إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

رعويات الشباب (4): تحديد الأهداف

304

تخطيط البرامج الرعوية للشباب

تناولنا في المبحث السابق الأفق اللاهوتي الذي يدور في إطاره البحث المتعلق بأهداف العمل الرعوي مع الشباب. وخلصنا إلى أنّ البحث عن معنى للحياة والرجاء في واقع أفضل للوجود الشخصي، كرؤية عامة لـ “رعويات الشباب، تتطلب تبنّيِ منهجًا تبشيريًا جديدًا، لا يقوم على تحسين الطريقة التي بها يتّم تقديم الإيمان لشباب اليوم فقط، أو إعادة النظر في الآليات المستخدمة في العمل معهم. بل أنّ يتّم تحفيز الشباب للوصول إلى معنى لحياتهم وأن يتمتعوا بفرص أفضل للعيش في حياة ملؤها الفرح والرضى.

يتطلب هذا النوع من التبشير أن نعي جيدًا لماذا نتكلم عن الله مع الشباب وأن يتمحور في مضمونه عن تجسد الخالق في مخلوقاته التي تحمل صورته وتُشكل علامة حضوره في العالم. لذا الغاية الأولى التي يسعى إليها العمل الرعوي مع الشباب هي كشف النقاب عن حضور الله الحاضر في قلب كل إنسان، والطريقة السرية التي يتواجد بها في حياة كل إنسان. ستتغير لغة التبشير من تغطية الجانب المعرفي والتعليمي إلى إقامة حوار فعال بين القائم بالعمل الرعوي والشاب تساعد الأخير في اكتشاف حضور الله في حياته. الأداة النموذجية هي خبرة الخلاص الشخصية التي يقدمها القائم بالعمل الرعوي كنموذج لشخص سبق له اختبر ذلك الحضور السري لله في الحياة.

عند النظر إلى وضع الشباب الراهن نجده بعيدًا عن تلك الرؤية التي يطمح إليها علم رعويات الشباب، هنا يأتي دور التخطيط الرعوي للشباب.

يُقصد بالخطة الرعوية في هذه الحالة: ذلك المخطط العام للتدخلات الرعوية التي من خلالها يمكن تحقيق الرؤية المطلوبة وجعلها ملموسة في الواقع والتاريخ. تحدد الخطة الأهداف العملية المناسبة لاحتياجات وضرورات الظروف المختلفة (الشخصية والاجتماعية والبيئية للشباب)، كما تقترح خطوطًا ثابتة ووسائل للوصول إلى تلك الأهداف. وتخلق أيضًا أدوارًا ووظائف لضمان فعالية الخطوط وعملية الوصول للأهداف.

  1. كيفية تحديد الأهداف

الأهدف هو مجموعة المهارات التي تُشكّل نقطة الوصول وأُفق التخطيط. “المهارة” تعني القدرة على التوجّه في مختلف الظروف. فيقال أن هذا الشخص “ماهر” (عامةً أو في مجال معين) عندما يكون لديه القدرة على تحقيق هدفٍ معين، وقراءة للواقع قراءةً صحيحة، ومعرفة كيفية التصرف بطريقة متوازنة بمختلف التحفيزات، واستعدادًا لاتخاذ القرارات والإجراءات المتسقة. تتنوع المهارات وتشمل جميع الجوانب المادية كالمهارات الأدائية، وغير المادية كمهارات التفاعل مع مواقف الحياة. وهي تختلف من مجتمع إلى آخر لأنها تعتمد على طبيعة العلاقة التبادلية بين الفرد والمجتمع وتأثير كل منهما على الآخر. لكن أهم ما يميز المهارات إنها إنمائية تجمعُ بين المعرفة والفعل بقدر الكفاءة وإنها تحتاج إلى التدريب والمران المتكرر، وتكون أقرب إلى العادة.

يتضح مما سبق أن المهارة تتكون من ثلاثة عناصر أساسية وهي: المعرفة، والأساليب، والسلوكيات.

  • المعرفة يضمنها الاستيعاب التدريجي لمحتويات اقتراح ما: تلك المجموعة من المعلومات التي تُجمع بجهد صبور بغرض التعرف على حقيقة واقع ما.
  • الأساليب تمثل تلك الأنظمة الحركية النفسية للشخص التي توجّه سلوكياته تجاه الأمور المُقتَرَحة.
  • أمّا السلوكيات فهي الاختيارات المحسوسة والملموسة التي تُتخذ في مختلف مواقف الحياة.

