إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

“صراع الأجيال” في حياة المكرسين

219

مقدمة: ينضم المكرس إلى جماعته الرهبانية ويبدأ مسيرة حياة عملية بحماسة وشغف لخدمة الله الذي دعاه والانفتاح على الأخوة أعضاء الجماعة. هي فترة الالتزام واستيعاب المسئوليات والتعرف على احتياجات الكنيسة والجماعة الرهبانية. يمكننا القول أنه يدخل بسذاجة وحُسن نية، بل تتملكه الأوهام أحيانًا بعيش حياة رهبانية منضبطة. لكنه سرعان ما يكتشف محدوديته ومحدودية الآخرين، يعاني من أنانية البعض وتسلط البعض الآخر، وأحيانًا كثيرة يكتشف إنه هو بدوره أناني وعاجز عن الحب الحقيقي.

تشبه حياة التكريس السفر في البرية نحو أرض الميعاد، نحو التجرد الداخلي. لم يبدأ الشعب اليهودي تذمره على موسى، إلا بعد عبور البحر الأحمر هربًا من المصريين، وبعد أن توقفت المعجزات الخارقة، مثل شق البحر والضربات العشر، أو اعتياده عليها كالمن النازل من السماء والماء الخارج من الصخرة. عندما نسى ظلم المصريين وانتهت الخوارق ودخل في الروتين اليومي الرتيب، بدأ يتذمر على موسى.

تبدأ صعوبة الحياة مع مرور الوقت، ومواجهة كل فرد لمحدوديته وعجزه عن الحب الحقيقي ومعاناته في العيش المشترك مع الجماعة الرهبانية. تتلاشى المظاهر البطولية التي كانت في أذهان شباب المكرسين وتبدو الحياة في رتمها اليومي الرتيب والأشياء التي اعتبرها البعض إنه قد تحرر منها تبدأ في أن تمارس إغراءاتها عليه من جديد، فيعاني من مجموعة أخطار، نوه عنها البابا فرنسيس في رسالته إلى المكرسين بمصر في 28 أبريل 2017 مثل: تجربة الانجراف مع التيار وليس القيادة، تجربة التذمر الدائم، تجربة الثرثرة والحسد، تجربة مقارنة النفس بالآخرين، تجربة التفرعن، تجربة الفردانية، تجربة غياب الهدف و الاستسلام لمظاهر الرفاهية والراحة. أخطار تواجه المكرسين في مصر، شباب وكبار لكن البعض منها يتعلق أكثر بأحدى هاتين الفئتين لارتباطها بطبيعة الفئة والمستوى الروحي والنفسي لأعضائها.

الأخطار الخاصة بجيلي الوسط وكبار المكرسين

قبل تجسد المسيح كان هناك انتظار كبير للمسيا وفقًا لنبؤات الأنبياء، وللدهر الآتي. عاش اليهود الملتزمين في انتظار لمجئ الملك، المسيا، الذي يخلص شعبه. لكن في المئتين سنة قبل مجئ المسيح تغيرت النغمة تمامًا، وأصبحوا، لا ينتظرون شخص يُصلح مسار التاريخ، بل شخص ينهي التاريخ ويبدأ مرحلة جديدة اسمها “الدهر الآتي”. ينهي هذا الدهر بكل مآسيه ويبدأ دهرًا جديدًا. هذا الشخص هو المسيا ابن الله. لاحظ عندما قال يسوع لمرتا “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”، فردت عليه قائلة له: “أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ”. وعندما دخل أورشليم هتفت الجموع قائلة: “مبارك الآتي”. وبعث له يوحنا من السجن ليسأله: “أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر”.

في تجارب يسوع في البرية كانت هذه نقطة انطلاق لإبليس في تجاربه للمسيح: “إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ”. هل أنت الذي ستنهي الدهر القديم وتبدأ الدهر الآتي، الجديد فتخلص الناس وتحقق الخير للناس. إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فافعل ما أقوله له.

