إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

رعويات الشباب (3): الرؤية

0 227
  1. الأفق اللاهوتي والإنساني لرعويات الشباب (الرؤية)

ها قد وصلنا إلى تحديد دقيق للرؤية اللاهوتية والإنسانية لعلم رعويات الشباب والتي يمكن تحديدها بهذه الكلمات: “الوعي بمعنى الحياة والرجاء في واقع أفضل للوجود الشخصي”. لكن يجب علينا في البداية أن نبّين المقصود بمصطلح “الرؤية”:

“نقصد بهذه الصيغة مجموعة الأفكار والتوجهات والقيم والمرجعيات ذات الخاصية العامة والشاملة، التي تستخدم كهدف نهائي للعمل التربوي والرعوي. هي الرؤية العامة التي تمتلكها الكنيسة وتُعبْر عن تلك المؤشرات (اللاهوتية والإنسانية) التي يرجو أن يصل إليها. وبناء على تلك المؤشرات العامة توضع الخطة واجراءات تنفيذها وعليها يتم التقييم”.

بكلمات أخرى ف الرؤية هي صورة ذهنية واضحة لغدٍ أفضل، وتدفع الشخص للاعتقاد بأن هذا الأمر ليس فقط من الممكن تحقيقه، بل يجب أن يتحقق. فهي الصورة التي تتكون في الذهن عما ينبغي أن تكون عليه الأمور في المستقبل. إنها صورة مجسمة للمستقبل الأفضل. إلا الرؤيا لا تكون فعالة إلا إذا شرع صاحبها في اتخاذ مواقف مباشرة في اتجاه تنفيذها وتحقيق الصورة التي رسمها للمستقبل في فترة زمنية محددة.

وللرؤيا عناصر ثلاثة عناصر: صورة ذهنية واضحة، تحمل تغييرًا إيجابيًا، اجراءات تنفيذية محددة.

الصورة الذهنية الواضحة للغد الأفضل التي تتشكل من خلال تحليل واقع وأوضاع الشباب المسيحي في الوقت الراهن، في مجتمعه ورعيته (ما يعرف بتحليل الظرفية)، مقارنةً بما يجب أن يكون عليه انطلاقًا من المعايير والتوجهات والقيم والمرجعيات المسيحية العامة. يجب أن تكون الصورة واضحة بحيث يستطيع القائم بالعمل الرعوي أن يراها وأن يتصورها في مخيلته حتى يمكن العمل على تحقيقها

أن تحمل تغييرًا ايجابيًا للمستقبل، فالشباب يمكن لهم أن يتفاعلوا مع الرؤية متى وجدوا المستقبل الذي يصوره القائم بالعمل يُقدم لهم شيئًا يريدونه لا يحصلون عليه الآن.

اجراءات تنفيذية محددة التي يجب اتخاذها من أجل سد الفجوة بين الوضع اليوم (بناء على تحليل الظرفية) والحالة المثالية المرغوب في الوصول إليها؟

  • الرؤية المناسبة لرعويات الشباب في مصر

ما هي الرؤية الأكثر مناسبة لبرامج العمل الرعوي للشباب في مصر؟ هل نرى أن الشباب غير ملم بتعاليم الكنيسة وعقائدها المختلفة؟ لا يشعر بالانتماء لكنيسته؟ يعاني من خلل ما في سُلم الفضائل المسيحية يجب إعادة ترتيبه؟ هل لا يعرف الشباب الله بصورة كافية، وتتسبب المعلومات المغلوطة، أو انخفاض المستوى الثقافي والعلمي في اهتزاز إيمانه بالله واتجاه إلى الإلحاد؟

بالنظر إلى محتوى العمل الرعوي الحالي نجده فقط موضوعات إيمانية، نابعة من الإنجيل وقانون الإيمان. وأحيانًا يتهم الاهتمام بالبعد الاجتماعي ويُمزج بالحالة الإيمانية. “هكذا فعلنا دائمً” هكذا يحذر البابا فرنسيس في إرشاده الرسولي “فرح الإنجيل” من خطور الاقرار بأن هذا ما اعتدنا عليه في عملنا الرعوي. يدعو البابا إلى الجراءة والعمل الخلاق وإعادة التفكير في الأهداف والبنى وأنماط وأساليب التبشير بالإنجيل بصورة جديدة.

لم يطرح البابا موضوعًا لاهوتيًا أو إيمانيًا، بل انطلق من قلب الواقع الراهن للكنيسة، من الشعور القاتل بالوحدة والفراغ الذي يعيش فيه إنسان اليوم. من أسباب هذا الفراغ، من ذلك النمط الاستهلاكي السائد في المجتمعات المعاصرة وما يولد من حزن كياني ناتج من بحث سقيم عن ملاذات سطحية وضمير منعزل. من الانغلاق على الذات، حتى في أوساط المؤمنون المسيحيون، الذي أفضى بهم إلى أُناس منكوبين، مستائين، لا حياة فيهم.

انطلق البابا من معيار، هو الأنسب للعمل الرعوي، معيار التجسد. فقد تجسد الله ليعطي الإنسان فرح الخلاص: “إِبْتَهِجي يا بنتَ صِهيَونَ، واَهتفي يا بِنتَ أُورُشليمَ ها مَلِكُكِ يأتيكِ عادلاً مُخلِّصًا” (زكريا 9: 9). لقد تجسد الرب ليملء قلب الإنسان بالفرح، فرح الخلاص: “ولا أحد يُقصى عن الفرح الذي يجلبه لنا الرب”. ينطلق البابا من البعد الإنساني وحاجة الإنسان الطبيعي إلى السعادة والفرح، ويعرض برنامجًا متكاملاً قائمًا على الفرح، فالله يُحب الإنسان ويدعوه دومًا للفرح الذي لن ينزعه أحد منه أبدًا. ينطلق البابا من روحانية التجسد ومنطقه ليتحدث عن كنيسة متجسدة من خلال ثلاث أبعاد مترابطة معا: التبشير بالحياة، القرب من الناس، التحدث بلغة الناس.

لذا فالمعيار الواجب الانطلاق منه في المشروع الرعوي، لجميع الفئات، هو معيار التجسد. فالله أصبح فردًا طبيعيًا في مجتمع بمشكلاته وآلامه وعاش أوقات فرحه وتفائله. لم يطرح موضوعات لاهوتية معقدة ونظريات جامدة، بل عاش واقع الإنسان بكل مشكلاته. خبرة يسوع الحياتية هي المعيار الواجب الانطلاق منه في استنباط رؤيتنا للبرامج الرعوية.

  1. خطوات إعداد الرؤية

خطوات التي يجب اتخاذها لإعداد الرؤية

  • ارسم– ما هي الصورة المثالية أو الغاية المرجوة في النهاية؟
  • انظر– ما هو الوضع اليوم؟ ما هو مقدار النقص عن المثالية، ولماذا؟
  • فكر– ما هي الإجراءات المحددة التي يجب اتخاذها من أجل سد الفجوة بين الوضع اليوم والحالة المثالية؟
  • خطط– ما هي الخطة المناسبة للوصول إلى الحالةالمثالية؟ تحديد الموارد والتوقيتات وآليات التنفيذ والمتابعة والتقييم.

تطبيق على نص متى 9: 35- 10: 8 فقد كان الرب يسوع يخدم وحده والتلاميذ يراقبونه. اقرأ هذا النص ولاحظ الخطوات الاستراتيجية الأربع السابقة التي تبناها الرب يسوع لاتمام الرؤية التي استلمها من الله.

ارسم – الصورة المثالية: (متى 9: 35) وطافَ يَسوعُ في جميعِ المُدُنِ والقُرى يُعلَّمُ في المجامِـعِ ويُعلِنُ بِشارةَ المَلكوتِ ويَشفي النّاسَ مِنْ كُلٌ مَرَضٍ وَداءٍ

برنامج عمل يسوع على الأرض الذي حدده في أول أيام حياته العلنية في مجمع الناصرة ثم انطلق للعمل والرسالة فكان يجول يصنع خيرًا، ويكرز برؤيته العامة: مجيء ملكوت السموات.