التخطيط لهدف ما يعني تحديد المعارف التي يجب الحصول عليها، والأساليب التي يجب تمكينها، والسلوكيات التي ينبغي ضمانها. وفي الوقت نفسه يعني تقرير كيفية ارتباط العناصر الثلاثة ببعضها البعض.

هذه العملية يمكن تنفيذها بمستويات مختلفة من الثبات والفعالية. الخبراء يقترحون بصفة عامة ثلاثة مستويات، ما يهمني منها في بحثي هذا هما المستويين الأولين. فالمستوى الثالث يبدو جامدًا جدًا وتنظيمي، وبالتالي فهو أقرب لاستخدام أولئك الذين يقومون بتخطيط أصول التدريس.

  • المستوى الأول يحدده تعريف الهدف العام، ذلك الهدف الذي يُشكّل السبب في وجود العملية. وبالتالي يوضح الخطوط العريضة للاتجاهات، حتى وإن كانت غير عملية على الفور.
  • المستوى الثاني يتعلق بالمهارات الملموسة، التي توضح مسيرة العمل والمراحل المتطورة لأجل الوصول للهدف النهائي. هي
  • المستوى الثالث يقترح سلسلة من الأهداف شبه السلوكية، التي تُعبر بطريقة قابلة للتحقق منها عن مؤشرات المستويين الأولين.
  1. الهدف العام لـ “رعويات الشباب”

من المهم إعادة كتابة هدف الرعويات وفقًا لمنهج البحث العلمي واللاهوتي في توصيف الهدف مِن حيث كونه مجموعة المهارات التي يجب اكتسابها والتي تُشكّل نقطة الوصول وأُفق التخطيط، موصوفة طبقًا لنماذج قابلة للتحقق منها.

لأجل الوصول إلى تلك المهارات الملموسة التي تحقق هدف رعويات الشباب المرجو نقترح الصيغة التي تبنتها وثيقة التجديد في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، التي لاقت نجاحًا ملحوظًا عند تطبيقها عمليًا. هدف العمل الرعوي يمكن أن يكون الوصول إلى تكامل الإيمان – الحياة. هذا الاقتراح الذي ورد في خطة التعليم المسيحي لم يكن معنونًا: تكامل الإيمان- الرجاء، لكنه ظهر كمفهوم عام لعملية أكثر تعقيدًا وكخلاصة للدسم اللاهوتي الذي أشارت إليه التعليم رغبةً منه في تجديد ا لتعليم المسيحي المُقدم للمؤمنين، والذي تمحورت حوله كل الاهتمامات الرعوية التي ناقشها التعليم.

التكامل ما بين الإيمان والحياة يعني إعادة تنظيم الشخصية حول يسوع المسيح ورسالته. إعادة تنظيم للشخصية تُحقق متى كان يسوع المسيح هو “المحور أو المُحَدِّد” أو العنصر الحاسم على المستوى التقييمي والعملي.

لدينا العناصر الهامة كلها. في المركز يسوع المسيح، الذي تم اللقاء به وقبوله باعتباره “المخلص”، إلى حد أن يصبح هو “المُحَدِّد” للوجود. يسوع المسيح هنا بمثابة حدث إجمالي: شخصه، رسالته، قضيته، التي يُشهد بها للشعب الذي يعترف به ربًّا.

نتيجة هذه الخبرة الخلاصية هي شخصية أُعيد تنظيمها أخيرًا بوحدة وجودية: مفعمة بمسئولياتها، متركزة على البحث عن معاني الحياة، متحررة من الضغوط، أُعيد وضعها في داخل شعب المؤمنين، قادرة على معايشة إيمانها بكثافة، والإشادة والاحتفال بهذا الإيمان عينه في حياتها اليومية.

  1. النموذج

الصيغة غنية جِدًا. ولاستخدامها بطريقة صحيحة في خطة لرعويات الشباب، يجب عليّنا أن فهم رموز النموذج الأنثروپولوچي (الإنساني) الذي يستلهمه العرض والضرورات التربوية والعملية المتضمنة فيها. لهذا، سنستمد من علوم التربية ما تستدعيه الصيغة اللاهوتية فقط.

يبدو لنا أنّ هناك فئتين هامتين بشكل خاص لفهم معنى الهدف والعملية التي تضمن بلوغه: الهوية (لفهم المعنى) والتأهيل (لفهم العملية).

  • توحيد الشخصية: مشكلة الهوية

لو أمعننا التفكير في وصف “التكامل بين الإيمان والحياة” بحثًا عن النموذج الأنثروپولوچي الذي يستلهمها، من السهل  أن نؤكد أن الصيغة تتطلب ترسيخ الهوية الشخصية وإعطائها معنى جديد وتنظيمها حول يسوع المسيح، حسبما تشهد بذلك الجماعة الكنسية.

يستدعى النموذج الأنثروپولوچي، بصفة عامة، تلك الطرق والمهارات المطلوبة لبنيان الهوية؛ ويضاف لهذه المقتضيات التي يحددها الإيمان. نبدأ بتعريف الهوية:

الهوية هي: “نظام متكامل من الروابط والمعلومات، ساهم في تشكيلها المجتمع والقيم والمعايير التي يؤمن بها الشخص، تتداخل فيما بينها وتتسق في نظام تشغيل داخلي يمنح الفرد صفة التفرّد عن غيره[1]“.

الهوية بهذا المفهوم هي الوسيط الديناميكي (الحركي) الذي يربط الشخص بالعالم. إنّها وصف للشخص وتحديد لوضعه بالنسبة للآخرين وتوصيف لمؤهلاته، فتتيح له معرفة ذاته وأن يكون معروفًا. في الوقت نفسه تتعرض باستمرار لإعادة الصياغة بتحفيز من علاقتها بالبيئة الخارجية.

     الخاصية العلائقية للهوية ينبغي فهمها كقدرة ذاتية على مواجهة التحفيزات الآتية من الخارج مع قيم تعمل كمعايير لتحسين المستوى الشخصي. لذلك، تقديرات  وأعمال الشخص (وعمليًا طريقته في الفعل، “سلوكه”) يُمكن اعتبارها بمثابة ثمرة للتبادل بين التاريخ الشخصي لكل فرد والإسهامات الثقافية المقدمة من الخارج، التي من خلالها يُكتب ذلك التاريخ ويُعاش. هكذا تضمن الهوية دوام واستمرارية صاحبها، بالإضافة إلى الاختلافات التي لا يمكن إنكارها، تلك التي تحدث له على مر الزمن.

     في المجال المنسجم المتكامل، القليل التغيير وذو المرجعية الواحدة، العلاقة أنا- العالم كانت قبلًا سهلة الترسيخ وواضحة التوجّه. أمّا في زمن كزماننا، ذو التعقيدات الكبيرة والذي تكثر فيه التغييرات العميقة والسريعة، تنظيم الهوية الشخصية يتطلب قدرة انفعالية كبيرة لمعالجة المُحفّزات الوافرة وعدم تجانسها. في هذه الحالة، بنيان هوية متناغمة وراسخة يكون هدفاُ يتطلب التزام بعملية طويلة من النضوج الشخصي.

    • يسوع المسيح،”المُحَدِّد”

بما أننا وضعنا هدف رعويات الشباب على جبهة الهوية، علينا إذًا أن نتخذ هذه المؤشرات ونطورها قُدُمًا.

القيم التي تقوم عليها وظيفة معالجة الهوية، لا يُمكن أن تكون ذاتية فقط، كأنّ كل شخص باستطاعته أن يُعرِّفها على هواه. بل يجب أن تعكس بطريقة ما القيم الموضوعية في الحياة المسيحية.

نحن نعرف هذا وسبق لنا ذكره مرات عديدة. القيم الموجودة في الخبرة المسيحية قبل كل شيء ليست مجموعة عضوية مُفصّلة من التعاليم العقائدية التي ينبغي معرفتها. إنّها شخص: يسوع المسيح. وهو يعرض لنا رسالة، مازالت تُدوّي في داخل جماعة تلاميذه. شخص يسوع المسيح ورسالته، المتكاملين في بنيان الشخصية، أصبحا “المُحَدِّد” للهوية الشخصية.