دعونا نبدأ بالتجربة الثانية والتي فيها حاول الشيطان اقناع يسوع بما يلي: “إن كنت أنت ابن الله وتريد أن تنهي الدهر القديم وتبدأ الدهر الآتي، ,تكون الملك الآتي لا بد أن تسيطر”. فالمجد الشخصي والنجاح وتقدير الذات لا يأتي إلا من خلال السيطرة. ستكون قائد ناجح متى كنت “مسيطر”. للسيطرة طريقين لا ثالث لهما:-

الأول: السيطرة من خلال القوة الناعمة، لذا جاء إبليس إلى الرب يسوع وقال له: “أنت ابن الله وتريد أن تقيم مملكة الدهر الآتي، اِذهب إلى المدينة المقدسة حيث المتدينين ينتظرون المسيا المخلص، هم بالألاف وعشرات الألاف يروادهم الحلم القديم أنه “الآتي” قادم. أنهم يصرخون إليك قائلين: ” لَيْتَكَ تَشُقُّ السَّمَاوَاتِ وَتَنْزِل” (أشعيا 64: 1) أننا نحتاج إليك، اِذهب إلى المدينة التي تعج بالحجاج والمصليين وأصعد على جناح الهيكل وأطرح نفسك. وتنزل من الأعالي وتتهاوى أمامهم، وبينما سيتوقعون تحطمك على الأرض، يُرسل الله ملائكته ويحملونك لئلا تصطدم رجلك بحجرٍ. تخيل المشهد وأنت في طريقك إلى السقوط ماذا سيكون موقف المشاهدين في الهيكل، كمية الإدرنالين التي ستصب في دمائهم وهم يرون الملائكة تحملك في اللحظات الأخيرة قبل السقوط”. عندما تُبهر وتُقنع سيتبعك الجميع. السيطرة من خلال الإبهار والإقناع هذا فكر شيطاني. لسنا مدعوين لكي نسيطر على الناس أو لكي نبهر الناس، لسنا مدعوين لكي نختزل الناس في مجرد عقول تنتظر الإقناع.

هكذا أوصانا البابا فرنسيس في كلمته لنا: ” تجربة الفردانية. كما يقول المثل المصري المعروف: “أنا ومِن بعدي الطوفان”. إنها تجربة الانانيين الذين، أثناء الدرب، يفقدون الهدف، وبدلا من التفكير في الآخرين يفكّرون فقط في أنفسهم، دون الشعور بأي خجل من ذلك، بل ويبرّرونه. إن الفردانيّة هي في الواقع سببٌ للعثرة وللصراع”. هذه الروح عند بعض المكرسين تهدم أُسس الحياة المكرسة لأن الشخص في سبيل تحقيق رغبته تلك يؤثر بالسلب على باقي أعضاء الجماعة الرهبانية، خاصة حديثي النذور، فتتشكل أمامهم نماذج أنانية، لا تسمح بالمشاركة، بل ترسخ أن النجاح على مستوى الرهبنة يرتكز في النجاح الشخصي.

مَن يؤمن بالفردانية ويتصرف بصورة أنانية ولا يُشرك الآخرين، بل يرغب في ابهار الناس من خلال مواهبه، قدراته، امكانياته وذكائه، وأحيانًا فهلوته، يعاني للآسف من خلل نفسي لأنه يعتقد إنه إذا لم يُبْهر لن يُقبل. تبرمج منذ الصغر أن القبول مشروط، أنت تُقبل ليس لذاتك، بل لقدرتك على الإبهار، إذا كففت عن الإبهار كف القبول في الحال، فكن دائمًا مبهرًا. هذا يؤدي إلى الدمار النفسي لأن الشخص يركز على ما يفعله لا على ما يكون في ذاته وشخصه. النتيجة سيموت الإنسان في الداخل بعدما تضعف كينونته الداخلي لأهتمامه بما يفعل في الحياة ليكون مبهرًا. الناس من حولك تقولك كلام حلو ويصفقوا لك لكنك تُدمر من الداخل وذلك لسببين:

  • الأول:عليك أن تعلم أن ما كان يبهر الناس في العام الماضي يختلف عما يبهرهم الأن. فتضطر إلى البحث عن أمور جديدة قادرة على الإبهار، وعندما يَصعُب عليه ايجاد أمورٍ جديدة فإنك ستصاب بالإحباط وورطة ضياع القدرة على الإبهار. (تنتشر وسط رجال الإكليروس والخدام).
  • الثاني: ستدفعك رغبتك في الإبهار إلى اختيار وسائل وأشياء قد تتعارض مع ضميرك المسيحي، تضاد ثقافة المجتمع لكي تحتفظ بالناس في حالة إبهار.