انظر– ما هو الوضع اليوم: (متى9: 36أ) ولمّا رأى الجُموعَ اَمتلأ قَلبُهُ بالشَّفَقَةِ علَيهِم،

كان الرب يسوع بين الناس يلاحظهم. وعندما كانوا يأتون إليه طالبين الشفاء كان يرى ملامح الألم على وجوهم، والأمراض التي تثقل كاهلم. كان يتوقف كثيرًا ليلاحظ ويتفهم حالتهم.

فكر -ما هي الإجراءات المحددة التي يجب اتخاذها: (متى 10: 1) 1 ودَعا يَسوعُ تلاميذَهُ الاثنيَ عشَرَ وأعْطاهُم سُلطانًا

لم يكن في استطاعة الرب يسوع أن يلبي حاجات كل الناس بمفرده. كانت هذه هي المشكلة. كان في حاجة إلى فعلة يعملوا معه ليساعدوه على تحقيق الرؤية. لذلك كون فريقًا ودعمه ليستطيعوا أن يساعدوه.

خطط– ما هي الخطة المناسبة للوصول إلى الحالة المثالية؟ (مت 10: 5) 5وأرسَلَ يَسوعُ هؤُلاءِ التلاميذَ الاثنَي عشَرَ

اتخذ موقفًا مباشرًا في اتجاه تنفيذ الرؤية، لم يتردد لحظة واحدة. اختار فريقًا ثم أرسلهم مباشرة بتعليمات كيف ينفذوا هذه الخدمة. لقد عرفهم الرؤية وأهلهم بالأدوات والتوقيتات التي يتمموا بها هذه المهمة. ثم تابع ما صنعوا وقيم أدائهم.

خلصنا إلى الآن في عدم امكانية تحديد رؤية العمل الرعوي بالوصول إلى الصورة المثالية لها وفقا للمرجعية المسيحية دون التعرف على الواقع الراهن اليوم. لذا من الضروري التعرف على واقع الشباب في كنيسة اليوم.

2. الموقف الراهن

يُقصد بالموقف الراهن مجموعة المُعطيات التي من خلالها يمكن وصف عالم “المستهدفين” بتعقيداته: ملامحهم النفسية، الحالة الاجتماعية والثقافية التي يعيشون فيها، وتأثير ذلك على المستوى الوجودي، ما يُجاهرون به بصوت جهير وما يسعون إليه من خلال إيماءاتهم الصامتة، والتحديات التي يطلقونها تجاه المؤسسات التعليمية.

كل موقف من المواقف يمكن أن تُقدم له قراءات مختلفة، تعتمد على متغيرات كثيرة. البعض منها مرتبط بإلمام الشخص القائم بالتحليل، ذلك التفهم المسبق الذي يكيف بقوة أسلوب الباحث تجاه موضوع البحث. والبعض الآخر يحدده المستوى المرغوب للقراءة. ففي الواقع يمكننا إجراء قراءة قاصرة على الظواهر أو يمكن أن ننشغل بتفسير وتوضيح ما نراه. يُمكن أن نقرأ الواقع بغرض التعرف عليه أو نقرأه بغرض البحث عن أفضل الطرق لتغييره.

في المجال الراعوي تتميز طريقتان محددتان لتناول الموقف: قراءة “بنظرة إيمانية” وقراءة توجهها الاهتمامات “التعليمية”.

قراءة الموقف بنظرة إيمانية تحدث عندما يكون التفهم المسبق موكول لخبرة الإيمان. أمّا القراءة بمنظور تعليمي فهي تعبير صريح عن الاهتمام بقضايا النضوج وتكون عندما تُجري مراجعة بسيطة للأحداث فيسود مؤشر الضرورات الطارئة في المستقبل فيما يتعلق بنوعية الحياة.

3. واقع الشباب في عالم اليوم

لا نهدف في هذا الطرح عرض دراسة شاملة لواقع الشباب في عالم اليوم، لكن سنقصّر القول على بعض نتائج الأبحاث التي أُجرِيَت في المجال الاجتماعي مسترشدين بما قدمه سينودس الأساقفة في وثيقته التحضيرية لعام الشباب 2018: “الشباب والإيمان وتمييز الدعوة”.

يعيش شباب اليوم ظروفًا يصبغها التغير السريع، فسرعة التغيير والتحول هي الظاهرة الأساسية التي تّتسم بها المجتمعات والثقافات المعاصرة. الأمر الذي خلق نوعًا من عدم اليقين لم يكن موجودًا من قبل. إن تزايد عدم اليقين يتسَبب في الشعور بعدم الأمان وغموض المستقبل لدى شرائح واسعة من المواطنين، خاصة الشباب منهم. أما على صعيد العمل، فيمكنا التفكير بظواهر كالبطالة وصعوبات إيجاد فرص عمل مناسبة وتزايد المحسوبيات والوساطة مما يؤثّر على مسار حياة الشباب وعلى خياراتهم.

أدى التغير السريع الحادث إلى صدمة في عادات البشر وعقائدهم وتصوراتهم فأصبحوا مهيئين أكثر للمعاناة من شعور الاغتراب بأشكاله المتعددة كالاغتراب الموضوعي والذي يتمثل بالهجرة المؤقتة أو الدائمة خارج المجتمع إلى وسائل التكنولوجيا الحديثة، فخلقَوا لهم عالما افتراضيا غير واقعي، تزايدت فيه أشكال الحزن والوحدة التي يسقط فيها العديد من الأشخاص والكثير من الشباب. إنّ ما يميز الأجيال الشابة اليوم إنها أصبحت مطبوعة اليوم بالعلاقة مع تقنّيات التواصل الحديثة ومع ما نسميه عادة ”العالم الافتراّضي“. يقدّم هذا العالم إمكانيّات الوصول إلى سلسلة من الفرص التي لم تكن متاحة للأجيال التي سبقت، ولكن في الوقت عينه يقّدم بعض المخاطر. من المهم جدًا أن نبّين بوضوحَ أّن العلاقات المُسَتخدَمة عبر التكنولوجيا تبني خبرة محّددة في النظرة إلى العالم، إلى واقع العلاقات بين الأشخاص؛ إّن العمل الرعويّ مدعّو إلى مواجهة هذا الوضع، ويحتاج إلى تطوير ثقافة ملائمة.

يعيش شباب اليوم هذه الظروف في عالم مختلف عن جيل آبائه ومربّيه. ليس فقط نظام العلاقات والفرص يتغّير مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لكن أيضًا الرغبات والحاجات والحساسيّات وأنماط العلاقات مع الآخرين تتغّير بشكل خفّي. الأمر الذي أدى إلى الشعور بالاغتراب الذاتي الذي يعبر عنه الفرد عادة بسلوك لا يوافق المجتمع كالسلبية واللامبالاة والنقد العنيف للمجتمع والعنف والجريمة. وبذلك ينعزل الفرد عن الجماعة وبالمقابل تنعزل الجماعة عن الفرد. كل هذا ساهم في تفكك في بنية الأسرة والمجتمع ونشوء ظواهر جديدة كالذاتية والفردية.

    • الذاتية (Subjectivism)

يُقصد بالذاتية تلك النزعة التي ترمي إلى تحكيم الذات في الحكم أو تكوين الآراء والانطباعات بناءً على الغريزة والشعور الفردي. هي المعرفة التي تستقي اوصافها من تأثير الشعور أو التفكير عن طريق العقل الذي له السيادة الحرة التامة بدون أي تقيد من طبيعة الأشياء أو المادة. فالخير والشر والمعرفة بصورة شاملة هي نسبية متغيرة حسب الإدراك والخيارت المختارة من قبل الذات.

وكلمة «الذاتي» تعني «الفردي»، أي ما يخص شخصاً واحداً، فإن وُصف شخص بأن “تفكيره ذاتي” فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه. ويُطلَق لفظ «ذاتي» توسعاً على ما كان مصدره الفكر لا الواقع، ومنه الأحكام الذاتية (مقابل الأحكام الموضوعية) وهي الأحكام التي تعبِّر عن وجهة نظر صاحبها وشعـوره وذوقه. فمعرفتنا بالواقـع محـدودة تماماً عن طريق خـبرتنا الذاتية الخاصة وتجربتنا الفريدة ووعينا وإدراكنا.