مرجعية يسوع المسيح في النظام الشخصي للمعاني لا يُنظر إليها كمُحفِّز إضافي، يجب إضافته للمُحفزات الأخرى التي يُعيد الشخص بنيان هويته الشخصية على أساسها. ولا يُمكن أيضًا اعتبارها قيمة بديلة عن القيم الأُخرى المُعالَجَة، بطريقة فردية، كنوع من التنافسية القوية التي تُوقف دوران دواليب تنظيم الشخصية. الصيغة “التكامل بين الإيمان والرجاء” تذكر أنّ مرجعية يسوع المسيح في معالجة الهوية الشخصية، تعمل كخبرة محورية لها بنيانها ذو المصداقية، تُنظّم العمليات المعرفية والتفسيرية والعملية. هكذا يصف الإرشاد الرسولي عن واجب تقلين التعليم المسيحي في عصرنا: “أن كل تعليم مسيحيّ جدير بهذا الاسم، إنما “محوره المسيح”. إنّ موضوع التعليم المسيحي الأساسيّ والأولّي إنّما هو “سرّ المسيح”. وتلقين التعليم المسيحي معناه حمل الناس، نوعًا ما، على تفحّص هذا السرّ من جميع وجوهه” (بند 5).

تُخبرنا بشارة الإنجيل بأننا مُخلّصون، أي أننا تغيرنا إلى الأبد، ليس بواسطة ما نفعله، أو حتى بما يقوله يسوع لمَن يلتقيهم، بل بما فعله لأجلنا. لذا يمكننا أن نكتشف النعمة والقوة اللتين يمنحهما يسوعُ لتغيير حياتنا إذا ما نظرنا إلى ما أنجزه وأتمه في حياته الأرضية: منذ تجسده إلى قيامته من بين الأموات وصعوده إلى السماء.

التحديد أمر هام، في المفهوم التربوي. فهو يؤكدًا مجددًا على محورية يسوع المسيح في الحياة الجديدة للمسيحي ويردّ لهذه المرجعية كل قوتها التوجيهية، حيث تتحدد المجالات يجب أن تكون المرجعية فيها ليسوع المسيح وهي: البُعد الشخصي، والبُعد المضمونّي (المتعلق بالمحتوى)، والبُعد الكنسي.

  • البُعد الشخصي يبين ضرورة معايشة الإيمان كثقة وتسليم للذات بُكليتها إلى الله الذي يُخلِّص بيسوع المسيح، الذي يُرتكز عليه كصخرة ثابتة ومأمونة.
  • والبُعد المضمونّي يُذكِّر بأنّ الإيمان يتضمن قبول ما يقوله الله بيسوع المسيح، وما فعله لأجلنا، ولما يتطلبه منا كاستجابة لخطته الخلاصية. يتعلق المحتوى أيضًا بـ “ماهيّة” الخبرة المسيحية، تلك الأحداث وتلك المعلومات التي تُعبّر عن مضمون الإيمان وممارسته في الحياة؛ و”كيفية” الحياة الجديدة للمسيحي، أي تلك المهارات التي تصِفُ المنطق الجديد للمسيحي في حياته الجديدة.
  • أخيرًا الإيمان له بُعد كنسي، لأنّ إيمان المسيحي هو دائمًا إيمان بجماعة المؤمنين: فهذا هو المكان الذي نلتقي فيه بحدث الإيمان، الذي تستقر فيه وتتأكد أسباب الإيمان ودوافعه وفيه نعترف بالاختيار الشخصي للحياة.
      • إعادة التفكير في النماذج الرعوية

الطريقة التي اقترحتها لفهم المعنى العملي لمسألة “التكامل بين الإيمان والحياة” تدفع إلى مراجعة بعض النماذج الموجودة للأسف في الممارسة الرعوية.

الإشارة إلى الهوية، قبل كل شيء، تُحرِّك الاهتمامات التربوية من الخوف والتحكم نحو الالتزام بالتحقق من الأمور وفحصها وعقد المقارنات. غالبًا ما كان تدريس الإيمان يتوجه إلى تدريس الأمور التي يجب تجنبها والأمور التي يجب اتباعها (التنبيه على الوصايا التي يجب اتباعها وتجنب مخالفتها). وبعد ذلك تم تقليص القوائم الطويلة من حين لآخر بسبب الضرورة العاجلة التي اقتضتها القابلية للتطبيق العملي. أمّا من يضع بنيان الهوية الشخصية في مركز عمله، فهو يعرف أنّ المسألة، قبل كل شيء، ليست تلك المُحفِّزات الخارجية، التي غالبًا ما تكون خارجة عن نطاق السيطرة ومفككة بطريقة سلبية استسلامية. المسألة العاجلة شيء آخر: القدرة على التحقق من كل شيء في ضوء المرجعيات المعيارية ودمج ما يتعلق بالمقياس التقييمي المعترف به في داخل البنيان المعرفي.

الإشارة إلى الهوية، بعد ذلك، تطرح تساؤلًا حول تلك النماذج الرعوية التي يتضح أنّها إمّا أُصولية جِدًا أو اختزالية جدًا.

  • النماذج الأصولية هي تلك النماذج التي تُعرِّف العلاقة إيمان-حياة من وجهة نظر تنافسية، كما لو أنّ مضمون الإيمان يحل محل البحث المستقل عن القيم والمعاني أو يندرج كبديل أصولي في مواجهة ما يقوم الإنسان بمعالجته بعلومه وحكمته. وهذا ما أوضحناه في الفصل السابق.
  • أمّا النماذج الاختزالية فهي تلك التي تُبطِلُ وظيفة الإيمان، لأنّها لا تُقِرُّ بمهمته في إعادة التعريف والحكم بطريقة قطعية مُلزِمة على تلك القيم التي يتخذها الإنسان ونظامها في بنيان الشخصية.

على المستوى الإيجابي، مرجعية الإيمان لا تركز الانتباه على ترسيخ الهوية الشخصية، بمحاولة اقتيادنا قسرًا إلى مجالات وجودية أخرى. بل تضع المقتضيات المطلوبة لبنيان الهوية الشخصية وتؤهلها. إنّها، بعد كل شيء، طريقة أكثر أصالةً ونضوجًا لفهم هذه العملية الحاسمة جدًا لأجل النمو الشخصي.

مَنْ يُراجع هذه الملاحظات بانتباه، سيُدرك معلومة وردت باعتبارها تحتل الصدارة في الموضوع: حياة الإيمان والرجاء والمحبة، واتخاذ يسوع المسيح “مُحدِّدًا” للوجود الشخصي، هي طريقة حياة أناس جادين وواعين متحملين للمسئولية. في تعددية الافتراضات الأنثروپولوچية، مرجعية يسوع المسيح تفترض افتراضًا محددًا: إنّها مقَدَمة للحرية والمسئولية الشخصية، التي تضعها في مستوى إنساني ملموس تمامًا. في الوقت نفسه وفي أعمق ثنايا هذه الخبرة، تقترح عطية أسمى للحياة وللمعنى (الخلاص كحياة جديدة) تُشبع وتُريح البحث الشخصي وتمنحه الأمان في مواجهة عدم اليقين والفشل الذي يلوح في الأفق.

  1. على المستوى التأهيلي

لقد ربطتُ المسيرة نحو تكامل الإيمان والحياة بعملية إدماجية ناضجة ومتوازنة للهوية الشخصية. هذا الخيار يُشيِر على الفور لخيار آخر، بطريقة شبه عفوية.

بنيان الهوية هو عملية معقدة تتشابك فيها معارف مكتسبة وسلوكيات مُختبَرة يُعْمَلُ بها؛ لكنها ليس فيها تزامن مع هذه ولا تلك. علاوة على هذا، لا يمكن اعتبارها مسيرة محدودة، كما لو كان هناك حد لم تكن الهوية الشخصية موجودة قبله وبعده تكون منسقة جيدًا ومنتهية. الإشارة للهوية تستدعي على الفور الاهتمام والعناية بالخاصية الديناميكية. اكتساب الهوية واستقرارها هما عملية دائمة، نكتسب من خلالها “مقدرة”. التكامل بين الإيمان والحياة يتضمن التفعيل التدريجي لمجموعة من المهارات الوجودية.

هذا هو أول استنتاج هام. فالتلويح “بالتأهيل” يبين أن العملية يمكن أن تكون بطيئة ومتدرجة وأنّ استقرار الهوية الشخصية يمكن أيضًا أن يكون جزئيًا وتدريجيًا. مَنْ يتأمل في هذه المشاكل بعين تربوية، مثلما نفعل نحن الذين نعتقد في معيار التعليم غير المباشر للإيمان، ستتولد لديه رغبة في التفهم بشكل أعمق. رغبة في معرفة كيف وأين ينبغي التدخُّل لتدعيم هذه التأهيلات.

1.2.3. تأهيل السلوكيات المُناظِرة

التأهيل المراد بلوغه في إطار الهدف يتكون من معارف وسلوكيات وتصرفات. فما هي العلاقة بين هذه المهارات المختلفة، بحيث تتيح لنا التأكيد بأن الشخص”مؤَهل”؟

الإيمان والرجاء والمحبة هي عطية الله، لأنّه بيسوع المسيح وحده يُمكن أن نؤمن ونترجى ونُحِب. بل إنّها عطية تُحفِّز استجابة الإنسان وتجعله قادرًا على الاستجابة. لهذا تتطلب استعدادات إنسانية تُترجم معنى الحياة التي تقدمها وتطبقه في إيقاع الوجود اليومي.

إنّها نداء لدعم حرية الإنسان التي تُعطي للحركة الحوارية، لعطية الله ولرد الإنسان على قوة هذه العطية، بُعدًا إنسانيًا حقيقيًا. كتحليل أخير، إنّها تُغلف نوعية الحياة اليومية والتدخلات التعليمية التي تخدم عملية النضوج.

لنتفكر في مثال كلاسيكي في التأمل اللاهوتي التقليدي.

الفصل 1يو 4 يذكر أنّه لا يمكن أن نُحب الله حقًا ما لم نُحب القريب. الدافع مرتبط بواقع أنّ الله لا يُري، بينما القريب مرئي. إذًا هناك مجال لتدخل محسوس، اختباري (محبة القريب)، تظهر فيه، تتحقق فيه، كأنّهُ مقياس العلاقة الشخصية مع الله.

يُمكننا تدريس سلوكيات الخدمة وتنمية الآخر، واحترامه. أو يمكنك أن تتعلم سلوكيات القهر والتلاعب والاستغلال. الأمر يتناول دائمًا سلوكيات بشرية، تتعلق بتلك العملية، أي عملية التخطيط الشخصي التي دُعي كل إنسان لتحقيقها. في الوقت نفسه، هذه السلوكيات لها ثقل تحديدي في السلوكيات المسيحية الأساسية للمحبة اللاهوتية. بدون التعود على هذه السلوكيات المقابلة، لا يُمكن معايشة المحبة: التأكيد أنك تُحب الله يعنى أنك تعلن الكذب والزيف، لأنّك لا تُحب القريب. لكي تكون الحياة الشخصية استجابة لعطية الله بالمحبة، تتطلب استعدادًا ثابتًا للحياة بسلوك خدمة القريب.

عطية المحبة اللاهوتية تصبح فعل محبة ملموس فقط عندما يتعلم المرء أن يضع ذاته في سلوك خدمة تجاه الإخوة. المحبة سلوك أساسي في الوجود المسيحي. والاستعداد للخدمة هو سلوك مقابل، مُكتسب. نسميه مكتسب لأنّه ينمو ويتطور عن طريق التعلُّم؛ ومقابل لأنّه في تكوينه يستلهم عطية المحبة ويؤهل استجابات المحبة في مواقف الحياة المحسوسة.

الانطباعات التي تناولناها عن المحبة التي تصير خدمة يجب تعميمها في كافة أبعاد الوجود المسيحي. الوجود اليومي يكون في حقيقته وجودًا مسيحيًا فقط عندما يتوجه نضوج الشخصية نحو سلوكيات إنسانية، على خط ونمط الإيمان والرجاء والمحبة. بخلاف ذلك، يظل المعنى المُعبّرُ عنه بأشكال مُعنونة (أي التوجّه المسيحي الصريح والشكلي) واقعًا فارغًا، لأنّه لا تقابله حياة تُعطي تماسكًا وثباتًا لما يُعبَّرُ عنه.

يمكن أن نقول، في الخلاصة، أنّ سلوكيات الإيمان والرجاء والمحبة الأساسية، تتطلب تصرفًا معتادًا، موضوعًا في سياق التصميم الذاتي، وبالتالي، هو ثمرة التعليم، الذي يترجم معنى الحياة التي تمثلها في إيقاع الحركات الملموسة واليومية.

السلوكيات الأساسية في الحياة المسيحية تؤدي إلى تتميم وتأصيل الحياة اليومية لكل إنسان، بمقدار ما تُعبر عن أصالتها الإنسانية. الإنسان، المجبول قادرًا على تحقيق خلاصه الشخصي بالاتصال الذاتي مع الله، عندما ينمو بإنسانية في اتجاه السلوكيات المقابلة، يُعبّرُ عن قراره الضمني على الأقل بشأن يسوع المسيح[2].

    • بين السلوكيات والمعارف

هذا التأمل مهم جِدًا لفهم، بمفهوم تربوي، العملية التي تؤدي إلى التكامل بين الإيمان والحياة وفتحه تجاه العواقب الملموسة التي سأشير إليها بعد قليل.