الثاني: السيطرة من خلال القوة الغاشمة، يلجأ البعض إلى القوة الغاشمة، من خلال سلطته، إلى جعل الآخرين يخضعون له. يسحق الآخرين ويمنع عنهم الحقوق الطبيعية وهنا استخدام خاطئ وسيئ للطاعة الرهبانية التي تؤدى إلى أزمات نفسية شديدة للخاضعين تحت نير الشخص “المسيطر”. تلك تجربة “التفرعن”، كما قال البابا فرنسيس: ” تحجّر القلب وإغلاقه أمام الربّ وأمام الإخوة. إنها تجربة مَن يشعر بأنه فوق الآخرين ومن ثمَّ يقوم باستعبادهم لنفسه من أجل المجد الباطل؛ تجربة الاعتقاد بأنه على الآخرين أن يخدمونا بدلا من أن نخدمهم. إنها تجربة مألوفة، وقد كانت قائمة منذ البداية بين التلاميذ، الذين -كما يقول الإنجيل- “تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ” (مر 9، 34). والترياق لهذا السمّ هو: “إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِماً لِلْكُلِّ” (مر 9، 35)”.

ماذا تكون نتيجة الرغبة في السيطرة من خلال الابهار والشعور بالتفوق على الآخرين؟

النتيجة: للآسف هي تجربة ضياع هدف التكريس الأساسي: “بأن يُصبح أيقونة المسيح الحية الحاملة لحضوره في العالم”. هكذا عبر بولس عن الهدف في رسائله، فمثلا يخاطب الغلاطيين قائلاً: “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (2: 20). فالمسئول الذي يركز على ذاته لتحقيق رغبته في السيطرة من خلال قدرته على الابهار فإنه يفقد الهدف الذي لا أجله قد كرس حياته للرب. وفقدان الهدف يؤدى به إلى فقدان رسالته التي كَرس من أجلها حياته وطاقاته وهي أن يرسم ويجسد يسوع المسيح للآخرين، هكذا يختم بولس كلامه للغلاطيين: “أَيُّهَا الْغَلاَطِيُّونَ الأَغْبِيَاءُ، مَنْ رَقَاكُمْ حَتَّى لاَ تُذْعِنُوا لِلْحَقِّ؟ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوباً!” (3: 1)، ثم يذكرهم بخلاصة رسالته بينهم: “يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضاً إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ” (4: 19).

خلاصة خدمة بولس للغلاطيين هي “رُسم أمام عيونكم مصلوبًا”. ربما نجح ليس فقط في تعليمه، بل أن يحفز الخيال ليرسم صورة يسوع في أذهان تلاميذه. كذلك من خلال حياته بينهم “تمثلوا بي وأنا بالمسيح” أعطى مثلاً وقدوة لسامعيه فعندما يسمعونه يتذكرون أنه عاش ما يقوله عن المسيح في حياته. غاية الخادم أن يرسم شخص يسوع المسيح للآخرين. الرسالة الحقيقة أن يرسم الخادم بين أخوته يسوع المسيح مصلوبًا.

أما الخضوع لهوى “السيطرة” بنوعيها سيؤدى بالمسئول إلى الوقوع في تجربة السير بلا بوصلة وبلا هدف كما عبر البابا فرنسيس في كلمته لنا. إن المكرّس الذي يفقد هويّته يصبح رويدًا رويدًا “بلا لون ولا طعم”. فهو يعيش بقلب منقسم بين الله والأمور الدنيوية. ينسى حبّه الأول (را. رؤ 2، 4). فالمكرّس في الواقع، من دون هويّة واضحة وراسخة، يسير دون توجّه، وبدل من أن يقود الآخرين يبدّدهم”.

ماذا كانت إجابة الرب على تجربة إبليس؟ يا كاذب، لن أملك بالسيطرة بل بالخدمة!! “لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مرقس 10: 45). أساس العلاقات عند المسيح هي الخدمة والتي تُلخص رسالته في العالم. أما أساس العلاقات عند الشيطان وهي أن تسيطر. كل القدرات والمواهب والانجازات سوف تنتهي ولن يبقي إلا روح مخلوق على صورة الله، سعت في الحياة إلى التمثل بالابن فتغيرت يومًا بعد يوم إلى تلك الصورة عينها، وهذا هو هدف التكريس الأول: الاقتداء بالمسيح.

الأخطار الخاصة بجيل شباب المكرسين

سبق أن ذكرنا أن الشباب لديهم حماسة لاتباع المسيح بصورة جذرية، لكن صعوبات الحياة الجماعية وصعوبات الرسالة والاصطدام بواقع الحياة والكنيسة يُربك الشباب ويدفع بهم أحيانًا إلى الكثير من الأزمات. يخضع الشباب لتجربة الانجراف مع التيار وليس القيادة، كما عبر البابا فرنسيس. ينسى الشباب هدف التكريس ويصاب بالإحباط والتشاؤم: “ماذا يمكنني أن أفعل؟”. تموت المبادرات والابداع بالانجراف مع التيار السائد في الرهبنة والكنيسة.

إن الانجراف مع التيار السائد وفقد روح المبادرات والابداع سيدفع الشباب إلى السقوط في تجربة التذمر الدائم من الأوضاع الحالية، فكما يقول البابا: “من السهل اتّهام الآخرين على الدوام، بسبب تقصيرات المسؤولين، وبسبب الأوضاع الكنسيّة أو الاجتماعيّة، وبسبب ضيق الإمكانيّات”. يدفع التذمر الشباب إلى السؤال الدائم: هل هذه هي إرادة الله في حياتي؟ هل إرادة الرؤساء تعبر بصدق عن إرادة الله؟!

صعوبات في نذر الطاعة وينسى الشباب إن الطاعة تعني “التحرر من الذات وطاعة الله بحرية”، فكل موقف من مواقف الحياة المعتادة والروتينية تمثل يتحرك فيه الله ويتدخل في التاريخ اليومي للشخص. وإن لعيش الطاعة الرهبانية لا ينبغي أن يطلب في أن تكون الحالة التي يعيشها متناسبة مع إرادة الله أو أن تكون قرارات الرؤساء متناغمة مع المخطط الإلهي. فمن الممكن أن تكون الحالة التي يمر بها المسيجي هي حالة ظلمٌ بَّيِّنْ، أو إن قرارات الرؤساء ظالمة ومتحيزة بصورة سافرة. على المُكرس أن يُطيع، بالرغم من الظروف المعاكسة والمتقلبة وأحيانًا الظالمة. المُكرس مدعو إلى الطاعة في جميع الحالات، العادلة والغير عادلة، الكاملة والغير كاملة. يكشف المُكرس بطاعته القوة الكامنة في المحبة والخير، القادرة على تحويل الشر إلى خير، الموت إلى حياة، متى استسلم الإنسان بثقة بنوية بين يدي الله.

الطاعة، بالرغم من الظروف الغير مناسبة والغير ملائمة، تقودنا إلى ما هو أكثر عمقًا وأكثر جوهريًا للاحداث اليومية المعاشة، إلى المعنى لكل شيء، إلى المعنى من الحياة، إلى الملكوت المختبئ خلف الحياة اليومية المُعاشة. متى آمن الإنسان بأن إرادة الله تتجسد في الأحداث اليومية، فإنه يشهد ويعلن محبة الله في كل ما يمر به من أحدث، كما أعلن المسيح: “طعامي أنْ أعمَلَ بِمَشيئَةِ الذي أرْسَلني وأُتمِّمَ عَمَلهُ” (يو 4: 34).

لا تعنى الطاعة القناعة بأن قرارات الأساقفة أو الرؤساء تُعبر تمامًا عن إرادة الله. فقرارات الرؤساء تخضع لتأثيرات ثقافية ولاعتبارات شخصية، وأحيانًا لتمييز جائر بين الأشخاص، فهي لا تعبر تمامًا عن إرادة الله. في مثل هذه المواقف الصعبة والغير عادلة، فإن المُكرس يتمسك بطاعة الله وعمل مشيئته. عندما ينصاع المُكرس إلى قرارت رؤساءه بالتزام وضمير نقي، بالرغم من عدم عدالته، فإنه يُعطي شهادة على تغليب روح المحبة والانصياع للقوانين الرهبانية ولمقتضيات الحياة الجماعية داخل الرهبنة، وفي كل هذا تحقيق وتأسيس لملكوت السموات: “طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون. طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، اِفَرحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم” (متى 5: 9- 12).  فالخير المُحقق من قبول وتنفيذ قرارات الجماعة الرهبانية والرؤساء يتخطى العيب والخلل وعدم العدالة في ذات القرار. ففي طاعة المكرس، حتى في الأمور التي تحتمل الغبن والظلم، إعلاء لمحبة الله ولخير الجماعة.

لذا يختتم البابا فرنسيس تحذيره من تجربة التذمر والتشكي الدائمة بقوله: “إلّا أن المكرّس هو الشخص الذي، بمسحة الروح القدس، يحوّل كلّ عقبة إلى فرصة نجاح، وليس كلّ صعوبة إلى ذريعة! مَنْ يتذمر باستمرار هو في الواقع شخص لا يريد أن يعمل. لذا يقول الربّ مخاطبا الرعاة: “قَّوِمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ” (عب 12، 12؛ را. أش 35، 3)”.