فالذات هي معيار الأشياء، فكما يؤكد عمانوئيل كانط أن التفاعل بين الذات والعالم الخارجي هو مصدر لتكوين أي موضوع. فتراكم المعلومات الحسية لدى العقل تؤدي الى تكوين صورة او هوية (فكرة) لهذه المعلومات، ثم يقوم الذهن بعملية غربلة وتنظيم هذه المعلومات في نظام معين كي تصبح فيما بعد مقولات داخل عقل  الذات وغير خاضعة للاحساس الخارجي، ثابتة ومستقرة وكأنها الميزان  المعتمد لتعير المواضيع.حيث تصبح فيما بعد النظام الداخلي الخاص الموجود في عقل الانسان  الذي يصدر الاحكام على المعلومات (الاحاسيس) الجديدة الاتية لتلك الذات من الخارج. فالمعرفة إذن محددة بما يستطيع العقل التحسس به وفهمه  وحسب التفسيرات التي يستطيع الوصول اليها.

أمام تعقيد الواقع المجتمعي لشباب اليوم، خاصة تزايد نسبة البطالة والتطور المستمر في عالم الاتصالات، زادت بين صفوف الشباب حدة الاغتراب الذاتي، فضَعُفَ انتماء الفرد للمجتمع الذي شعر بأنه لا يفهمه، غير قادر على استيعاب وتلبية احتاجاته. فانسحب الكثير منهم من الواقع وهربوا منه، اصيبوا بحالة من الملل واليأس أدت زيادة حدة نقدهم للمجتمع والواقع من حولهم. فغرق الكثير منهم في الذاتية، بدون وعي في كثير من الأحيان، نَّصب كل فرد من نفسه حكمًا على معايير الخير والشر، ويرفض معطيات المجتمع والأسرة، وَجَعل من ضميره المعيار الوحيد للحكم على الأشياء. وأمام تعاظم الفرص المتاحة وصعوبة التحكم فيها من جانبه، يكون الحل السهل هو أن أصبح الشخص معيارً الأشياء، هكذا يفكر الشاب اليوم.

غابت الموضوعية إذن عن قطاع كبير من عالم الشباب اليوم. الموضوعية التي يقصد بها تلك المعرفة المستقلة عن إرادة أو معرفة أو ميول الإنسان. فالله والسماء والأخلاق والعدالة والحق والخير والشر والجمال والإنسانية هي حقائق لا تخضع لما يستطيع الإنسان أن يستوعبه بواسطة الحس أو مشاعره.

والموضوعية هي إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوهها نظرة ضيقة أو أهواء أو ميول أو مصالح أو تحيزات أو حب أو كره. ولذا، فإن وُصف شخص بأن “تفكيره موضوعي”، فإن هذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه تستند إلى النظر إلى الحقائق على أساس العقل وبعد معرفة كل الملابسات والظروف والمكونات.

والموضوعية هي الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجوداً مادياً خارجياً في الواقع، وبأن الحقائق يجب أن تظل مستقلة عن قائليها ومدركيها، وبأن ثمة حقائق عامة يمكن التأكد من صدقها أو كذبها، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المُدركة) إدراكاً كاملاً، وأن بوسعه أن يحيط بها بشكل شامل، هذا إن واجه الواقع بدون فرضيات فلسفية أو أهواء مسبقة، فهو بهذه الطريقة يستطيع أن يصل إلى تَصوُّر موضوعي دقيق للواقع يكاد يكون فوتوغرافياً.

    • الفردية (Individualism)

الفردانية أو الفردية هي التوجه الخلقي أو الفلسفة السياسية أو وجهة النظر الاجتماعية التي تشدد على فكرة الاستقلالية واعتماد الفرد على نفسه في اتخاذ قرارته. يدعو الفردانيون إلى تنفيذ الفرد لأهدافه ورغباته حتى وإن عارضت المؤثرات الخارجية على اختياره الشخصي، سواء كان هذا المؤثر الخارجي هو المجتمع أو الدولة أو أي مجموعة أخرى من الناس أو المؤسسات كالكنيسة مثلا. يرى أصحاب المذهب الفردي إن الإنسان فردي النزعة وأن المجتمع مفروض عليه من خارج نفسه، متحكم فيه بغير إرادته، يحد من حريته فليس له أن يحدد ما هو خطأ وما هو صواب. غالبا ما يرمز إلى الجماعية (collectivism) كنقيض للفردانية، والجماعية تشدد على أن قيم وأهداف المجتمع والدولة يجب أن تأخذ حقها قبل حق الفرد.

يعتبر، كارل روجرز، عالم النفس الأمريكي، رائد هذا المذهب، والذي وجهه إلى ميدان علم النفس والتربية. وهو ينادي بوجوب إتاحة الفرصة للأفراد للعيش في عالم متحرر من ضغوط المجتمع، وليختاروا القيم التي تنبع من داخلهم. فهو يود تحرير الأفراد من القيود المدمِّرة – كما يسميها – التي يفرضها المجتمع عليهم.

بالنظر إلى الواقع المصري فأن هناك تعقيدات مجتمعية كثيرة ساعدت على تنامي هذا الفكر وسط الشباب، مما دفعهم إلى الاغتراب الموضوعي أمام مجتمع حمل لهم الكثير من الاضطرابات والتوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السنوات الأخيرة. الوضع السياسي القلق وما نتج عنه من أزمات اقتصادية طاحنة وزيادة نسبة البطالة وعدم وجود فرص عمل حقيقية، وتفشي ظاهرة الفساد والمحسبوبيات في التوظيف دفع الشباب إلى الشعور، عن حّق أو غير حّق، بأّنهم لا يجدون لهم مكاًنا، وبعدم التجاوب فتفشى المذهب ورغب الشباب في توسيع حدود فرديتهم وإعلاء تقدير قيمتهم كشخصيات مستقلة، لها كيانها المنفصل عن الآخرين، وبالغوا في الحجر على حق المجتمع في تأديب الفرد الخارج عن طاعته. كان من تبعات هذا التوجه الرفض التام للسلطة الكنسية لما تمثله من سلطة فوقية تقيد الحرية الفردية التي يرغب تيار كبير من الشباب في التعامل بها.

أفرز المذهب الفردي وتعقيدات المجتمع مشكلة أخرى بين أوساط الشباب: فالاهتمام بالفرد والحرية الفردية كان من نتائجه اهمال الجانب الجماعي. لقد وسعوا في دائرة الفردية حتى خرجوا بالإنسان إلى الأنانية المرذولة التي تغلق الشاب على عالمه الخاص. مما ساهم أيضًا في ضعف انتماء الفرد للجماعة (خاصة الكنسية). فالشاب ينتمى افتراضيا لعدد لا حصر له من المنظمات الصغيرة والكبيرة، ويشارك بفاعلية “افتراضية” في تلك المنظمات والأنشطة، لكن انتماءه ضعيف إلى كل هذا. لدى الشاب اليوم لغط كبير وتداخل في المرجعية ونقاط الالتقاء، ليس هناك مرجعية واحدة، مثَلٌ أعلى يَّقتدي به، يلجأ إليه لأخد مشورة في مشكلة تعصف بحياته، لديه الكثير من نقاط الالتقاء والمرجعيات المتعددة بتعدد المنظمات “الافتراضية” التي يلجأ إليها عبر وسائل الاتصال لتلقى المشورة والنصح. وقد تُمثل الكنيسة مرجعية من تلك المرجعيات المتعددة التي لا ينتمى إليها شباب اليوم.

    • خسوف الله

أدت التعقيدات التي عصفت بالمجتمع إلى نشوء تلك التوجهات مثل: الفردية والذاتية التي أثمرت في النهاية إلى الانفصال عن الله. في رسالته إلى الشبابEvangelizzare I giovani oggi ، نبه البابا بندكتوس السادس عشر إلى إن الشاب يفعل ما يريد وينصب من نفسه حكمًا ومعيارًا وحيدًا للحكم على الأشياء. استبعد الله من عالمه ويعلن إنه “غائب” وهذا يجعله أكثر حرية، وأكثر سيطرة على حياته. في ظل هذه الأجواء يبحث الإنسان أكثر من أي وقت مضى عن معنى حياته، عن السبب في وجوده، يشعر بفراغ وجودي والشعور بانعدام المعنى من الحياة.

