إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أكرم أباك وأمك (1): التصالح مع جراحات الماضي

280

الكلمة الرابعة

خروج 20: 12أكرِمْ أبَاكَ وأُمَّكَ لِيَطولَ عُمرُكَ في الأرضِ التي يُعطيكَ الرّبُّ إلهُكَ. وفي سفر التثنية 5:  16 ” «أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ، كما أمرَكَ الرّبُّ إلهُكَ، لتطولَ أيّامُكَ وتَلقى خيرًا على وجهِ الأرضِ التي يُعطيكَ الرّبُّ إلهُكَ”.

أكرم أباك وأمك كي يطول عُمرُك على الأرض، وفي سفر التثنية يضيف: “وتَلقى خيرًا على وجهِ الأرضِ”، أي تكون سعيدً طوال أيأمك على الأرض. هي الوصية الوحيدة من الوصايا التي يحمل تنفيذها وعد (إذا أكرمت أباك وأمك. أولاً” تطول حياتك على الأرض ثانيا: تكون سعيد في الحياة).

لم تختار عائلتك!!

جميعًا لم يختار تاريخ ميلاده ولا جنسه ولا شكل جسده ولا العائلة التي وُلد فيها ولا المدينة. لم نختار شيء أبدًا. ولكنك مُطالب بأن تعيش في هذا الوضع وتقبله. أنت غير مسئول عن جسدك أو نوعك أو حقك في اختيار عائلتك، والدك وأخوتك، فأنت لم تختار شيئًا، لكنك اليوم مسئول تمامًا عن تلك الأشياء التي لم تختارها. أنت لا تختار حتى الفرص التي تُمنح لك كي تحقق ما ترغبه وترفض ما لم لا يعجبك. في كثير من المواقف تجد نفسك أمام ظروف سيئة لم تختارها وإذا خُيرت لن تختارها أبدًا. تقضي حياتك في محاولة لتغير بعض الأشياء، وتعيش عمرك وأنت غير راضي عن البعض الأخر الذي لا تستطيع أن تغييره. دعنى أسألك، في البداية، هل أنت سعيد في حياتك!!!

بداية الكلمة الرابعة

تأتي الكلمة الرابعة التي نطق بها الله على الجبل لتعطي لك مفتاحًا للسعادة الحقيقة.. إذا أردت أن تكون سعيدًا في حياتك على الأرض، وأن تعيش طويلاً وأنت هانئ البال دون مشكلات كبيرة فعِش هذا الكلام: “أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ، كما أمرَكَ الرّبُّ إلهُكَ، لتطولَ أيّامُكَ وتَلقى خيرًا على وجهِ الأرضِ التي يُعطيكَ الرّبُّ إلهُكَ”. هذا هو الوعد الذي قطعه الله، إذا حفظت هذا الكلام، ستكون سعيد في حياتك على الأرض.. لم يقل الله أن المكافأة ستكون الحياة الأبدية في المستقبل البعيد والغير منظور، بل ستكون السعادة نصيبُكَ الآن، في حياتك وأيامك على الأرض. وعد الله يتحقق في هذه الحياة، ستطول حياتك وتلقى خيرًا في كل يوم تعيشه، ستكون سعيدًا طوال أيام حياتك.  الوعد له مكافئتين الأولى:  تطول أيامك على الأرض. وثانيًا سوف تعيش سعيد كلَّ الأيام.

تأتي كلمة “تطول” في اللغة العبرية بمعنى: “توازن” أو “تنظيم” أي تكون حياتك متوازنة، منظمة، سعيدة دون قلق كبير واضرابات كثيرة. هذه الوصية مرتبطة بالمستقبل بمعني إذا أكرمت أباك وأمك، وأعطيتهم قيمتهم ووزنهم الحقيقي اليوم، ستكون حياتك متوازنة ومنظمة وسعيدة في المستقبل، ستلقى خيرًا على وجه الأرض، أرضًا يعطيك أياها الربُّ الإله. لن تكون حياتك سعيدة فقط بل ستمتلئ بالخيرات، سيعطيك الرب الإله الشيء الكثير في حياتك.  لماذا ترتبط سعادة الإنسان بإكرام الأب والأم؟!

ما هو المقصود بأكرم الأب والأم؟!