يؤدى التذمر والتشكي إلى وقوع شباب المكرسين في خطر أشد قسوة، نبه أيضًا إليه البابا فرنسيس المكرسين في مصر: تجربة الثرثرة والحسد. الفيلسوف الكبير مارتن هيدجر في كتابه “الكينونة والزمن” خصص فصلاً كاملاً للكلام عن الثرثرة والتي وصفها “بالكلام الكسول” وهي ذات الكلمة اليونانية “أرجون” التي استخدمها المسيح في قوله: “أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ الدِّينِ. لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ” (متى 12: 36- 37). كلمة بطالة، غير نافعة، غير مدروسة. وصف هيدجر الكلام البطال “الثرثرة” بأنه علامة “الفشل في تحقيق الوجود الأصيل” أي المهرب من الحياة الواقعية الأصيلة التي يجب أن يعيشها الإنسان. فالثرثرة – في نظر هيدجر – تصبح سمة لتزييف الفرد أو لمساعدته على التنصل من أعباء الوجود، وهذا بنظر هيدجر يذيب الشخصية الفردية ويجعلها سلبية واتكالية وهامشية في وجودها وأقرب إلى العدم واللاشيء. وهؤلاء الثرثارون يقومون بهذا الصنيع خوفاً من مواجهة أعباء وجودهم، وخوفاً من الإقدام على تحقيق ذواتهم، ومعلوم أن تحقيق الذات – ضمن المعنى العميق لهذه الكلمة – هو أمر محفوف بالتحديات والمواجهات والتصعيدات الكثيرة التي لا يقوى على مواجهتها كل فرد. فالتحديات القوية تصنع الإنسان وتشكله وتصيّره وتصوغ مصيره.

الثرثرة والنميمة هي مهرب من الوجود الأصيل، من الدعوة الأساسية لحياة مُكرسة بالكامل فكرًا وقولاً وفعلاً لأ يصبح الشخص مسيحًا آخر. هكذا عبر بولس: “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (2: 20). حياة التكريس هي حياة أحياها اقتداء بابن الله الذي أحبني وجاد بنفسه من أجلي. لذا فالمكرس الحقيقي لا يملك فكرًا إلا فكر المسيح، وشعورًا إلى شعور المسيح، ولا يفعل شيء إلا ما فعله المسيح في حياته على الأرض. حياة التكريس هي اقتداء بنمط الحياة الذي اختاره ابن الله في حياته على الأرض. فلا يجب أن يجعل المكرس حياته زائفة غير أصيلة. وفقا لهيدجر الثرثرة تعنى ضياع الوجود الحقيقي والاندماج مع المجموع لتحقيق وجود زائف.. الغرق في وسائل التواصل الاجتماعي.

حياة متكاسلة وكلامٌ بطال لا نفع فيه، وحسدٌ تجاه الآخرين هي حياة فارغة غير مثمرة. هكذا وصف بطرس الرسول في رسالته الثانية تلك الحياة التي لا يبذل فيها الشخص جهدًا للنمو في الفضيلة ويجتهد في الصبر وتقبل الآخر في حياة جماعية: “5وَلِهَذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً،وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفاً، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْراً، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى،وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً. لأَنَّ هَذِهِ إِذَا كَانَتْ فِيكُمْ وَكَثُرَتْ، تُصَيِّرُكُمْ لاَ مُتَكَاسِلِينَ وَلاَ غَيْرَ مُثْمِرِينَ لِمَعْرِفَةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (1بطرس 1: 5- 8). عدم السعى للنمو الروحي والنفسي والتفرغ للثرثرة والكلام البطال الغير نافع سيؤدي إلى أن يصبح الإنسان كسول وغير مثمر في حياته.

تمتلء الأديرة بالرهبان والراهبات لكن التأثير على المجتمع ضعيف، ليس كما كانت الكنيسة الكاثوليكية سابقًا، لأن الحياة الرهبانية ليست أصيلة تمامًا اليوم كما كانت. هكذا وصف البابا فرنسيس الأمر: “يصبح الخطر كبيرًا عندما يسمح المكرّس لنفسه، بدل أن يساعد الصغار على النموّ والابتهاج لنجاح الإخوة والأخوات، بأن يسيطر عليه الحسد فيتحوّل إلى إنسان يؤذي الآخرين عبر النميمة. وعندما، عوضًا عن أن يبذل الجهد للنمو، يشرع في تدمير الذين ينمون؛ وبدل أن يقتدي بالأمثلة الصالحة، يدينها ويقلّل من قيمتها. إن الحسد هو السرطان الذي يدمّر أيَّ جسد في وقت قصير، والنميمة هي وسيلة الحسد وسلاحه”.

قد يعجبك ايضا
Loading...