في ظل تعقيدات المجتمع فأن التساؤل عن معنى الحياة يأخذ منحى جديد. فنشوء تلك القيم الجديدة كالفردية والذاتية دفعت الشباب إلى بحثٍ دؤوب عن معنى حياتهم. فرفض المجتمع وقيمه أسقطت الشباب في احاسيس الشعور بالذنب واليأس فراحوا يتسألون عن معنى حياتهم والسبب في وجودهم. فاكتشاف المعنى من الحياة أضحى الحل لكل التعقيدات التي يمر بها الإنسان المعاصر. فأغلب الناس لا يعلمون سبب وجودهم في هذه الدنيا. نَّصب كل فرد من نفسه حكمًا على معايير الخير والشر، ويرفض معطيات المجتمع والأسرة، وَجَعل من ضميره المعيار الوحيد للحكم على الأشياء.

4. النتائج المترتبة على واقع الشباب اليوم

ألقت تعقيدات المجتمع السابق الاشارة إليها بظلالها على حقل العمل الرعوي مع الشباب، فظهرت الضرورة، أكثر من أي وقتٍ مضى، في تجديد الخطاب الموجهة لتلك الفئة. نحن في حاجة إلى تجديد كنسي لا يمكن ارجاؤه، كما أشار البابا فرنسيس في رسالته الأخيرة “فرح الإنجيل”. من واجب الكنيسة أن تنتبه للواقع الشبابي المعقد وأن تطرح رؤى متجددة، حتى تكون: “معبدُ يقصده العطاش ليرُووا غليلهم ويتابعون مسيرتهم[1]“.

يتتطلب التبشير الجديد إلى ما هو أكثر من تحسين تقنيات الاتصال لدينا أو إتقان للتكنولوجيات المتطورة التي من خلالها يمكن الحديث عن الله مع الشباب. يُطرح دائمًا سؤالاً مفداه: “كيف نتحدث عن الله مع الشباب اليوم”؟. مِن المهم هو أن نعرف “كيف” نقدم الله لشباب اليوم مستخدمينَ طرق التواصل وتقنيات التكنولوجية الحديثة المساعدة والتي يتقنها شباب اليوم. فقد تتطورت وسائل التواصل بصورة مفزعة، كما سبقت الاشارة. لكن إذا فقدنا “لماذا نتكلم مع الشباب عن الله”؟ لن نصل في النهاية إلى معنى الحياة وروعتها الواجب تقديمها للشباب.  بل العكس هو الذي يحدث، تُسكرنا تلك الوسائل، ويزيد اهتمامنا بها في حد ذاتها، لأنه لم يعد لدينا أي غرض، والهدف الوحيد هو إغراقنا في نشاط دون أي معنى.

واحدة من المشاكل الحالية في التعليم: لقد توقفنا عن تطوير التربية. نحن لم نتوقف عن تطوير أساليب التدريس، ولكننا لم نعد نعرف لماذا نُعلم؛ وهذا ينطوي على فقدان الدافع من جانب الطلاب وكذلك من جانب الأساتذة. يلاحظ فقدان الدافع عند ملاحظة أسئلة التلاميذ: “لماذا تعَلّمنا ذلك؟”، أو “هي هذه الأشياء مفيدة؟”، بوجهة نظر نفعية للأشياء. الحقيقة، الخير، الجمال، ما هي؟ ما الفائدة منها؟ هي عديمة الفائدة، صحيح، أنها ليست موجودة لخدمة بعينها، ولكن ليتم خدمتها. ومع ذلك، بمقياس المنفعة، لا طائل من الأشياء إذا لم نتمكن من استخدامها، والجمال، والخير، والحقيقة هي أمورٍ غير مجدية.

إذا لم يكن هناك هدفًا للتعليم موجهًا نحو الحقيقة والمعنى من الحياة والفرح من الوجود فسوف ينهار. التطور الحادث في وسائل التكنولوجيا والاتصال تضاعف بسرعة مذهلة، لكننا  لم نعد نعرف ما نحتاج من التواصل ونفقد طاقة التواصل تدريجيًا. السؤال “كيف نتحدث عن الله اليوم” هو فخٌ يجبُ الانتباه إليه، علينا أن نركز التبشير الجديد لا على الكيفية التي يدار بها، بل على سبب التبشير ذاته، أي “لماذا نتكلمُ عن الله”.

يتطلب هذا النوع من التبشير الانتباه إلى مستويات أربع: المستوى الأول يتعلق بمضمون التبشير الجديد؛ والثاني بغايته التي يسعى إلى الوصول إليها ، في حين يهتم المستوى الثالث بلغة التبشير؛ ويتوقف المستوى الأخير عند أدواته.

1.4.. المستوى الأول: المضمون

نبدأ بالمعالجة الأولى لمسألة مضمون التبشير الجديد والمتعلقة بكلمة “الله” في ثقافتنا اللغوية. عندما يقول أحد الشباب بأنه يرفض “الله” لا يجب أن نلح عليه بضرورة أن يؤمن بالله لأن الجميع يؤمنون، لأننا ببساطة لا نتفق على المضمون، عما يقصد بكلمة “الله” وعما نقصده نحن كرعاة الكنيسة، علينا أن نسأله أولاً عما يعنيه بكلمة “الله”.

كلمة “الله” التي يعنيها البعض تختلف عما يقره البعض الآخر. فإذا سألت شباب اليوم مثلا عن سبب تجسد ابن الله في ملء الزمان، وماذا يقدم لحياتك؟ ستكون الإجابات متنوعة ومختلفة وأحيانًا متناقضة. اسم الله يعنى قبول لسّر يفوق إدارك البشّر بعيون الإيمان، ينمو في معرفته الإنسان يومًا بعد يوم، حتى إن معرفته لا تنتهي بنهاية الحياة، بل ينمو في تلك المعرفة في حياة أبدية لا تنتهي. معرفة الله تتطلب التواضع والقبول بهذا السّر الذي يفوق إدراكنا كبشّر.

الأصولية عند الحديث عن الله

عند البعض تكون كلمة “الله” هي الحل لكل شيء. إذا سألت عن تكوين الكون وتطوره ونظرية النشوء والارتقاء، أو مشكلات الفيزياء ونظريات الرياضيات يقول لك “إقرا الكتاب المقدس”. الحل جاهز دون تفكير أو فحص، فقط أن نذكر الله فهناك حلٌ لكل شيء.

يصبح الله الجواب على كل شيء للأصولي. لذلك، فإن الخطاب عن الله يستبعد أي شكل آخر من أشكال الحوار. لن يكون هناك المزيد من الحديث عن الأشياء. وهذا هو السبب في أن هذا الخطاب الكنسي ينتهي إلى “اعتياد الله” الأمر الذي ينفر البعض عند رؤيتهم لحياة المتحدثين عن الله، فتكون ردة الفعل الطبيعية هي الإلحاد.

“أنت تكلمني عن الله، لكن لماذا تتكلم معي عن الله، الذي لا تراه، وأنا أمامك وأنت أمامي؟ كلمني عن نفسك، لنتكلم عني، دعنا نتحدث عنا وعن هذه الأشياء المرئية التي تحيط بنا! لماذا تحيلني إلى شيء غير مؤكد بالنسبة لي؟ لماذا تهرب من واقع الأشياء؟ ” الملحد سوف يقنع في نهاية المطاف نفسه أن الإيمان الأصولي، المسيحي أو المسلم، ليس سوى العدمية.

أعتبر نيتشه المسيحية رمزًا للعدمية. لماذا؟ لأن المسيحية تؤمن بالحياة الأبدية فهذا معناه أنها تنكر قيمة هذا العالم لصالح عالم افتراضي آخر. رفض ما نراه لصالح شيء غير مرئي لا نراه أو نلمسه. هذه هي تعاليم نيتشه التي دعى فيها إلى الخروج من هذه العدمية المسيحية، لأن الخطاب الذي سمعه هو خطاب أصولي. خطاب تستبعد فيه كلمة “الله” كل أشكال التفكير الأخرى وتقدم نفسها كحل نهائي وسحري لكل شيء. إن إلحاد نيتشه، في أفضل جوانبه، يدعونا إلى العودة إلى الأشياء الحقيقية، أن لا يرتكز كلامنا الموجه للشباب إلى تغيب الواقع المعاش لأجل حياة أخري، أن نعى أن ملكوت الله يبدأ الآن ودون الأشياء الملموسة المعاشة لا يتحقق الملكوت.

