إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

جبل الكرمل

0 481

نحتفل اليوم بعيد سيدة الكرمل، وهو عيد قديم يرجع إلى القرون الأولى للمسيحية عندما عاش رهبان على هذا الجبل الذي شعد معجزات النبي إيليا وأهمها صراعه مع أنبياء البعل. تنبأ إيليا بالجفاف لأن الناس تركت الله الحي وعبدوا آلهة غريبة: «حَيّ الرَّبُّ، إِلهُ إِسْرائيلَ، الَّذي أَنا واقِفٌ أمامَه! إنَّه لا يَكونُ في هذه السِّنينَ نَدًى ولا مَطر إِلاَّ بِأمري» (1 ملو 17: 1). جفت الأنهار لأن المطر لم ينزل من السماء، وحدثت مجاعة شديدة نجد أثارها على أرملة صرفت صيدا، فكانت معجزة إيليا: “إِنَّ جرةَ الدَّقيقِ لا تَفرُغ وقارورةَ الزَّيتِ لا تَنقُص، إلى يَومِ يُرسِلُ الرَّبّ مَطرَاً على وَجهِ الأَرضَ” (1 ملوك 17: 14).

يصعد إيليا على جبل الكرمل وهناك ارسل خادمه ليتطلع نحو البحر من فوق الجبل لعله يرى شيء ينبئ بأن هناك مطر قادم لتنتهي المجاعة من على وجه الأرض. تطلع الصبي عدة مرات، وفي المرة السابعة جاء ليخبر إيليا المنحني أمام الله على ركبتيه قائلا: «ها غيمٌ صَغيرُ، قَدرَ راحةِ رَجُل، طالِعٌ مِنَ البَحْر»، ثم أتي المطر الغزير. رأي الرهبان في تلك السحابة الصغيرة، التي بحجم اليد، أعلان عن المطر العظيم، بعد فترة طويلة من الجفاف، لتعود الأرض إلى طبيعتها صورة لمريم العذراء النقية. فالمطر هو اشارة لكلمة الله، كما قال أشعيا النبي: ” لِأَنَّه كما يَنزِلُ المَطَرُ والثَّلجُ مِنَ السَّماء ولا يَرجِعُ إِلى هُناك دونَ أَن يُروِيَ الأَرض ويَجعَلَها تُنتِجُ وتُنبِت لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعاً والآكِلَ طَعاماً  فكذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغة بل تُتِمُّ ما شِئتُ وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه” (أشعيا 55: 10- 11). يسوع هو كلمة الله وخير الله الذي يأتي لزيارتنا وشفائنا واعطائنا الحياة. يقول بولس في رسالته إلى غلاطية: “فلَمَّا تَمَّ الزَّمان، أَرسَلَ اللهُ ابنَه مَولودًا لامرَأَةٍ، مَولودًا في حُكْمِ الشَّريعةْ لِيَفتَدِيَ الَّذينَ هم في حُكْمِ الشَّريعة، فنَحْظى بِالتَّبَنِّي” (غلاطية 4: 4- 5).

العالم كان في حاجة إلى مريم. في بداية سفر التكوين، عندما أخطأ آدم، اختبأ من وجه الربّ الإله في وسط شجر الجنة. فنادى الربُ الإله آدم قائلا: «أَيْنَ أَنْتَ؟». نخطئ لو حصرنا السؤال في شخص آدم، أو في شخص إنسان بعينه. السؤال يُطرح على جميع البشر: «أَيْنَ أَنْتَ؟». كا الله يسأل: «أَيْنَ ذلك الإنسان الذي خلقته على صورتي ومثالي؟». «أَيْنَ الإنسان الذي أسعد قلب الله عندما خلقه فيقول الوحي الإلهي: وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً؟». أين ذلك الإنسان؟ ظل السؤال دون أن يستطيع أحد أن يُجيب عليه، سوى مريم. نقرأ في قصة البشارة، الجواب المدهش من العذراء: “ها أنا آمة للرب”، والترجمة الصحيحة لها: “أنا هنا، خادمة الرب”. تُجيب مريم على السؤال الذي سأله الله لآدم في جنة عدن. أخيرًا وجد الله إنسان منفتح تمامًا على إرادته القدوسة.

ردت فقط مريم على السؤال المطروح منذ سقوط الإنسان بإغواء الشيطان. أخيرًا وجد الله إنسان منفتح على إرادته ولديه الرغبة القوية في أن ينفذ مشيئته في الحياة. لنستعيد كلمات الملاك في حواره مع مريم: «إفَرحي، أَيَّتُها الـمُمتَلِئَةُ نِعْمَةً، الرَّبُّ مَعَكِ». «لا تخافي يا مَريَم، فقد نِلتِ حُظوَةً عِندَ الله”. لقد نالت مريم حظوة عند الله لذا كان الرب معها وأمتلئت من نعمة الله.

نحن في حاجة إلى مريم، لتك السحابة الصغيرة، لكي ينزل المطر على أرضنا الجافة الصحراوية. قال المسيح على الصليب ليوحنا ولكل البشر هذه هي أمك. تدعو الكنيسة مريم “بأم المسيح وأمّ البشر” لانها تعاونت مع المحبة الإلهية لكي تجعلنا أبناء بالتبني. ماذا صنع يوحنا بعد سماع وصية يسوع: “أخذها التلميذ إلى بيته”. ؟ أنا لا أتحدث عن جدران المنزل المادي الذي نعيش فيه. أنا أتحدث عن المسكن الذي هو شخصنا، وهو وجودنا: هل مريم حاضرة حقًا فيه، بعمق، في القلب وليس فقط على هامش حياتنا؟

نحن في حاجة إلى تلك السحابة الصغيرة لكي ينزل المطر على الأرض فيرويها ويجعلها ” تُنتِجُ وتُنبِت لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعاً والآكِلَ طَعاماً”. يجب أن يولد يسوع من أرضنا ومن حياتنا كما وُلِد من مريم.

تعلمنا مريم كيف يولد المسيح فينا كما ولد في احشائها.

تعلمنا مريم أن كيف نطيع الروح الذي بداخلنا، كما قال هي أنا آمةٌ للرب فليكن لي حسب قولك.

تعلمنا مريم أن نجيب على سؤال الله الخالد: «آدم.. أَيْنَ أَنْتَ؟» أنا هنا خادم الرب..

قد يعجبك ايضا
اترك رد