إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الرَّبّ أَعطاني إِخْوَة” (5)

0 1٬036

“قلب أبوي في الجماعة”

لا تخلو الحياة الواقعية للجماعة الرهبانية من صدمات وصراعات. قد ترجع إلى اختلاقات وجهات النظر والقرارات المتعارضة، وأيضًا للخلافات التي تنشأ نتيجة أنانية بعض الأفراد، أو تمايز الطبائع والصعوبات النفسية لدي أعضاء الجماعة الواحدة. تُحدث تلك الاختلافات توترات، على مستوى العلاقات، داخل الجماعة.

مما لا شك فيه أن التوترات شيء طبيعي والنزاعات هي مرحلة حتمية في كل الجماعات. فاكتشاف الآخر لا يتم أبدًا دون صعوبات.  لكن هناك دائمًا بركات تصاحب الأزمات، أو وفقًا لقول المحلل النفسي الكبير كريستيان سنغر”تحدث الأزمات لتجنب الأسوأ”.  فلا ينبغي النظر إلى الأزمة على أنها مصيبة قد وقعت، لكن على أنها خطوة أساسية وضرورية للنمو. كما أنها فرصة للانفتاح على مرحلة جديدة وأكثر نضجًا من مراحل حياة الجماعة. فالتوقف عند أسباب الأزمة يعطى فرصة أعظم للنمو.

وقفة تتطلب الحكمة لفهم واستيعاب رؤية الآخر وحالته النفسية، كما يختبرها هو ويعيشها، والتساؤل بكل لطف عن الحقائق التي لا نعرفها، وعدم التخمين، والأهم قبول واحترام الآخر حتى لو لم أفهم تماما الأسباب وراء موقفه.

لنقتدي بالمثل الأكثر نضجًا وحبًا ولطفًا في تاريخ البشر: القديس يوسف، والذي كرس له البابا فرنسيس عام 2021. هكذا يقول البابا عنه: “يَظهَر يوسف بصورة رجل وقور ورقيق، والذي بالرغم من عدم امتلاكه لجميع المعلومات، اتّخذ قرارًا يحمي سمعة مريم وكرامتها وحياتها. وحين تردّد حول الطريقة الأفضل في التصرّف، ساعده الله في خياره منيرًا أحكامه” (قلب أبوي: 4).

“غالبًا ما تحدث أمور في حياتنا لا نفهم معناها. وغالبًا ما يكون ردّ فعلنا الأوّل هو خيبة الأمل والتمرّد. أمّا يوسف فيضع تفكيره جانبًا حتى يفسح المجال لما يحدث. ومهما بدا الحدث غامضًا في عينيه، يقبله ويتحمّل مسؤوليته ويتصالح مع تاريخه الشخصي. إذا لم نتصالح مع تاريخنا، فلن نتمكّن من القيام حتى بخطوة إضافية، لأننا سنظلّ دائمًا أسرى تطلّعاتنا وخيبات الأمل الناتجة عنها” (قلب أبوي: 4).

يشدد البابا على أن يوسف ليس “شخصًا مذعنًا سلبيًّا. بل له شخصيّةٌ شجاعة وقويّة. فالقبول هو الطريقة التي تتجلّى من خلالها عطيّةُ القوّة التي تأتينا من الروح القدس في حياتنا. الربّ وحده يستطيع أن يمنحنا القوّة حتى نقبل الحياة كما هي، ونفسح المجال لهذا الجانب المفاجئ من الحياة الذي يبدو متناقضًا ومخيّبًا للآمال” (قلب أبوي: 4).

إن قبول يوسف يدعونا إلى قبول الآخرين، خاصة داخل الجماعة الرهبانية، دون استثناء، وكما هم، حتى لو لم نفهم تمامًا المواقف التي نمر بها في الحياة. في كل نزاع أخوي يكون له صدى في عمق قلب الإنسان: “لماذا سمح الله بهذا؟ لماذا لم يعطيني الله أخٍ أخر “أسهل” في التعامل؟ أو أن نقرر أن نتوقف عن المحاولة “نغادر الملعب” -حسب وصف البابا فرنسيس-. لكن يوسف كان شجاعًا ولم توقفه الصعوبات عن اكتشاف دعوة الله له الخاصة جدًا. والدعوة للحياة الفرنسيسكانية تتطلب اقتسام الحياة مع جماعة، مع أخوة: “أعطاني الرب أخوة”.