التشدد والتفكير الأصولي يدفع الشباب إلى الإلحاد وهجر الكنائس، لأنه يُسَطح من مفهوم الله  وبالتالي، يستحث تلقائيا رد فعل إلحادية. يخلق هذا الوضع الغريب تشابه بين الملحد والأصولي، فكلهما يتكلم بسطحية عن الله. الأول هاجسه هو الله، يسعى جاهدًا لانكار وجوده. بينما يعاني الأصولي من نفس الهاجس لكنه يستخدمه لغلق باب النقاش والحوار وإعمال العقل.

في كلتا الحالتين، فإن “الله” تم تشكيله ليتناسب مع طريقة تفكير الإنسان، الذي جعله خاصته، شيء يملكه ويفهمه، لم يعد بعد السامي المجيد كما كان يصلي القديس فرنسيس الأسيزي[2].  هذا ما يقوله الرب في إنجيل القديس متى: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ بِإِرَادَةِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَيَقُولُ لِي كَثِيرُونَ: يَارَبُّ، يَارَبُّ، أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ طَرَدْنَا الشَّيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ عَمِلْنَا مُعْجِزَاتٍ كَثِيرَةً؟ وَلَكِنِّي عِنْدَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ابْتَعِدُوا عَنِّي يَافَاعِلِي الإِثْمِ!” (متى 7: 22- 23). هنا يشير الرب إلى الأشخاص الذين يتحدثون باستمرار عن الله، الذين يفعلون كل شيء باسمه، لكنهم لا يعرفونه. والسبب هو ذلك النوع من تسطيح الإله السامي، غير المدرك والذي لا يُحد في صورة إله، أدعى معرفته تمامًا وأفهم قصده الإلهي، واستغله في تعاظم سلطتي على الآخرين. الشيء نفسه يحدث للأصوليين والملحدين، وهذا هو المضحك، فالملحد، أيضا، يدين، يستغل اسم الله لزيادة قوته.

لذلك، يمكننا أن نقول، على أساس كلمات الإنجيل، الشيء المهم هو عدم ارتكاب الإثم، والأمر الأساسي هو تحقيق العدالة والمصداقية في الحياة. أحبب الإنسانَ، وتوقف عن الحديث عن الله بهذه الصورة. هكذا يبدأ المسيح كلامه: “لاَ تَدِينُوا لِئَلاَّ تُدَانُوا. فَإِنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ؛ وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ…. كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يُعَامِلَكُمُ النَّاسُ بِهِ، فَعَامِلُوهُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيْضاً: هَذِهِ خُلاَصَةُ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ وَالأَنْبِيَاء” (متى 7: 1- 2؛ 12).

خطورة الإنسانية المجردة

 تقودنا الملاحظة الأخيرة إلى مشكلة أكثر عمقًا: التركيز على تحقيق العدالة والمصداقية في الحياة يمكن أن تؤدى إلى نظرة إنسانية مجردة فيرفض البعض الحديث عن الله. يقولون: “دعونا نعيش بطريقة جيدة مع جميع الناس. فالأفضل المحبة الصامتة للبشر أكثر من الحقيقة التي تؤدى إلى نزاعات وحروب دينية عند الكلام عن الله”.

هنا نطرح سؤالاً: “هل نستطيع أن نحقق العدالة دون الحديث عن الله؟ هل يمكن أن نصبح عادلين دون الله؟” الثورة الإنسانية المجردة من التشريع الإلهي قد تقود إلى اللاأدرية التي يكون فيها الشخص لا يُؤمن ولا يكفر بوجود الله. هي تعليق للإيمان فلا يهتم به وفي نفس الوقت لا يُنكر وجود الله[3]. لاأدري هو غير مكترث أو براجماتي،  يؤمن بأنه لا يوجد دليل على وجود أو عدم وجود إله، حيث أنه يُمكن لأي إله أن يتصرف بلا مبالاة تجاه الكون أو رفاهية سكانه، وبالتالي، يكاد يكون وجوده منعدمًا في القضايا الإنسانية والتي يجب أن يكون بنفس درجة أهمية إلوهيته.

فمسألة وجود الإله من عدمه هي في الواقع خارج حدود المعرفة، وبالتالي تدعو إلى تعليق الحكم فيها لحين وجود الأدلة، فإن وُجدت أصبح الحكم متاحًا. علينا الآن الاهتمام بالقيم الإنسانية وتحقيق العدالة ورفاهة العيش للجميع والسلام القائم على توازن الحقوق بين البشر. يمكن أن نتمتع بالعدالة دون الإيمان بالله، فمعرفة الله لا تغير في الأمر شيئًا. نقع كثيرًا في هذا الفخ فنقول أن معرفة الله لن تغير الواقع المأساوي الذي نعيشه، يكفي تحقيق العدالة بين البشر. معرفة الله لن تغير واقع البشر، من الممكن أن نصبح صالحين دون الحاجة إلى الإيمان. يدعم اللاأدريين القيم الأخلاقية بمعزل عن الله، ويؤكدون على امكانية العيش وفقًا لها لا يفترض مسبقا معرفة الله.

إلا إنه لا يمكن أن يكون الإنسان عادلاً دون معرفة الله، على الأقل ضمنيًا. في الواقع، يجب طرح السؤال على النحو التالي: مَن سيظهر لنا العدالة؟ إذا كنت أفترض أنني يمكن أن أكون صالحًا بدون الله، فهذا يعني أنني سوف أجد معيارًا للعدالة بعيدًا عن الله، لذلك سوف أعتقد أن الإنسان هو مقياس الحق والخطأ. ولكن إذا كان الإنسان هو مقياس الحق والخطأ، فلا يوجد شيء متعالٍ وسامي، فأنت لا تعرف معيار العدالة التي يمكن أن يطبق على الجميع ويناسب كافة البشر. ليس صحيحا أننا يمكن أن يكون على حق تماما دون معرفة ضمنية على الأقل لله. لأن خلاف ذلك نحن نقدم أنفسنا كمعلمين للعدالة، وهو أمر غير صحيح تماما.

السؤال المتافيزيقي الأساسي

السؤال الميتافيزيقي الأساسي الواجب طرحه للخروج من تلك المشكلة المزدوجة عند الحديث عن الله مع الشباب، فلا نسقط في التشدد والأصولية الدينية التي قد تدفع البعض منهم إلى انكار وجود الله، خاصة مع انتشار بوادر الفكر الإلحادي في مصر في الفترة الأخيرة، ولا نسقط في اللاأدرية الفكرية التي تؤدي إلى حالة من اللامبالاة بالجانب الروحاني وعدم الاهتمام بكل ممارسات الكنيسة الموجهة لهذه الفئة. الحديث عن الله لا يكون بتناوله كغيره من الموضوعات التي تهم الشباب والتي تركز عليها رعويات الشباب في كنيسة اليوم. فالحديث عن الله هو أصل كل شيء ومبدأ الحياة ذاتها.

يبرز سؤالاً ميتافيزيقيًا: ماهي العلاقة بين الخالق والمخلوق؟ في الكثير من الأحيان لدينا رؤية تنافسية لتلك العلاقة. فمن أجل إفساح المجال للمخلوق يجب علينا إزالة الخالق وأنه، على نحو متبادل، لإفساح المجال للخالق، يجب علينا إزالة المخلوق. يعلمنا الكتاب المقدس أن المخلوق هو صورةً للخالق، فتحقيق المخلوق لكماله وملء حياته هو الوصول إلى الخالق ذاته، لأن كمال صورته، الإنسان، يعكس حقيقة الله كخالق.

تكمن المشكلة الأصولية بشكل عام، في الإيمان بالخالق والإعلان عن محبته وعبادته، لكنها لا تهتم بالمخلوق. القضية الميتافيزيقية الأساسية هي أن نفهم أن الذهاب نحو الله لا يعني تجاهل المخلوقات، الله لا يسلب أي شيء منا. إنه لا يريد منا سوى أن يعطينا ذاته، ولا يسلب منا شيئًا. وإذا كان لدينا الانطباع بأنه يحرمنا من بعض الأشياء فهو يزيل عنا ما يدفعنا إلى العدم، الأشياء التي لا تنتمي إلى الوجود الحقيقي وملء الحياة وسعادة العيش.

2.4.. المستوى الثاني: غاية التبشير

الحديث عن شيء في العمق يؤدي دائمًا إلى الحديث عن السر الإلهي. فكلمة “أحبك” عندما تقال لشخص ما، حتّى من أشخاص غير مؤمنين، تحملُ تَبّعاتٍ تتعدى الكلمة المنطوقة. إذا كانت الكلمة صادقةٌ فهي تعنى: “أرُيدُ الخير لك”، “أنا سعيد لوجودك معي”، “أرُيدكَ أن تعيش معى إلى الأبد” كل هذا يحِّيلنا إلى سرّ الوجود. فالشخص يريد أن يبقي بجوار من يحبه إلى الأبد، متجاوزًا الموت، فالحب أقوى من الموت. كل كلمة بشرية في عمقها تحملَ سرّ كامنًا عن الوجود، وتسعى إلى معنى عميق. كل كلمة تُشير، ولو بطريقة ضمنية، إلى الله.

لذا فالعمل الرعوي بمجمله، وبصورة خاصة مع الشباب، يعمل على توضيح وبيّان السرّ الكامن في الكلمات البشرية. يُظهر معناها وقصدها النهائي في إنها تهدف إلى خلاص الإنسان. خلاصًا يتضمن تحرر الإنسان الكياني بحيث يكون قادرًا على الفرح والمحبة والعطاء بسخاء. عندما يرفض الشخص المسيحية وينبذها، فهو في الحقيقة الأمر يبترَ الجذرَ الحيَّ الذي قد تنبعُ منه العديد من قِيمَته الجوهرية كإنسان. فالمسيحية تؤكد على إنَّ كل إنسان خُلقَ على صورة الله، لذا فهو يتمتّعُ بالكرامة والحقوق، بغضّ النظر عن مواهبه أو ثروَتِه أو عِرقِه أو نَوعه.

كشف ما هو موجود بالفعل

يهدف العمل الرعوي إلى كشف عن ما هو موجود بالفعل، بطريقة سرّية، على نحو غير كامل بالطبع، وصولاً إلى كمال المعرفة وجلاء السرّ الكامن وراء كلمات البشر. كما فعل بطرس في عظته الشهيرة أمام اليهود في يوم العنصرة. لم ينعت بطرس اليهود بعدم الفهم، وإنهم لا يعرفون شيء وقد أتاهم هو بالحل الأكيد الذي يضمن خلاصهم، كما يفكر بعض القائمين بالعمل الرعوي. بل كشف لهم عن السرّ الكامن فيما يعرفونه بالفعل ولكن كانت عيونهم منغلقة عن رؤيته وفهمه الفهم الصحيح. أعلن لهم كمال قصتهم الشخصية، ورؤية جديدة تمكنهم من النظر إلى ما يؤمنون به وما يعتقدونه (أعمال 2: 14- 36).  كذا فعل بولس مع الوثنيين، أنطلق من تاريخهم الشخص: “ترَكَ جميعَ الأُممِ في العُصورِ الماضيةِ تَسلُكُ طريقَها، ولِكنَّهُ كانَ يَشهَدُ لِنَفسِهِ بِما يَعمَلُ مِنَ الخيرِ: أنزَلَ المطَرَ مِنَ السَّماءِ وأعطى المواسِمَ في حِينِها، ورَزَقكُمُ القُوتَ ومَلأَ قُلوبَكُم بالسُّرورِ” (أعمال 14: 16- 17). يؤكد بولس: ما أبشركم به هو بالفعل موجود بينكم.  ويفعل نفس الشي أمام الأريوباغوس: الأله الحقيقي ليس بعيدًا عنكم، “وهوَ غيرُ بَعيدٍ عَنْ كُلِّ واحدٍ مِنا. فنحنُ فيهِ نَحيا ونتَحَرَّكُ ونوجَدُ،كما قالَ أحدُهُم. ونحنُ أيضًا أبناؤُهُ، كما قالَ شاعِرٌ آخَرُ مِنْ شُعَرائِكُم” (أعمال 17: 27- 28).

فالكلام عن الله مع الأشخاص لا يستدعى أن يلبس القائم بالعمل الرعوي ثوب الوعظ الأخلاقي. وتقزيم الله في مجموعة من الشرائع الأخلاقية والوصايا والقوانين التي سيدان بواسطتها الأشخاص متى خالفوا العمل بها وسيكأفوا متى التزاموا بها. يجب أن نؤمن دائمًا أنه إذا كان الله هو خالق الشخص الذي نواجهه، فهو قريب منه، هو موجود بالفعل في حياته، والعمل الرعوي الحقيقي يبدأ من هنا، بدءا من وجود الله هذا في الشخص، وليس انطلاقًا من إخفاقاته تعلن له عن الرب.

لنأخذ مثلاً: كيف نتحدث عن الله مع إنسانٍ متَّشكك؟

علينا أن نلاحظ إنه خلف التوجُّهات الشكوكيَّة هناك دائمًا رحلة من ا لبحث الروحي مختفية عن الأنظار. فالمتشكك يظهر كأنّه لا يهتم كثيرًا بالإجابات الأساسيّة في الحياة، أو أنه قد وجد هذه الإجابات في الأفكار التي يعتنقها بكل قوّة. ولكن خلف كل ذلك، لديه الاحتياج الشديد في أن يفهم الأمور بنظرة مختلفة. فإذا كان مؤمنًا بحقوق الإنسان والمساواة بينهم وبالحرية. هنا يُطرح السؤال بطريقة مختلفة: لماذا آمن بذلك؟ إنّ العالم الطبيعي يقوم على مبدأ إجرائي عمليّ يقول أن القويَّ يأكل الضعيف. لذا فإن كان من الطبيعي أن يأكل القوى الضعيف؛ وإنْ كنا قد جئنا إلى هذا العالم عبر عملية التطور البيولوجي غير الموجّه، لأنه ليس هناك إله كما يعتقد ينتظم الكون، فلماذا ننزعج فجأة عندما تشرعُ الأممُ القوية في أكلِ الأمم الضعيفة، ونصرخ عندما “هذا خطأ”؟ على أيّ أساس نفعلُ ذلك؟ وعلى أيّ أساس يمكنُنا أن نقول تدمير البلاد القوية للعراق أو سوريا، أو الإبادة الجماعية في رواند أو سراييفو خطأ، حيث “تأكل” جماعات عرقية قوية أخرى ضعيفة؟ إن كانَ لا وجود لله، فإن رؤيتي للعدالة ليست سوى رأيي الشخصي، لذا كيف يمكن للإنسان المتشكك إدانة التوجهات العرقية ضد الأقليات، أو حروب البلدان القوية ضد البلدان الأضعف؟

إذا آمن الشاب أنه لا وجود لله، فليس لديه الحق في أن يقول لأي إنسان آخر إن مشاعره أو أفكاره أكثر مصداقية من مشاعر هذا الشخص أو أفكاره. إذا لم يوجد إله فكل القيم تصبح محض خيال. الكلام عن الله إذن ليس مباشر، ينطلق مما يعرفه الإنسان ويؤمن به، كما فعل بطرس وبولس السابق الإشارة إليهما. المدخل مختلف تمامًا، إذا آمن الشخص بوجود ناس جيّدين وآخرين سيّئين، فما هو المعيار الذي يستخدمه للمفاضلة؟ الله قريبٌ من حياة كل إنسان، والعمل الرعوي الحقيقي يبدأ من بيّان أنّ ما يؤمن به هو ناتج لوحي الله للبشر الذي تم عبر عصور مختلفة لنصل إلى المعايير التي يستخدمها في المفاضلة بين الخير والشر وليس انطلاقًا من اثبات أن الله موجود من عدمه.

الله حاضر في قلب الإنسان

لا يمكننا أن نتكلم عن الله مع أي شخص إذا لم نكن في المقام الأول نتعجب في حضور الله الخفي في حياته، أقله فهو خالق طبيعته وشخصيته بصورة فريدة لا تتكرر أبدًا. كل شخص هو مُميز للغاية، أرادته العزة الإلهية قبل انشاء العالم وشاءت إرادته أن يُخلق في هذا الزمن لهدفٍ سامي، مهما كان واقع الإنسان المُعاش حتى إذا كان يجاهر بإنه ليس هناك إله. إذ لم نندهش لكونه خليقة الله، إذ لم نذهل من تَفرده العجيب ومجد الله الساطع على محياه بصورة خاصة جدًا لا تكرر وسط مليارات البشر، لن نستطيع أن نكلمه عن الله، ولا يُحادثه الله من خلالنا كمرسلين له ومتحدثين باسمه للجماعة. الله حاضر فيه بصفة مميزة وفريدة للغاية، مهما كان واقعه مأسويا. مِن الممكن أن يكون بعيدًا عن النعمة في حياته، لكن الله حاضرٌ في حياته، فهو يبحث عنه، كخروف ضال، يرغب في أن يعود إلى حضنه مُجددًا.

“تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ” هكذا يُنشد المُرنم (مز 11: 2)، ليس بالقوة الخارجية الغاشمة، بل يأتي التسلط من خلال الوعي. فالشخص الذي يبدو بعيدًا جدًا عن الله قد يكون أكثر قربًا من كثيرين. الربُّ قريبٌ حتى من أولئك الذين نّظنَّ إنهم أعداء له، غير معترفين به، ناكرين لوجوده. الإيمان بهذا هو الأساس الذي يُبنى عليه العمل الرعوي بصفة عامة، وفي مجال رعويات الشباب بصفة خاصة. فبعض الشباب يبدو متشككا ولكن الحقيقة يبحث عن الحقيقة، يبدو حادًا في التعبير عن رفضه لبعض الممارسات الكنسية لكنه يعبر برفضه عن انتماء عميق للكنيسة ورغبة في أن تعالج بعض السلبيات الموجودة بها.

إن غاية التبشير الرعوي لفئة الشباب هي مساعدته في أن يكتشف معنى حياته وقصد الله من وجوده، لذا لا يقدم هذا الطرح بصورة تصطدم مع رؤى الشباب لغاية وجودهم معنى حياتهم. هم يملكون معنى خاص بالحياة ويرون أنه يتحقق من خلال الطموح العلمي، أو الحياة العائلية والعاطفية، أو في السعادة أو حتى في الألم. لذا يعنى التبشير الجديد بكشف الحضور الحفي لله في حياة الشاب، فهو قريبٌ منه وغير بعيد عنه. هو طرح مسيرة شخصية لاكتشاف المعنى عبر الحياة الملموسة الحاضر فيها الله بقوة وفاعلية.

قام النموذج التقليدي الرعوي على تقديم الله كالنبع الوحيد لمعنى الحياة، فالذي يقبل خطة الله له بإيمان يمتلك المعنى الحقيقي للحياة، إي يكون لحياته معنى. تعرض هذا النموذج لأزمة شديدة عند ظهور الحركات العلمانية المعاصرة. ظهرت الحاجة إلى نموذج آخر يعتمد الحوار بين ما يبتغيه الشباب وما يتطلبه الإيمان، مع التقدير الكافي واحترام لمقاصد الشباب.

لم يكن تغير النموذج بالأمر السهل، فالخطورة كامنة في التغاضي عن معطيات الإيمان في سبيل الوصول إلى نقطة تلاقي مع الشباب. فالإيمان قائم على وحىٌّ من الله، في حين مقاصد الشباب هي وليدة احلامهم وطمحاتهم البشرية المتغيرة. والتحدى القائم أمام الكنيسة اليوم هي صياغة برامج تحتضن مفاهيم الشباب ورغباتهم، وتقدم قراءة مختلفة لواقعهم المعاش.

ارتكز النموذج الجديد في التبشير ليس على القيم النظرية المعرفية التي نوّد أن تصل إلى الشباب، بل على نقل خبرة حياة سبق أن قام بها القائم بالعمل الرعوي وآخرين. فالكلام عن الله ليس رسالة أو قيم نظرية تُنقل من شخص إلى آخر بطريقة بسيطة، لكنها نقل خبرة الخلاص “الشخصية” من إنسان إلى آخر. في هذا يكمن سر المسيحية، فالرسول هو الرسالة.  هو ينقل للآخرين خبرته الخلاصية وشركته مع الله، وتوصله إلى قصد الله من وجودته.

3.4.. المستوى الثالث: لغة التبشير

يُعد المضمون “رسالة” يتلقها الشاب تحمل معنى، فكرة، ذكرى، صورة تترك لديه انطباعًا ما، أو تأثيرًا ما. لقراءة “الرسالة” يجب أن يملك الشاب مقومات قراءتها وفك رموزها وفهم معناها. هناك شرط أن يمتلك الراسل والمرسل إليه لغة تفاهم واحدة تمكن الأخير من فهم رسالة الأول.  فالمضمون إذن لا يتعلق فقط بمحتوى الرسالة، بل ما يستطيع أن يفهمه المرسل إليه من ذلك المضمون. لذا هناك أهمية كبيرة للحوار الذي يدور بين القائم بالعمل الرعوي والشباب. هناك أهمية لتغير لغة التواصل ذاتها متى رغبنا في أن يصل مضمون الرسالة الحقيقي.

يذكر الفيلسوف الألماني أو. ف. بولنوف ضرورة توافر شرطان مسبقان لنجاح أي حوار: أولهما أن يفهم المرء أن للطرف الآخر، أي المشارك في الحوار، حقا يساوي حقه جوهريًا. وهذا يعنى أن يأخذ المرء رأيه بجدية، بوصفه رأيًا ممكنًا يستطيع أن يناقشه. فالشرط الأول للحوار هو القدرة على الإصغاء إلى الآخر. والإصغاء هنا أكثر من التقاط الاشارات الصوتية، كذلك أكثر من فهم ما يقوله الآخر، إنه يعني أن أَدركَ أن الآخر يود أن يقول شيئًا مهمًا بالنسبة إليَّ، شيئًا عليَّ أن أفكرَ فيه وقد يرغمني، إذا دعت الضرورة، على تغيير رأي.

أما الشرط الثاني للحوار فهو الثقة بالآخر، وتعني أن يكون المرء مستعدًا للتصريح برأيه ولا يخشى الأذى. لا يقوم الحوار إذن على التقاط اشارات صوتية تحمل كلمات أو معلومات معينة، لكن هناك تبادل للمقاصد والنيات والثقة بين المتحاوريين. فالعلاقات الإنسانية والعاطفية، التي يُّبنى عليها الحوار تجعل من الحوار بين الطرفين ممكنًا، سهلاً أو على العكس صعبًا ومعقدًا ومرفوضًا.

عند اقامة حوار مع الشباب، في مراحل التخطيط أو التنفيذ أو المتابعة، هناك دائما حوار مع فئة المستفدين من الشباب، فشروط الحوار الناجح يجب أن تتوافر بين القائم بالعمل الرعوي (الكاهن) والشباب. يجب أن يتوافر شرط الإصغاء الفعال والثقة المتبادلة القائمة على علاقات انسانية ناجحة وصحيحة.

العلاقات

كل تواصل فعال بين اشخاص يتكون من عنصرين متداخلين: الأول: “المضمون” أما الثاني فهو:” العلاقات”. فمحتوى الحوار يتعلق بالمضمون الذي يرغب أحدهما في أن يصل إلى الآخر. أما العلاقة التي تربط الفردين المتحاورين فهي تُوصف دائما “بالعلاقات”. وعند الرغبة في توصيل مضمون أو رسالة ما، فإن المستوى الثاني (العلاقات) هو الذي يُحدد العنصر الأول: “المضمون”. فالكلام اللفظي، القادر على نقل المضمون يشغل جزءً يسيرًا من الحوار، أما أغلب الحوار فهو حوارًا غير لفظي، يعتمد على علاقات الأشخاص فيما بينها، على درجة القبول أو الرفض، على الراحة والاستعداد النفسي. فالعلاقات هي التي تحدد بصورة واقعية الطريقة المناسبة التي بها يمكن أن أفهم المقصود من المضمون.

لتوضيح الأمر: عندما يوصفك شخص ما بأنك “لئيم” فهو يفصح عن “مضمون” يرغب في أن يصل إليك. لكنك تفهم الأمر وفقا للعلاقة التي تربطك بقائل العبارة. فإذا كان صديقًا مقربًا فإن الجملة هي في إطار المزاح بينكم، ستقبلها بصدر رحب. أما إذا قالها مديرك في العمل مثلا ستشعر بنوع من الغضب. الجملة الواحدة من الممكن أن تفهم بصور متعددة وفقا للعلاقة التي تربط الاشخاص. في مجال العمل الرعوى مع الشباب فإن العلاقة بين القائم بالعمل، إذا كان يسودها الاحترام والثقة، فان الشباب سيقبل “المضمون” بصورة سلسة. ستسمح العلاقات مع الشباب بطرح رؤى متجددة وجريئة دون تخوف مع سوء فهم الأطراف لمضمون الحوار.

تحديات الحوار

هناك تحدي يجب أخده في الاعتبار عن تطبيق شروط الحوار الناحج في المجال الرعوي. فالبيئة الصالحة للحوار من علاقات انسانية فعالة وصحيحة مع الشباب أدت في كثير من الأحوال للتساهل في نشر “المضمون”. فالتبشير بالإنجيل يخضع لأمر يسوع المسيح الإرسالي: “أذهبوا وتلمذوا جميع الأمم..”. هناك هدف مركزي ووحيد للعمل الرعوى مع الشباب هو أن تصل بشرى الخلاص إليهم، أن يتعرف هؤلاء على شخص يسوع المسيح المحرر. كافة الإنشطة التي تهدف إلى بث روح من التقارب بين القائم بالعمل الرعوي والشباب ولا تصب في النهاية في إطار هذا الهدف العام، هي ليس أنشطة رعوية. يهتم البعض بفاعليات ترفيهية ورياضية وثقافية وفنية دون الانتباه إنها وسائل مساعدة لنشر الإنجيل، لا قيمة لها في حد ذاتها، أكثر من خدمة الكلمة الخلاصية.

4.4.. المستوى الرابع: أدوات العمل التبشيري الجديد

كل تواصل مع الآخرين يتم عبر مجموعة من الوسائط والأدوات والعلامات التي تُظهر الحقيقة “المَّخفية” المراد لها أن تصل إليهم. يهدف العمل الرعوي أن تصل محبة الله للإنسان في واقعه اليومي المُعاش، واختيار الأخير في أن يتنازل عن إرادته لقبول هذا الحب. ليس جميع الأدوات تمتلك القدرة على ايصال المضمون، فهناك بعض الأدوات التي تَّحجب أكثر ما تكشف المضمون المراد. فما هي تلك الوسائل المناسبة لمضمون العمل الرعوي الذي يساعد الجماعة الكنسية في ايصال رسالة الخلاص لشباب اليوم؟

يجب الاشارة إلى عائقين أمام العمل الرعوي والأدوات المناسبة له. العائق الأول هو تركيز علوم اللاهوت إن الله سرٌّ كبير مُقدس، يفوق إدراك وحكمة البشر، ومتعالى عن كل محاولات حصره في مفاهيم وتعبيرات بشرية معينة.

كيف يمكن دعوة الشباب لاكتشاف معنى حياتهم ورجاؤهم المستقبلي مقدمين له صورة عن الله لا يمكن وصفه ولا إدراكه بالعقل البشري؟ وفي ذات الوقت فيه وحده يستطيع الإنسان أن يجد معنى وجوده ويفهمه. كيف للغير مُدرك، الذي “هو هو” يُصبح هو المعنى الوحيد لحياة الإنسان؟

إذا رغبنا في فهم حياة وأفكار وأسلوب حياة أديب من الآدباء، فإننا نعكفُ على دراسة كل مؤلفاته التي تعكس شخصيته. هكذا أيضًا فإن لمعرفة الله، الغير مُدرك، لا يكون إلا من خلال دراسة وفهم وحيه هو بالذات، وكيف عبرَ عن نفسه في الكتاب المقدس.

العائق الثاني هو القابلية للقياس. فالمعنى الذي تطرحه الكنيسة غير قابل للقياس كغيره من العلوم التي تخضع إلى التجربة للحكم على صحة النظرية المقترحة للتطبيق. فأمام الله، موضوع الكرازة المسيحية ليس أمام الإنسان إلا الصمت نظرًا لعجز اللغات البشرية عن التعبير عن هذا النوع من التواصل. فالله روحٌ محض وطرق التواصل البشرية المسموعة والمرئية ليست مناسبة للتواصل معه.

نحن إذن أمام مشكلة معقدة لإصرار بعض العاملين في العمل الرعوي بالاعتماد على الرسالة اللفظية القادرة على نقل المحتوى المطلوب. في حين أن الرسالة هي توجه شخصي يُعبر عن رجاء حي. فخبرة يسوع الحياتية هي رسالة كرازية لكل إنسان يبحث عن معنى لوجوده وحياته. فخبرة يسوع المعاشة في واقعه التاريخي والثقافي هي الشيء الوحيد ذو الطبيعة العملية الذي يمكن تقديمه لإنسان اليوم. الأمر يتجاوز النظريات اللفظية إلى واقع عملي معاش وسط ظروف تماثل ظروف ما يصادفه إنسان اليوم من مشكلات.

لذا فالأداة المناسبة هي نقل خبرة الخلاص “الشخصية” من القائم بالعمل الرعوي إلى إنسان آخر. يكشفُ لنا سّر الثالوث أن الله ليس محيطًا مجهولاً، غير مُدرك، بل هو شركة من الأشخاص. فالحديث عن الله ليس من شأنه أن ينقل رسالة، بل أن يعيش في شركة عميقة معه. هنا يكمن سّر المسيحية، فالرسول هو الرسالة. هو ينقل للآخرين خبرته الخلاصية وشركته مع الله، كما فعل الرسل الأوائل منذ فجر المسيحية.

[1] فرح الإنجيل 28.

[2] “لْنَخْدُمْ، وَلْنُسَبِّحْ، وَلْنُبارِكْ، وَلْنُمَجِّدْ، وَلْنَرْفَعْ، وَلْنُعَظِّمْ، وَلْنَشْكُرِ، الإِلَهَ الأَزَليَّ، وَالعَلِيَّ، وَالأَسمى، الثَّالوثَ وَالوَحْدَةَ، الآبَ، وَالاِبنَ، وَالرُّوحَ القُدُسَ، خالِقَ الجَميعِ، وَمُخَلِّصَ جَميعِ الَّذيْنَ يؤمِنونَ بِهِ، وَيَرْجونَهُ، وَيُحبُّونَهُ، هوَ الَّذي لا بِدْءَ لَهُ، وَلا نِهايَةَ، الَّذي لا يَتَغَـيَّرُ، وَلا يُرى، وَلا يُوصَفُ، وَلا يَحوطُ بِهِ تَعْبيرٌ، وَلا يُدْرَكُ، وَلا يُسْبَرُ لَهُ غَوْرٌ، وَالمُبارَكُ، وَالمُسَبَّحُ، وَالمُمَجَّدُ، وَالمَرْفوعُ، وَالسَّامي، وَالمُتَعالي، وَالعَذْبُ، وَالمَحبوبُ، وَاللَّذيذُ، وَالمُشْتَهَى بِكامِلِهِ، فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، في جَميعِ الدُّهور” (القانون الغير معتمد: 23).

[3] اللاأدرية[أو الأغنوستية(بالإنجليزيةAgnosticism) مُصطلح مشتق من الإغريقية  (α-γνωστικισμός)، حيث الـ «α» تعني «لا» و«γνωστικισμός» تعني «المعرفة أو الدراية»، وهي توجه فلسفي يُؤمن بأن القيم الحقيقية للقضايا الدينية أو الغيبية غير محددة ولا يمكن لأحد تحديدها، خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الدينية وجود الله ووجود وما وراء الطبيعة. في عام 1869، صاغ عالم الأحياء البريطاني توماس هنري هكسلي مصطلح اللاأدرية، وقبل ذلك، كانت هناك بوادر عدة لبعض المفكرين بالترويج لوجهات النظر اللاأدرية بالأعمال القديمة، مثل الفيلسوف الهندي سانايا بيلاتابوتا في القرن الخامس قبل الميلاد

قد يعجبك ايضا
Loading...