مركز العملية تحتله السلوكيات: تلك المهارات والقدرات العملية التي تُنسق الصفات الشخصية وتجعلها في استعداد دائم.  “المهارة” تعني القدرة على التوجّه في مختلف الظروف. فيقال أنّ الشخص “ماهر” (عامةً أو في مجال معين) عندما يكون، من خلال التقييم المتطور للأصالة الشخصية، قادرا على القراءة الصحيحة للواقع، ويعرف كيفية التصرف بطريقة متوازنة بمختلف التحفيزات، ويكون مستعدًا لاتخاذ القرارات والإجراءات المتسقة.

السلوكيات ترجع إلى المعارف باستمرار، فهي تُعبّر عن بُعدها العملي. حسبما وضحت من قبل، ينبغي على المسيحي ألا يتخذ أي سلوك مهما كان دون أن يعايره بمعيار يسوع المسيح، ورسالته والشهادة الراهنة للكنيسة. هناك إذًا خط تحديدي دقيق بين السلوكيات “المحددة” بيسوع المسيح والسلوكيات البعيدة عن قصده في الحياة. المعارف هي التحقق الموضوعي من السلوكيات، ومدى ملائمتها لاتجاه حقيقة وحدث يسوع.

لكن المعارف ليس غاية في حد ذاتها؛ ولا تمثل الأرضية التي يتمّ فوقها التحقق من مستوى التكامل بين الإيمان والحياة. فالأمر لا يتناول “معرفة” وإظهار “معرفة”، بل اكتساء الوجود كله بهذه “المعرفة”. تكامل الإيمان والحياة يعني أساسًا إعادة بناء الشخصية، بإعادة وظيفة “المُحَدِّد” في الخيارات وقرارات الحياة إلى حدث يسوع.  لذلك نحن لا نبحث في معارف من النوع الفكري، بل معارف تتيح التقييم والتدخل في المواقف الملموسة في الحياة، باستمرار وثبات.

  • إلى جانب الحياة

البحث المتعلق بهدف رعويات الشباب قد بلغ ختامه أخيرًا. المشكلة التي انطلقت منها ( ماهي الاستجابة الواجبة علينا تجاه عطية الخلاص؟)، قد أنضجت بالتدريج عناصرًا هامة في الحل. أذكرها فيما يلي:

  • لاحظنا أنّ نوعية حياتنا تُعبِّرُ، بطريقة جذرية، عن نوعية استجابتنا: إذًا، الأمر يتناول تأهيل الشباب لحياة بحسب الخطة المعيارية للوجود التي يعرضها يسوع؛
  • هذه الاستجابة الحيوية ينبغي أن تنمو تدريجيًا، بمعرفة موضوعية وفعلية، قادرة على التعبير بفعالية عن قرارنا بجعل يسوع المسيح هو “المُحَدِّد” لحياتنا؛
  • نطاق العمل يتكون من التأهيل لسلوكيات “مقابلة” لتلك السلوكيات الأساسية التي للإيمان والرجاء والمحبة.

هذه الطريقة في النظر للأمور تُعطي مضمونًا دقيقًا للصيغة “التكامل بين الإيمان والحياة”، التي أخذتها من التجديد في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: فهي تشملها تمامًا وتُعطيها مفهومًا أكثر واقعية.

1.4. عمل وحدة حول نوعية الحياة

يعتقد البعض أنّ مهمة رعويات الشباب هي إضافة شيء ما ليس لدينا إلى الحياة اليومية. هكذا يكون معيار بلوغ الهدف قائمًا على كمية العناصر الجديدة التي يقبل الشخص تكاملها في بنيان شخصيته. إنّني مقتنع بأن الفرضية الثنائية هي أصل الخلل الحادث اليوم في التواصل بين الشباب والجماعة الكنسية.  لهذا، الأفضل هو بلوغ الهدف بصورة مختلفة تعتمد على وحدة الشخصية الداخلية للفرد.

اتخاذ القرار تجاه يسوع المسيح (شخصه ورسالته طبقاً لاعتراف الكنيسة الحالي) ليس مجرد قبول لأمر ما خارجي يُضاف من الظاهر لقبول الحياة الشخصية وللالتزام بتأمينها وعيشها بشكل تام. بل ينبغي اعتبار هذا القرار بمثابة بلوغ ملموس وتام إلى ملء الحياة التي لا تجد معناها إلا بعلاقتها بسيد الحياة ذاتها التي وهبها كعطية مجانية للإنسان.

أول آيات يسوع، حسب إنجيل يوحنا، تكشف لنا هذه الحقيقة. تجسد المسيح ليمنح البشر فرحًا يفوق التصوُّر، ويجعل قلوبهم تعرفُ طعم الاكتمال والتحقُّق على نحوٍ بالغ العُمق، ليس في حياة أبدية مستقبلة، بل الآن في هذه الحياة. الذين يؤمنون به ستجري داخلهم الآن، في هذه الحياة، ينبوع فرحٍ ويذقونه بعضًا منه مُقدمًا. وسيغمر طعمُ هذا الفرح قلوبهم بالعزاء، حتى في أقس اللحظات وأكثرها جفاءً وجَدبًا. هو رئيس المتكأ الحقيقي الذي يضمن توافر كافة الأوضاع التي تلزمها الحياة، ويجعل الحفل رائعًا قدر الإمكان لأنه ربُّ الحياة الحقيقي.

عندما يكتشف الفرد في الرب يسوع أصل وأساس ذلك الملء من الحياة الذي يبحث عن معناها،  تتحقق حركة مزدوجة: عملية معرفية متطورة حول تلك الحقيقة، وعملية توافق تدريجي للقرار الشخصي معها. تنبع المهام التعليمية والرعوية الموكولة للجماعة الكنسية في مساعدة الأشخاص على العبور من الاعتراف “بالحياة” كحدث لاهوتي إلى الاعتراف بأساس هذه الحقيقة (شخص يسوع المسيح). بهذا التطور الاعترافي وحده، يصبح المسيحي بالغاً ويعود الإنسان إلى ملء الحرية والمسئولية. الحياة اليومية تحتل مركز رعوية الشباب، بداية من ذلك الشغف بملئها، الذي كشفه لنا التأمل في الإنجيل والذي اخترت مفهومه كأفق مُركب لطرحي هذا ككل.

  1. نوعية القرار

هذه الطريقة لفهم هدف رعوية الشباب تعالج مشكلة تعليمية خطيرة من جذورها.

اتخاذ القرار بشأن يسوع المسيح ورسالته، المشهود بهما في الجماعة الكنسية الحالية، هل ينبغي أن يكون بوعي ونهائي ولا رجعة فيه؛ أم يُمكن تصور رؤية تحمل في طياتها المقدرة على صنع قرارات موضوعية بشأن التكامل بين الإيمان والحياة.  الحقيقة النمط المُقترح يتضمن هذين المقتضيين، ليضمن أن يكون القرارا نهائيًا وفي ذات الوقت متدرج متوجهًا نحو الهدف بموضوعية.

الحياة مثل البذرة: في داخل ذلك الجزء الضئيل توجد نبتة كل الحياة التي تُعبّر عنها. بفضل قوة ذاتية وفي وجود ظروف مواتية، يتنبلج بالتدريج شيء جديد باستمرار. الأوراق، الجذع، الأغصان، لا تأني من الخارج، فهي موجودة من قبل في الشفرة الوراثية للبذرة. البذرة هي نبات كبير كامن ينتظر الظروف المؤاتية لكي يجد كماله.

     القرار بشأن الحياة، المكتشفة كعطية الزامية وتساؤلية تنمو مثل البذرة الصغيرة: اللايقين الأول يُصبح رويداً رويداً “نعم” شُجاعة وحاسمة لربّ الحياة.

[1] PAOLICCHI P., Lo specchio rotto: ricerca sull’identità giovanile, in: “Orientamenti pedagogici”

29 (1982) 984, pp. 983- 1011.

[2] عند هذه النقطة نتساءل تلقائياً عن ماهية هذه السلوكيات التي يجب تعلمها لضمان تكامل ناضج وكثيف بين الإيمان والحياة. لا يمكنني إعطاء إجابة مؤكدة تماماً، لأنّني سأكون حينئذ ضد الافتراضات التي قد بينتها بالكاد. القرار بشأن ماهية السلوكيات العاجلة أكثر ينشأ في الواقع من مقارنة ثلاثة مرجعيات معنية: السلوكيات الأساسية في الحياة المسيحية،و المعطيات الثقافية وظروف الكيان الشبابي. بالتالي، يكون في الإمكان فقط، أعطاء أمثلة أو مؤشرات للتوجهات العامة تماماً.

على أيّة حال، سأحاول في الفصل التالي قول شيء ما، فعندما سأقوم بدراسة الطريقة  سأقترح المسيرة التعليمية الواجب اتباعها لكي نصبح “قائمين بالعمل الرعوي” أو “رُعاة”.

قد يعجبك ايضا
Loading...