إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تحية الفضائل 6

0 328

تحية الفضائل 6

(13) الطاعة المقدسةُ تُخزي  كل الإراداتِ الجسديةِ والشهوانية،

1(14) وتُميتُ الجسد،  كي يُطيع الروح، ويُطيع أخاهُ،

تحتل الطاعة المقدسة حيزًا هامًا في حياة القديس فرنسيس الأسيزي، فهي الفضيلة الأخيرة من الفضائل الست التي تقود إلى الكمال الإنجيلي وإلى الحكمة المقدسة، هي مشورة من المشورات الإنجيلية الثلاث التي يعتنقها المكرسون.

تستند الطاعة المقدسة على نمط حياة يسوع المسيح في حياته الأرضية في علاقاته مع الله أبيه ومع أخوته. ففي إنجيل يوحنا يعلن يسوع عن منهجه في الحياة: “فما نزَلْتُ مِنَ السَّماءِ لأعمَلَ ما أُريدُهُ أنا، بل ما يُريدُهُ الذي أرسَلَني” (يو 6: 28). فطاعة الأب هي شيء حيوي بالنسبة ليسوع فيقارنه بالغذاء الطبيعي، بالطعام: “طعامي أنْ أعمَلَ بِمَشيئَةِ الذي أرْسَلني وأُتمِّمَ عَمَلهُ” (يو 4: 34). ولأجل تتميم إرادة أبيه يقدم يسوع حياته كتقدمة على الصليب: “ها نَحنُ صاعِدونَ إلى أُورُشليمَ، وسيُسلَمُ اَبنُ الإنسانِ إلى رُؤساءِ الكَهنَةِ ومُعَلِّمي الشَّريعَةِ، فيَحكُمونَ علَيهِ بالموتِ ويُسلِمونَهُ إلى حُكَّامِ غُرباءَ، فيَستَهزِئونَ بِه، ويَبصِقونَ علَيهِ ويَجلِدونَهُ ويَقتُلونَهُ، وبَعدَ ثلاثةِ أيّامِ يَقومُ” (مر 10- 33- 34).

في بستان الزيتون يتعرض يسوع إلى أزمة عنيفة بين ارداته الشخصية واردة أبيه (مت 26: 39). يتجاوز يسوع الأزمة بعد معركة روحية صعبة تنتهى بتسليمه الكامل لإرادة أبيه، وتقدمة نفسه ذبيحة على الصليب.

تظهر فضيلة الطاعة المقدسة في صلواتنا اليومية التي نرفعها إلى الأب في صلاة الأبانا: “لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض” (مت 6: 10). وهي ما يميز تلميذ يسوع وتابعه: “ليس كُلُّ مَنْ يقولُ لي: يا ربٌّ، يا ربٌّ! يدخُلُ مَلكوتَ السَّماواتِ، بل مَنْ يَعملُ بمشيئةِ أبـي الَّذي في السَّماواتِ”.

أعطى القديس اهتماما واضحًا بفضيلة الطاعة المقدسةُ، كما يظهر هذا في القانون مُثًّبت: ” أَمَّا الإِخْوَةُ المَرْؤوسونَ، فَلْيَذْكُروا أَنَّهُم، لأَجْلِ اللهِ، قَدْ تَخَلَّوا عَنْ إِرادَتِهِمِ الذَّاتِيَّة. وَلِذَلِكَ آمُرُهُم، بِحَزْمٍ، بِأَنْ يُطيعُوا خُدَّامَهُم، في كُلِّ ما وَعَدوا الرَّبَّ بِحِفْظِهِ، وَما لَيْسَ ضِدَّ نُفوسِهِم وَقانونِهم” (ق. م: 10: 2- 3). ويخصص توصية كاملة في هذا الموضوع.

الطاعة المقدسةُ تُخزي  كل الإراداتِ الجسديةِ والشهوانية،  وتُميتُ الجسد،  كي يُطيع الروح، ويُطيع أخاهُ“. جميع الفضائل السابقة تخزى كافة تجارب إبليس، فالفقر مثلا يخزى الجشع، والتواضع يخزى الكبرياء، والمحبة تخزي التجارب الشيطانية والجسدية، إلا إن الطاعة تصل إلى القلب البشري، المكان الذي منه تأتي كل القرارات، المكان الذي تخرج منه كل الرغبات والشهوات. فالإنسان يمكن أن يقع في تجربة إلا إنه لديه السلطة الكاملة في قبول التجربة أو رفضها. فكل شيء يخضع لإرادته. فضيلة الطاعة ترتبط إذن بالمنطقة الأخيرة للصراع الروحي والتي تحدد قرارتنا وتوجهاتنا.

يضع فرنسيس “الإرادة الشخصية” الجسدية أو الشهوانية في جانب، والإرادة التي تَخضع “للروح” و “للأخوة” في الجانب الآخر.

ففي الوصية الثالثة: ” إِنَّهُ يَتَخَلَّى عَنْ كُلِّ ما يَمْلِكُهُ وَيُهْلِكُ جَسَدَهُ، مَنْ يُقَدِّمُ ذاتَهُ كامِلَةً بَيْنَ يَدَي رَئيسِه. وفي الواقِعِ، هُناكَ رُهْبانٌ كُثُرُ، بِحِجَّةِ أَنَّ رؤُيَتَهُم للأُمورِ هيَ أَفْضَلُ مِمَّا يَأْمُرُهُم بِهِ رُؤَساؤُهُم، يَلْتَفِتونَ إِلى الوَراءِ، ويَعودونَ إِلى قَيْءِإِرادَتِهِم الذَّاتِيَّة”.  فالذي يطلبه الرئيس يُمثل إرادة “الروح” (متى لم يطلب شيئًا يخالف الإنجيل والقانون والضمير)، وإرادة “الأخ”. تأتي إرادة الشخص في الجانب الآخر. ورفض طاعة الرؤساء هنا هي رفض طاعة الروح وطاعة الأخ، والاستسلام إلى الإرادة الشخصية الجسدية والشهوانية. إذا طلب الرئيس شيئًا يتعارض مع الإنجيل أو القانون أو الضمير، فإن في هذه الحالة يُجيز فرنسيس عد الطاعة، كما ينص القانون الغير مُثَّبت (5: 2).

فالراهب مدعو، على مثال المسيح، ليَخدم لا أن يُخدم. أما إذا تبين إن الراهب يسير حسب الجسد لا بحسب الروح، فيما يتعلق باستقامة نهج حياته، فإن الرؤساء يجب أن: ” وَلْيَسْتَقْبِلْهُم هَؤُلاءِ بِمَحَبَّةٍ وَلُطْفٍ، وَلْيُبْدوا لَهُم مِنَ الإِلْفَةِ ما يَجْعَلُ (هَؤُلاءِ الإِخْوَةَ) يُكَلِّمونَهُم، وَيَتَصَرَّفونَ مَعَهُم كَما يَتَكَلَّمُ الأَسْيـادُ وَيَتَصَرَّفونَ مَعَ خُدَّامِهِم. (6) فَهَذا هوَ المَفْروضُ: أَنْ يَكونَ الخُدَّامُ خَدَماً لِجَميعِ إِخْوَتِهِم )ق. م. 10: 5- 6)”.

فالرهبان مدعون لطاعة رؤسائهم، والرؤساء مدعون إلى التواضع للاستجابة لاحتياجات مرؤوسيهم. هي طاعة متبادلة: “لا بَلْ بِمَحَبَّةِ الرُّوحِ، فَلْيَخدُموا، وَيُطيعُوا بَعْضُهُم بَعْضاً عَنْ طيبِ خاطِر. وَتلكَ هيَ طاعَةُ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ الحَقيقِيَّةُ وَالمُقَدَّسَة (ق. غ. م. 5: 14- 15).