هل المقصود هو احترامهما؟ تقبيل أيديهما صباحًا ومساءً، الانحناء لهما، كما كان يفعل أباؤنا في الماضي مع الأجداد؟

تأتي كلمة أكرام في اللغة العبرية “كابود” بمعنى “ثقل” أو “وزن”، أي “قيمة”. قيمة شيء معين، هذا الشخص له ثقل معين، له قيمة معينة. فماذا يعني إذن “كابود”، أكرم؟ يعني أن تعطي القيمة الحقيقية لشخص ما. بكلمات اخري اكرم أباك وأمك تعني اذا أنت تعطيهم قيمتهم الحقيقة، وزنهم وثقلهم الذي يستحقونه!

لكلمة “كابود” العبرية استخدام أخر في الكتاب المقدس! تُستخدم دائمًا للاشارة إلى مجد الله. في كثيرًا من الأحيان نعتقد أن مجد الله هو هالة الملائكة التي تحيط بالله، أو النور السرمدي المُحيطَ بعرشه.  أن يعطي الإنسان “مجدًا لله” هي أن يعترفَ بقيمة الله وثقله ومكانته في حياته. هكذا طلب اليهود من المولود أعمى: ” أَعْطِ مَجْداً لِلَّهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ”، أعطِ مجدًا لله لأن ذلك الشخص خاطئ لا يعترف بالله ومكانته وثقله في حياته، هكذا فكر اليهود عن شخص المسيح. عندما يقول اليهودي: “أُقدمَ مجدًا لله”، أي “أنا أعترف بقيمة الله في حياتي”. قد يكون تعبير غريب على أذاننا، ولكن بالنسبة لإسرائيل عرفت مجد الله في الوقت الذي عرفت فيه قيمة الله في حياتي.

أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ: أعطِ والديك قيمتهم الحقيقية، ثقلهم ووزنهم الحقيقي! أعطهم مجدهم الحقيقي.

إذا أردنا أن نفهم المعنى الحقيقي للأكرام من الأفضل اللجوء إلى عكس الكلمة.  ما هو عكس الإكرام؟ إذا كان الاكرام هو التقدير واعطاء القيمة الحقيقية لشخص ما، فالعكس هو الاحتقار !!

إذا قرأنا الوصية بعد عكس معناها: ” إذا أحتَقرت أباكَ وأُمَّكَ، لن تطولَ أيّامُكَ ولن تَلقى خيرًا على وجهِ الأرضِ”!! من غير الممكن إذا (بل من المستحيل) أن يكون الإنسان سعيدًا إذا احتقر أباه وأمه.

من يحتقر والديه يغامر بحاضره ومستقبله ويحكم على نفسه بالتعاسة مدى الحياة، وانعدام الخير في طريقه على هذه الأرض. لن يكون سعيدًا من يحتقر أباه أو أمه، لن يهب له الربُّ الإله أرضًا يجد فيها خير!! .

هذه الفكرة جوهرية في فهم الوصية، بالرغم من بساطتها. فالحقيقي أنًّ الشخص الذي يحتقر والديه سيعاني من هذه المشكلة طيلة أيام حياته. هذا ما يقوله الوحي، وما أثبتته الدراسات النفسية، وخبرات البشر الحياتية. فالشخص الذي تصرف بهذه الطريقة مع والديه فإنه يحمل هذه المشكلة طول حياته، وتُصبح واضحةً للجميع.

إنسان يتحدث بسوءٍ عن والديه، يشمئز منهما، يحتقرهما، يعتقد في نفسه إنه من الأفضل له أن يتركهما ويعيش بعيدًا ولا يتعامل معهما. لديه مشكلات مع والديه، فقد كان والده مسيطرًا، متحكمًا، عنيفًا فيحمل هذه الصورة طوال أيام حياته وتَّحد تصرفاته مع الآخرين. يُصبح لدى الشخص مشكلة مع مَن يمثل السلطة. فعندما يعطى له رؤسائه تعليمات العمل، يكتشف إن لا يقبل التعليمات والنصائح، ويستخدم ميكانيزم دفاعي تدفعه كل نصيحة من الآخرين. فهو يتذكر نصائح أبيه، ونتيجة لفرضه لأبيه، يرفض كل مظاهر السلطة حتى لو كانت وقتية، بأن يستجيب لتوجيهات رجل المرور في الشارع، فيتعامل بحدة تصل بعض الأمور إلى العراك.

من يحتقر والديه، يرفض جذوره، كالشجرة التي ترفض أن تتغذى  من جذورها. هل يمكن للشحرة أن تتمو وحدها متى أنفصلت عن جذورها، سرعان ما تيبس وتموت. قد يكون الغالبية منكم لن يفكر في جذوره ويعتقد إنه يحبهم وهذا الموضوع لا يخصه، وفي نفس الوقت يفعل كل ما يحلو له دون مرجعية او اِعطاء قيمة لوالديه. احتقار الوالدين سيكون له تبعات في حياة الشخص. هذه هي شريعة الله، شريعة الحقيقة.

أكرام الأب والأم سينعكس على حياة الإنسان

أكرم أباك وأمك تطول ايأمك على الأرض، وتكون سعيد في حياتك. الكتاب المقدس لا يقول أكرم أباك وأمك فيكونوا مكرميين معززين في حياتهم، ولكن يقدم الوعد والجزاء لك أنت. أكرم أباك وأمك رغم كل ما تعانيه منهم رغم كل ما فعلوه بك، رغم عدم اهتمامهم بمستقبلك وحياتك، رغم بخلهم الشديد فعانيتَ الكثير من العذاب، بالرغم من جهلهم الذي تسبب في أنك لم لم تنل حظًا جيدًا في الحياة. أعطِ والديك قيمتهم ووزنهم في الحياة: لا يقول الكتاب إنك شريرٌ وستعاقب لأنك لم تُكرم أباك وأمك، بل يقول السيد الرب، العالم بكلٍ شيئًا مسبقًا: أنَّ سعادتك على الأرض مرتبطة بهذه الوصية.

قد يكون أن كل منكم بداخله جُرحٌ كَبيرٌ من جراء معاملات والديه معه.. أو البعض الذي تمنى أن يكون والديه أكثر ثقافة، أو يمتلكون ثروة أكثر، أو مستوى اجتماعي أفضل!! تدعو الوصية الراعبة أن تنظر إلى ضعفك، إلى كل الجروح الموجود في حياتك، إلى كل ما يُثقل قلبك تجاه والديك، إلى كل رغبات الدفينة في أن يكون والديك مختلفين عما هم عليه فعلاً. تأتي الوصية الرابعة لتضعك أمام مشكلة كبيرة، بل هي أكبر مشكلات حياتك، مع ذكرياتك أو “مشكلاتك”، “أزمات حياتك الأساسية” التي من الصعب عليك أن تتحملها كل أيام حياتك.

تتحدث الوصية الرابعة إذن عن: “جراحاتك ورغباتك التي لم تتحقق”

جميعنا ضعفاء، نحمل ذكريات “عقد” تركت بصماتها على الشخصية، على أحكامنا على ذاوتنا، الآن يقول لنا الوحي الإلهي شيء في غاية الأهمية: حياتك بين يديك، بما تحمل من ضعفات وأخطاء، أنت سيد حياتك، يمكن لك، مهما كانت أخطاء الوالدين، أن تعيش سعيد، متى تصالحك مع ماضيك، مع والديك الذين تسببوا، عن عمد أو سوء نية، في إيذائك منذ الصغر.

هناك تزايد للعنف الأسرى، اللفظي والبدني، في الأُسر المصرية،وتنامي لظاهرة التحرش الجنسي داخل نطاق العائلة، وأخطاء تربوية كثيرة ليس المجال لتصنيفها هنا. كل هذا يترك بصمته على الشخصية. هل من الممكن أن نتصور مشاعر فتاه تعرضت للاغتصاب داخل اسرتها، وماذا نقدم لها. ستعيش هذه الفتاة وهي تحمل هذه الذكرى الأليمة طوال حياتها وستؤثر على سلوكياتها وتعاملاتها مع الآخرين التي تكون مدفوعة، كما يعلم سيجموند فرويد، إلى هوس جنسي يدعوها إلى إيذاء كل من يمثل لها صورة الآب. هل بالإمكان تقدم حلول لكي تعيش الفتاه في حالة استقرار وسعادة في حياتها.

هذا ما تقدمه الوصية الرابعة: التصالح مع الماضي، الغفران لوالدها!! متى وجدت الفتاة في نفسها القوة اللازمة للغفران تجاه والدها، ستتجاوز المشكلة و”العقدة” النفسية التي تعاني منها، ستتحرر تمامًا من المشكلة التي تنغص عليها حياتها.