كل منّا هو أب لآخرين، داخل الجماعة وخارجها في نطاق الرسالة التي نقوم بها، كل منّا يلد آخرين في المسيح يسوع كما علّم بولس الرسول: “أَنا الَّذي وَلَدَكُم بِالبِشارة، في المسيحِ يَسوع” (1 قور 4، 15). ويقول لأهل غلاطية: “يا بَنِيَّ، أَنتُمُ الَّذينَ أَتَمَخَّضُ بِهم مَرَّةً أُخْرى حتَّى يُصوَّرَ فيهمِ المسيح!” (4، 19).  

أن يكون الراهب أبًا، على مثال القديس يوسف، يعني أن يقود الأخ الأصغر في تجربة الحياة الرهبانية بتأنٍ وصبر وطول آناة. وهذا لا يعني كَبحه أو الدخول في صراعات معه، بل في تدريبه وجَعله قادرًا على الاختيار، والحرّية، والانطلاق. أن يكون الراهب أبًا يعني كذلك أن يكون قادر على المغفرة والصفح.

كيف أصير أبًا للأخوة؟:

  1. “إنّ الآباء لا يولدون آباء، بل يصبحون آباءً. ولا يصبح المرء أبًا لمجرّد أنّه وُلِدَ له ابنٌ، بل لأنّه يعتني به بمسؤوليّة. وكلّ مرّة يتحمّل إنسان ما مسؤوليّة حياة شخص آخر، فإنّه بطريقة ما يمارس الأبوّة تجاهه” (قلب أبوي: 7).
  2. “أن يكون المرء أبًا يعني أن يقود الابن في تجربة الحياة، أي في الواقع. وهذا لا يعني كَبحه أو سَجنه أو امتِلاكه بل جَعله قادرًا على الاختيار، والحرّية، والانطلاق. ولهذا السبب ربّما قد أضاف التقليد إلى صفةِ الأب التي مُنِحَت ليوسف صفةَ “العفيف”. وهذا ليس مجرّد مؤشّر عاطفي، إنما مُلَخّص تصرّف يعبّر عن عدم الامتلاك. كما أن العفّة هي التحرّر من التملّك في جميع مجالات الحياة. الحبّ العفيف وحده هو الحبّ الحقيقي”(قلب أبوي: 7).
  3. “كلّ مرّة نمارس فيها الأبوّة، يجب أن نتذكّر دائمًا أنها ليست امتلاكًا، بل “علامة” تشير إلى أبوّة أسمى. بمعنى ما، إذا نحن جميعًا دائمًا في مقام يوسف: إننا ظلّ الآب السماوي الأوحد، الذي “يُطلِعُ شَمْسَه على الأَشرارِ والأَخيار، ويُنزِلُ المَطَرَ على الأَبرارِ والفُجَّار” (متى 5، 45)؛ وظلّ يتبع الابن” (قلب أبوي: 7).

نصوص التأمل:

القراءة الأولى (كولوسي 3: 12- 15):

“وأنتُم الذينَ اَختارَهُمُ الله فقَدَّسَهُم وأحَبَّهُم، اَلبَسُوا عَواطِفَ الحَنانِ والرّأْفَةِ والتَّواضُعِ والوَداعَةِ والصَّبرِ. اَحتَمِلوا بَعضُكُم بَعضًا، ولْيُسامِحْ بَعضُكُم بَعضًا إذا كانَت لأَحَدٍ شَكوى مِنَ الآخَرِ. فكما سامَحَكُمُ الرَّبُّ، سامِحوا أنتُم أيضًا. واَلبَسُوا فَوقَ هذا كُلِّهِ المَحبَّةَ، فهِيَ رِباطُ الكَمالِ. ولْيَملِكْ في قُلوبِكُم سلامُ المَسيحِ، فإلَيهِ دَعاكُمُ الله لِتَصيروا جَسَدًا واحدًا. كونوا شاكِرينَ”.

القراءة الثانية (الرسالة إلى خادم الرهبنة: 14- 17):

 إِنْ خَطئَ أَحَدُ الإِخْوَةِ، بِتَحْرِيْضٍ مِنَ العَدُوِّ، خَطِيْئَةً مُمِيْتَةً، فَلْيُلزَمْ، باسْمِ الطَّـاعَةِ، باللُّجوءِ إِلى خَـادِمِهِ المَحَلِّيّ. وَعَلى جَمِيْعِ الإِخْوَةِ، الَّذيْنَ عَلِموا بِأَنَّه خَطئَ، أَلاَّ يُخْجِلُوهُ أَوْ يَنْتَقِدُوهُ، بَلْ فَلْتَكُنْ لَهُم تِجاهَهُ رَحْمَةٌ كَبِيْرَةٌ، وَلْيُحِيْطوا خَطِيْئَةَ أَخِيْهِم بِكِتْمَانٍ شَدِيْدٍ، إِذْ لَيْسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتَاجِيْنَ إِلى طَبِيْبٍ، بَلِ المَرْضى. وَكَذَلِكَ، فَلْيُلْزَموا، باسمِ الطَّاعَةِ، بِإِرْسَالِهِ إِلى حَارِسِه، بِصُحْبَةِ رَفِيْق. وَلْيَتَدَبَّرْ ذَلِكَ الحَارِسُ أَمْرَهُ، بِرَحْمَةٍ، مِثْلَمَا يَوَدُّ هوَ أَنْ يَتَدبَّروا أَمْرَهُ، إِنْ وُجِدَ في حَالَةٍ مُمَاثِلَة..

القراءة الثالثة (قلب أبوي: 7)

كتب الكاتب البولندي يان دوبراشينسكي عن حياةَ القدّيس يوسف بشكل رواية في كتابه “ظلّ الآب”. وقد استخدم صورة الظلّ الموحية لكي يصوّر يوسف، الذي هو ظلّ الآب السماوي على الأرض بالنسبة ليسوع: يحرسه ويحميه، ولا ينفصل عنه أبدًا ليتبع خطاه. هذا ما ذكّر موسى به إسرائيل: “كما رأَيتَ في البرِّيَّة كَيفَ أن الرَّبَّ إِلهَكَ حَمَلَكَ كما يَحمِلُ المَرءُ وَلَدَه في كلِّ الطَّريقِ” (تث 1، 31). هكذا عاش يوسف الأبوّة طوال حياته. إنّ الآباء لا يولدون آباء، بل يصبحون آباء. ولا يصبح المرء أبًا لمجرّد أنّه وُلِدَ له ابنٌ، بل لأنّه يعتني به بمسئوليّة. وكلّ مرّة يتحمّل شخص ما مسؤوليّة حياة شخص آخر، فإنّه بطريقة ما يمارس الأبوّة تجاهه.

نقاط مساعدة للتأمل:

  • تظهر إرادةُ الله وتاريخه ومشروعه من خلال الأزمات والصعوبات التي تخلق واقعًا جديدًا، ومن هذا المنطلق يعلّمنا يوسف أن ثقتنا بالله تشمل أيضًا الإيمان بأنه قادر على العمل حتى من خلال مخاوفنا وضعفنا. ويعلّمنا أنه يجب ألّا نخاف من أن نسلّم “دفّة قاربنا” لله في خضمّ عواصف الحياة. إننا نرغب أحيانًا في السيطرة على كلّ شيء، لكن نظرة الله هي دائمًا أكبر من نظرتنا.
  • نحمل على عاتقنا رسالةً لنا داخل الجماعة الرهبانية فإذا كان الجميع أخوتي: “أعطاني الرب أخوة” فهناك دعوة أخرى وهي إني أب أيضًا أتولى مسئولية آخرين، أحرسهم وأحميهم حتى يتصور فيهم المسيح يسوع.

أسئلة للتأمل الشخصي:

سجل تكملة هذه العبارات في أجندتك الشخصية:

  • هل أنا حارسٌ لأخوتي، لأبنائي داخل الجماعة….
  • كيف أعيش الأبوّة داخل الجماعة الرهبانية؟…..
  • أن قبول التاريخ الشخصي للآخرين هو أول مرحلة من أي علاج داخلي، أي أن نفسح المجال في داخلنا حتى للأمور التي لم نخترها في الآخرين. ما هو موقفي من قبول أعضاء جماعتي الرهبانية؟ ….

المقاسمة الأخوية:

تتقاسم الجماعة الرهبانية حصيلة التأملات الفردية. وهذا التأمل فرصة لتفهم أعضاء الجماعة الرهبانية أسباب التوترات، وطلب الغفران والتعامل برحمة، متى أخطأ أحد الأخوة وفقا لما يعلمه القديس فرنسيس في رسالته إلى الخدام: “َعَلى جَمِيْعِ الإِخْوَةِ، الَّذيْنَ عَلِموا بِأَنَّه خَطئَ، أَلاَّ يُخْجِلُوهُ أَوْ يَنْتَقِدُوهُ، بَلْ فَلْتَكُنْ لَهُم تِجاهَهُ رَحْمَةٌ كَبِيْرَةٌ”

الصلاة الختامية:

السلام عليكَ يا حامي المخلّص،

وخطّيبَ العذراء مريم.

لقد ائتمنك الله على ابنه؛

وبكَ وضعَت مريم ثقتها؛

ومعكَ صارَ يسوعُ رجلًا.

أيّها الطوباوي يوسف، كنْ أبًا لنا نحن أيضًا،

وأرشِدنا في درب الحياة.

التَمِسْ لنا النعمةَ والرحمةَ والشجاعةَ،

واحْمِنا من كلّ شرّ. آمين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد