشر معلمًا للكنيسة عام 1926، وأُطلِقَ عليه في تقليد الآباء المعلمين الصوفيين اسم ”المعلّم الصوفي”، بالرغم من كَونه غير معروفًا ومقروءًا كما يليق به، ولهذا عدة أسباب: إن يكتب أساسًا للنفوس التي تقدمت في طريق الكمال؛ تعليمه حول التخلي والتنقية أصعب من أن يّبلغه المسيحي العادي؛ لغته في بعض الأحيان شديدة الدقة وميتافيزيقية ويصعب تكييفها مع مذاق القارئ المعاصر.

ولِدَ يوحنّا الصليبي[2] عام 1542 في قرية فونتيفيروس بالقرب من أﭬـيلا.  كانت عائلتُه فقيرةً جدًا، وتوفى أبوه بعد ولادته ببضعة أشهر. انتقلت الأسرة إلى مدينا دِل كامبو، حيث اشتغل يوحنا في مختلف الصناعات، ودرس في المدرسة اليسوعية من 1559 إلى 1563. دخل دير الكرمل وهو في الواحد والعشرين من عمره، وأَرسِلَ إلى جامعة سلمنكا، حيث درس ثلاث سنوات الفن والفلسفة. ورُسِمَ كاهنًا عام 1567 ورجع إلى مدينا ديل كامبو للاحتفال بقدّاسه الأول محاطًا بحنان عائلته وأقربائه. وجرى هنا بالضبط اللقاءُ الأول بين يوحنّا وتيريزا يسوع. وكان لقاءً حاسمًا لكليهما، إذ عرضت عليه تيريزا خطّتها لإصلاح رهبنة الكرمل، بفرعها الرجالي أيضًا، واقترحت عليه الانضمام إليها ”من أجل تمجيدٍ أعظم لله”. انجذب الكاهنُ الشاب لأفكار تريزا، حتّى أصبحَ مساندًا كبيرًا للمشروع. وعمل الاثنان سويةً بضعة أشهر متقاسمين الأفكار والاقتراحات من أجل إفتتاح أولّ بيتٍ للكرمليين الحفاة بأسرع ما يمكن. وتمّ الافتتاح فعلاً في 28 ديسمبر 1568 في دوريلو، موضع للتوحّد في مقاطعة أﭬـيلا. ومع يوحنا أسسَ ثلاثة رفاقٍ أخرين له أولَ جماعةٍ رجالية مُصلِحة. وفي تجديد تكريسهم الرهباني بحسب القاعدة الرهبانية الأوليّة، تبنّى الأربعة اسمًا جديدًا: فسُميّ يوحنّا بـ”الصليبي”، كما سيُعرَفُ بهذا الاسم في كلّ العالم. وفي نهاية عام 1572، وبناءً على طلب القديسة تريزا، أصبحَ يوحنّا معرّفًا ومدبّرًا لدير التجسّد في أﭬـيلا الذي ترأسه القديسة ذاتها. فكانت سنواتٌ من التعاون والصداقة الروحية التي أغنت كليهما! وترجعُ إلى تلك الفترة الأعمالُ الثمينة لتريزا والكتاباتُ الأولى ليوحنّا.

لم يكن الانضمام إلى الإصلاح الكرملي أمرًا سهلاً ليوحنّا، لا بل كلّفه معاناة كبيرة. والحدثُ الذي سبّبَ له صدمةً كبيرة كان عام 1577، عندما خُطِفَ وسُجِنَ في دير التقيّد القديم للكرمليات في طليطة، بعد اتّهامه باطلاً. وبقيَ القديسُ سجينًا لأشهر يتحمّل الحرمان والإكراه الجسدي والمعنوي. وهنا ألّفَ، إلى جانب العديد من الأشعار الأخرى، مؤلّفه الروحي الشهير.

وبعد هروبه من طليطلة، أمضى يوحنا غالبية ما بقي من حياته في الأندلس، حيث قضى عشر سنين في مختلف الأديرة وخاصةً في غرانادا. كما تولّى مناصب مهمّة في الرهبنة حتّى أنّه أصبحَ مدبرًا أقليميًا، وأكمل تحرير مؤلفاته الروحية. ورجع من ثمّ إلى أرض مولده، كعضوٍ في الرئاسة العامّة للعائلة الرهبانية التيريزية، والتي كانت تتمتعُ في وقتها باستقلالٍ قانوني كامل. وسكنَ في الكرمل في سيكوفيا، وأقام هناك الرئاسة العليا لتلك الجماعة. وفي عام 1591 تخلّى عن كلّ مسؤولياته وأُرسِلَ إلى الاقليم الرهباني الجديد في المكسيك. وبينما كان يُعدُّ نفسه للرحلة الطويلة مع عشرة رفاقٍ آخرين وقبل الرحيل، اختلى في ديرٍ منفرد قريب على جان وهناك أُصيبَ بمرضٍ خطير. وواجه يوحنا بصفاءٍ وصبر كاملين معاناة جمّة. وماتَ في ليلة 13 ديسمبر 1591، بينما كان الإخوة يتلون صلاة الفرض الصباحية. فقال لهم: ”سأذهبُ اليوم لأتلو صلاة الفرض في السماء”. ونُقِلَت جسده إلى سيكوفيا. أعلنه البابا بندكتوس الثالث عشر قديسًا عام 1726، وأعلنه البابا بيوس الحادي عشر معلمًا في الكنيسة في العام 1926.

يُعتبر القديس يوحنا واحدًا من أهم شعراء القصيدة في الأدب الأسباني. وله أربعة أعمال كبيرة: الصعود إلى جبل الكرمل، الليل المظلم، المؤلّف الروحي ولهيب الحبّ الحيّ. توّضح هذه الأعمال المبدأ الأساسي للاهوت يوحنا الصليب، الذي ينحصرُ في أنّ القداسة هي الوصول إلى اتحادٍ كاملٍ بالله. شرط الوصول هو القيام بتنقيةٍ مركزة وعميقة لكل قدرات النفس والجسد وقواهما.

في المؤلّف الروحي، يعرضُ القديس يوحنّا مسيرةَ تطهير وتنقية النفس، إلى أن تصلَ إلى الشعور بأنّها تحبُّ الله بذات الحبّ الذي أحبّها هو. ويواصلُ شارحًا في لهيب الحبّ الحيّ بتفصيلٍ أكثر حالةَ الاتّحاد المغيِّر مع الله. أمّا المشابهةُ التي كان يوحنّا يستخدمها دومًا فكانت النار: فبقدر ما تكون النار قويّة لتحرقَ الخشب، فإنّها تتأججُ حتّى تصبحَ لهيبًا. هكذا الروح القدس يطهّر و”ينقّي” النفس خلال الليالي المظلمة، وينيرها شيئًا فشيئًا ويعطيها حرارة وكأنّها لهيب. إنّ حياة النفس احتفالٌ مستمر للروح القدس الذي يُري مجدَ الوحدة مع الله في الأبدية.

يقدّم الصعودُ إلى جبل الكرمل الرحلة الروحية من ناحية التطهير المستمر للنفس والضروري للبلوغ إلى قمّة الكمال المسيحي الذي ترمزُ إليه قمةُ جبل الكرمل. إنّ هذا التطهير يمثّلُ مسيرةً يبدأها الإنسانُ بالتعاون مع العمل الإلهي لتحرير النفس من أي هجومٍ أو شعورٍ يضادُ إرادةَ الله. ويبدأُ التطهير، ولابدّ ان يكون كليًا إذا أرادَ الوصولَ إلى وحدة الحبّ مع الله، من تطهير حياة الحواس، ويواصلُ مسيرته مع التطهير الذي يُكتسَب بواسطة ثلاثة فضائل لاهوتية، الإيمان والرجاء والمحبة، التي تطهّر المقصَد والذاكرة والإرادة.

يصفُ الليل المظلم جانبَ تدخّل الله في مرحلة “تطهير” النفس هذه. فالجهدُ الإنساني غيرُ قادرٍ لوحده على الوصول إلى جذور الميول والعادات الشريرة العميقة للفرد: يستطيعُ كبحها ولكنه لا يستطيعُ اقتلاعها كليًا. ولكي ينجح في ذلك، لابدّ من عمل الله الخاصّ ليطهّر الروحَ جذريًا ويعدّها لوحدة الحبّ معه. ويعرّف القديس يوحنا هذا التطهير “اتكاليًا”، فعلى الرغم من قبول النفس به، إلا أنه فعلٌ يحققُهُ عملُ الروح القدس السرّي الذي يُحرقُ كلّ نجس مثل لهيب النار. في حالتها هذه، تتعرضُ النفسُ لكل أنواع التجارب وكأنّها في ليلٍ مظلم.

وتعود ضرورة المرور بهذا الليل المظلم إلى أن تعلقات الإنسان بالأشياء المخلوقة، من وجهة نظر الله، هي ظلام حالك، في حين أن الله نور، ولا تستطيع الظلمة أن تستقبل النور (يوحنا 1: 5)[3]. هدف التطهير إذن هو ليس الحرمان من الأشياء المادية أو استخدامها، بل هو تنقية النفس من كل تبعية للأشياء. فكلّ شيء يجدُ في الله مركزًا وهدفًا للحياة. ومسيرةُ التطهير الطويلة والمُجهدة تتطلبُ جهدًا شخصيًا، ولكنها في النهاية عملُ الله، فكلّ ما يستطيع الإنسانُ فعله هو “الاستعداد”، والانفتاح على العمل الإلهي وعدم وضع عوائق أمامه. ومن خلال عيش الفضائل الإلهية، يتقدّمُ الإنسان ويُعطى لجهده قيمة. فمسيرةُ نموّ الإيمان والرجاء والمحبة تتقدّم بنفس خطوات عمل التطهير والوحدة المستمرة مع الله حتّى الانتهاء إليه. عند الوصول إلى هذا الهدف، تغوصُ النفس في حياة الثالوث. هكذا يؤكدُ القدّيس يوحنّا بأنها تصلُ إلى أن تحبّ الله بذات الحبّ الذي أحبّها هو ذاته، لأنّه يحبّها في الروح القدس. وهكذا نفهم لماذا يؤكدُ المعلّم الصوفي عدمَ وجود وحدة حبٍ حقيقية مع الله إن لم تتوّج في الوحدة الثالوثية. في هذه الحالة القصوى، فإن النفس القدوسة ستعرفُ كلّ شيء في الله، وليس عليها من بعد العبورَ من خلال الخلائق للوصول إليه. إذ تشعرُ نفسها في ذلك الوقت فائضة بالحبّ الإلهي وسعيدة بصورةٍ كاملة فيه.

لقد أعطى القديس يوحنا الصليبي والقديس تريزا الأﭬـيلية الكنيسة عقيدة روحية لم يتم تجاوزها إلى الآن. لكن يبقي السؤال: هل هذه الصوفية ومسيرتها المثيرة نحو قمة الكمال، مناسبة لكل المسيحين؟ أم هي مثالٌ ونموذجٌ لبعض الأنفس المختارة التي تستطيع القيام بطريق التطهير والتسامي الصوفي؟ ما عرضناه لروحانية تريزا والصليبي هي روحانية واقعية، كُتبت في أوقات من الألم والاضطهاد والسجن. فالسير مع المسيح “الطريق” واتباعه، ليس حملاً يُضاف على حِمل الحياة العادية، بل أنه أمرٌ مختلف؛ فكما يعلم البابا بندكتوس السادس عشر في إطار تعليمه عن هذه الروحانية، “عندما يكتشفُ الإنسان حبًّا كبيرًا في داخله، فإن هذا الحبّ يعطيه مثل الأجنحة وتجعله يتحمّل بسهولة كلّ مشقّات الحياة لأنه يحملُ في داخله نورًا عظيمًا. هذا هو الإيمان: أن نكون محبوبين من الله وأن نسمح له بأن يحبّنا في المسيح يسوع، وهذا هو النور الذي يساعدنا لتحمّل حِمل كلّ يوم. فالقداسةُ ليست عملنا نحنُ، حتّى لو كان بالغ الصعوبة، ولكنه بالضبط هذا “الانفتاح”؛ فتح نوافذ أنفسنا ليدخل نورُ الله، وعدم نسيان الله لأنّ في الانفتاح على نوره تجدُ النفسُ القوّة والفرح الحقيقي”[4].

[1] P. Marie-Eugène, OCD, Je veux voir Dieu, Tarascon 1979, p. 22 .

[2] بندكتوس السادس عشر (البابا)، يوحنا الصليب، تعليم 16 فبراير 2011.

[3] جوردان أومان، تاريخ الروحانية المسيحية…، ص 254- 255.

[4] بندكتوس السادس عشر (البابا)، يوحنا الصليب، تعليم 16 فبراير 2011.

قد يعجبك ايضا
Loading...