أكرِمْ أبَاكَ وأُمَّكَ لِيَطولَ عُمرُكَ في الأرضِ التي يُعطيكَ الرّبُّ إلهُكَ. «أكرِمْ أباكَ وأُمَّكَ، كما أمرَكَ الرّبُّ إلهُكَ، لتطولَ أيّامُكَ وتَلقى خيرًا على وجهِ الأرضِ التي يُعطيكَ الرّبُّ إلهُكَ”.

لا تفترض أن والديك صالحين وقديسين يجب عليك إكرامها. إذ فكرنا بهذه الطريقة نقع في خطأ كبير. الوصية تنادي بما هو أعمق من ذلك بكثير. فإذا تعامل الوالدين بعنف مع ابنهما، فالوصية تخاطب الابن، أنت تحمل في ذاتك آثار هذا التعامل الخشن، ومن المحتمل أن تكون لديك “عقدة” لكن لا تدعها تؤثر بشكل مباشر على حياتك المستقبلية. قبول هذا الأمر ليس سهلا على الإطلاق، لا تطلب منك الوصية، أن تخذف ذكرياتك، أو تحول والديك إلى ملائكة يستحقون التمجيد، في حين إن الحقيقة كانوا لعنة عليك. الوصية تنادي: بتحرر كل إنسان، بإمكانية التصالح مع الجميع، مع كل ذكرياتك تحملها، إذا لم تحتقر ماضيك وتعطى “الوزن” و”القيمة” الحقيقة للأحداث ستكون سعيد.

قرار سعادتك بيدك الآن. تنادي بالحرية التي لا يستطيع أحد أن ينزعها منك. لا يمكن أن تصل إلى الكمال الحقيقي ما لم تتصالح مع ماضيك. إذ عانيت من مشكلة ما في العلاقات مع الآخرين، تحكم الآن في حياتك، فسعادتك بيدك وليس بيد الآخرين.

 جميعنًا على علم بان كل إنسان يخطئ، فلا يوجد إنسان صادق تماما أو عادل دائما في حياته، يطلب من الوحي الإلهي أن تكرم أباك وأمك رغم كل ما تذكره من ماضي أليم، رغم ما تحمله في قلبك تجاههم!! اعطيهم قيمتهم ووزنهم، من أجلك أنت من أجل مستقبلك. إذا كنت ضحية لوالديك، بسبب جهلهم، فاعلم أن حملك لهذا الجرح سينعكس على كل تصرف في حياتك،

هذا ما تعلمه الوصية الرابعة: أنت تمتلك بين يدك سر سعادتك الحالية والمستقبلية. لا تفكر في نفسك وتقول؛ على أن أكون أفضل منهم أتعلم من اخطائهم، لأنك بهذا تسخر أيضًا منهما وتحتقرهم .

كيف تكرم أباك وأمك وتعطيهم قيمتهم في الحياة؟؟ رغم كل ما تعانيه بسبب جهلهم وإنهم لم يعلموك شئ مفيد في الحياة ولن يهتموا بتربيتك وتقوية شخصيتك كما كنت تتمني!! لهذا الوصية الرابعة تقول لك ابدأ وأنظر في قصة حياتك من جديد وتذكر قصة أيوب في أسوء أيام حياته في وقت الضيق بينما هو يحتضر هنا يتعرف على كل أسباب تعاسته حتى انه يتقابل مع الله .

راجع وافحص حياتك وفتش في داخلك عندما كنت طفل، وكل ما عنيته بسبب والديك! توقف عن الحياة واضعًا عصابة تخفي بها عينيك عن الحقيقة. إذا كانت لديك مشكلات فمن الصعب أن تسير هكذا طوال حياك، دافنًا رأسك في الرمال. يجب أن تواجه نفسك. هذا هو وقت الوقف أمام ذاتك.

في إطار مسيرنا هذه أدعوك لأخذ حياتك بيدك، أن تتحكم في كل مشكلة تأتي من ماضيك، كل غضبٍ مكتوم تجاه، كل احباط، كل حزن، كل فراغ كياني، كل وحدة قاتلة. ما هي علاقتي مع ماضيا؟ ما هي علاقتي مع أبي وأمي؟ احتقر والدي، أعطيه قيمة ووزن خاطئ؟ احتقر أمي وأكره أسرتي؟ كنت أمتنى أن يكونوا مختلفين؟ كنت لا أحب أن يعتبروني غلطة؟

ها هي الوصية تدعوك للتصالح مع ماضيك، مع مشكلاتك، مع أثار التربية الخاطئة.. سعادتك بين يديك.

 

قد يعجبك ايضا
Loading...