(16) فَيُصْبِحُ طَيِّعاً وخاضِعاً لِجَميعِ البَشَرِ، الَّذيْنَ هُمْ في العالَمِ،

(17) بَلْ لَيْسَ فَقَطْ للبَشَرِ، إِنَّما، أَيضاً، لِجَميعِ البَهائِمِ والوُحوشِ،

وطاعة “الروح” و “الأخ” تمتد لتشمل كل البشر الموجودين في العالم، فهي تنتشر حتى تصل بالإنسان إلى عطاء الذات الكامل كشهادة إيمان بيسوع المسيح. واشارة فرنسيس للحيوانات المتوحشة لدلالة على الاستشهاد في سبيل المسيح. فكما كان يُلقى بالمسيحيين الأوائل طعامًا للوحوش، على الراهب أن يكون لديه الاستعداد لفقدان ذاته وحياته لأجل تنفيذ إرادة الروح. هذا ما يوضحه في القانون في مناسبة توصيته للذين يذهبون إلى ديار المسلمين: ” عَلَيْهِم أَنْ يَتَعَرَّضُوا للأَعداءِ المَنْظُورينَ، وَغَيْرِ المَنْظورينَ، إِذْ إِنَّ الرَّبَّ يَقولُ: ”مَنْ فَقَدَ نَفْسَهُ مِنْ أَجلي يُخَلِّصُها للحَياةِ الأَبَدِيَّة )ق. غ. م. 14: 10-11)“.

ويرفع فرنسيس الاستشهاد اليومي، من خلال العلاقات الإنسانية والأخوية مثل حُكم استشهاد الجسد. لدينا المثل في رئيس ديرٍ الذي رغب في ترك جماعته الرهبانية والاختلاء في المحبسة لان مشكلات الحياة الجماعية اليومية تُبعده عن حالة الصفاء والسلام الداخلي وتعوقهُ عن تقدمه في القداسة الشخصية. فيرسل فرنسيس خطابًا للرئيس يطلب منه فيها لأن يَّعدَ كافة الاضطهادات و الآلام التي تأتي من الحياة الجماعية بمثابة نعمة من الله تُّهيئه للقداسة. ويحثه فيها على طاعة الله وطاعته. فيطبق فرنسيس ما سبق أن أعلنه في تحيته إلى الفضائل: أن يطيع “الروح” و “الأخ”، فيطلب من الرئيس أن يقبل اخوته ويعمل جاهدًا على تنميتهم روحيا لأن هذه هي إرادة الله وإرادته.

هو ذات المضمون الذي يناشد فيه الأخ ليون في الحدث الشهير المعروف باسم: “الفرح الكامل” والتي يروي فيها في صورة قصصية رده على رفض عدد كبير من الأخوة له في نهاية سيرته الأرضية لأنه في نظرهم غير جدير بقيادة الرهبنة بعد تنامي عدد الرهبان، لأنه رجلٌ بسيط وغير متعلم بالدرجة الكافية. فيتخيل فرنسيس بأنه يطلب الدخول إلى ديرٍ، في ليلة شتوية قارسة البرودة، فيطرق الباب بإلحاح ليحتمي داخل الدير من قسوة الطقس. لكن يرفض البواب، بل يطرده صائحًا: ” امض في سبيلك، فأنت مجرّد إنسان بسيط وغير متعلّم. وعلى أية حال، لا تعد إلينا مجدّدا؛ فانّ كثرة عددنا، وكفاءتنا، يعنياننا عنك”.

فيحادث فرنسيس ليون: ” إنني أقول لك، إنني إن صبرت ولم اضطرب، ففي ذلك يكمن الفرح الحقيقي والفضيلة الحقّة، وخلاص النفس”. فالفضيلة الحقة هي طاعتي باتضاع شديد للآلام الناتجة من تصرفات الأخوة، وأقبلها بإيمان، عارفًا إن الله سمح بها لأجل خلاص النفوس. هي ذات طاعة المسيح في مسيرة آلامه نحو الجلجثة والموت على الصليب. “الطاعة المقدسة” هي قمة الفضائل في مسيرة الراهب الروحية، فهي تصهر إرادته الشخصية وتخضعها للإرادة الإلهية، وتدفعه إلى عطاء الذات الكامل من خلال الاستشهاد اليومي من خلال الصعوبات الناجمة من العيش المشترك والحياة الجماعية اليومية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد