إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الشباب في عالم اليوم

0 466

الحديث للشباب يعني الحديث عن المستقبل الذي يُبنى اليوم، مستفدين من خبرات الماضي. علينا أن نعرف كيف نعيش اليوم، مستمتعين بما نفعل، لكي نستعد لغدٍ أفضل يجعلنا نعيش ملء الحياة وروعتها.

  • هل أنت سعيد اليوم بما تفعل (بما تدرس)؟
  • إذا كنت تعمل، فلماذا عليك العمل؟!
  • إذا كنت تدرس، فلماذا عليك أن تدرس؟!

تبادل الحوار مع الشباب، لكن علينا أن نبعد عن الإجابات المحفوظة والأكليشهات، ولنتكلم عن الخبرات الشخصية في حياتك الخاصة: لماذا سعيت للعمل؟ لماذا سعيت للدراسة؟

البعض يقول: “أعمل شيء مفيد، ولكن يجب أن يكون مجزيًا”. لكن إذا لم يدفعوا لك عاجلاً أم آجلاً فلن تفعل ذلك، حتى لو كانت الوظيفة جيدة ومفيدة.

سؤال آخر: أود أن أن أسألكم:

  • هل أنت راضى عن عملك؟ سعيد في عملك؟
  • كم منكم يشعر بالمعاناة، أو أزمة مع العمل أو الدراسة؟

(استطلاع الرأي بشأن الرضى عن العمل والدراسة، برفع الأيدي مثلاً. كم عدد الذين يشعرون بالرضى؟  أولئك الذين لم يرفعوا أيديهم سعداء بأعمالكم؟ ليس لديكم أي مشكلة مع العمل والدراسة؟ ليس هناك مشكلة فعلا؟

نحن نتحدث عن ما تفعله لأطول فترة من حياتك. لا ينفع أن تقول: “هي ماشية بالطول والعرض”، “هي ماشية كدة وكدة”. لذلك تصورا إني ملاك أرسله الله لك اليوم لكي أعرض عليك تغيير تجربة عملك، إذا كنت غير سعيد بها، هل تقبل؟ كم عدد الناس التي ترغب في تغيير عملها إلى شيء أفضل؟ وكم عدد الناس الراضون عن أعمالهم ولا يريدون تغييرها؟ (الحال نفسه في الدراسة).

العمل في حد ذاته شيء جميل. إذا كنت لا تصدق ذلك، أسال شخص عاطل عن العمل ويبحث عن وظيفة!  بالرغم من كل شيء فالعمل كرامة، إنه شيء يجعلك نبيلاً، إنه يقويك ويجعلك غنيًا وليس فقط ماديًا.

ماذا يقول الكتاب المقدس عن العمل؟

في الفصول الأول للكتاب المقدس يتحدث الوحي الإلهي عن العلاقة بين الإنسان والعمل. في الإصحاح الثاني من سفر التكوين، نقرأ:

تكوين 2: 15: “وأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ الإنسانَ وجَعَلَه في جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَفلَحَها ويَحرُسَها”.

في حين في 3: 17-19: ” وقالَ لاَدم: «لأَنَّكَ سَمِعتَ لِصَوتِ أمرَأَتِكَ فأَكًلتَ مِنَ الشَّجَرةِ الَّتي أَمَرتُكَ أَلاَّ تَأكُلَ مِنها فمَلْعونةٌ الأَرضُ بِسَبَبِكَ بِمَشقَّةٍ تأكُلُ مِنها طولَ الأُمِ حَياتِكَ 18 وشَوكًا وحَسَكًا تُنبِتُ لَكَ، وتأكُلُ عُشبَ الحُقول. 19 بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا حتَّى تَعودَ إِلى الأَرض، فمِنها أُخِذتَ لأَنَّكَ تُرابٌ وإِلى التُّرابِ تعود».

يتكلم الوحي الإلهي في البداية عن كون العمل نعمة، ثم بعد السقوط يُصبح لعنة.

العمل شيء جميل ورائع ونعمة من الله للإنسان، لكن مع سقوط الإنسان تحول إلى عبء ولعنة. كل شيء خلقه الله هو مقدسٌ وجميل لكن الإنسان شوهه برغباته وأخطائه.

الأمر الجيد والجميل الذي خلقه الله يُصبح لدى البعض شيء ثقيل للغاية، شيء مؤلم، شيء يبعث القلق والاكتئاب والحزن. يكفي أن تنظر إلى تجهم وجوه الناس وتوترهم في المترو صباحًا لتعرف إن العمل لم يعد شيء جميل وجيد يُقبل عليه الإنسان.

لماذا؟ أعتقد أننا قمنا بتشويه المعنى الحقيقي للعمل، وأن كل ما نقوم به من خلال العمل قد أصبح عملاً غير أصيل، وهو فعل لا يتناغم بشكل تام مع ما هو المعنى العميق للعمل، وما هو مكتوب أيضًا في أعماق قلبنا.

ما هي الطبيعة الجوهرية للعمل؟

العمل هو خدمة. إنهم يدفعون لك مالً لأنك تؤدى خدمة للشركة التي تعمل بها. عُهد إليك بخدمةٍ معينة، فأنت مؤتمن عليها تحققها من خلال عملك.

كلمة “الخدمة” تعني أن تؤدى عملك بروح خدمة، وليس بروح عبودية وقمع.  عملك يمكن أن يكون خدمة أو قمع.

ولماذا يجب أن يكون لديك روح الخدمة؟  حسناً، إذا قبلتها أم لا، فأنا لا أعرف شيئاً واحداً، لكن هناك شيء واحد مؤكد: أنت وأنا وُلِدنا للخدمة، لكي نكون مفيدين لشخص ما، وقد خُلقنا لاعطاء الحياة لآخرين.  عندما يريد رجل أن يصف نفسه بأنه فاشل، يقول: “أشعر إني غير مفيد لأي شخص”. إذا رغبت في إهانة شخصٌ ما يمكنك أن تقول له: “أنت غير مفيد ولن يخسر أحد إذا أختفيت من الدنيا”. إحباط رجل مسن هو أن إنه يشعر إن لا أحد يحتاج إليه. أنت موجود ولحياتك قيمة متى خدمت أحد، متى كنت مهم ونافع لأحد، متى كنت سبب لسعادة أحد، وأن خدمتك لأحد مهمة وذات قيمة.

أنا وأنت وُلدنا، كما قال السيد المسيح: ” لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مرقس 10: 45). أو كما قالت مريم: ” «أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ» (لوقا 1: 38). هذه هي هوية الإنسان: الخدمة وفيها عظمة الإنسان وفرادته.

سنودس الأساقفة المنقعد حاليًا في الفاتيكان موضوعه هو: “الشبيبة والإيمان وتمييز الدعوات”. كيف يختبر الشباب الإيمان وسط تحديات الحياة اليومية المُعاشة. وفي رسالته التحضيرية ليسنودس الشباب، خاطب البابا الشباب من خلال إعادة قراءة حياته في ضوء دعوة مريم العذراء التي بمجرد أن قبلت بشارة الملاك، ذهبت مسرعة لزيارة نسيبتها اليصابات، قاطعة طريق يزيد عن 150 كلم. قال البابا في تلك الرسالة للشباب: “إن عصرنا ليس بحاجة إلى شبيبة- الكَنَبة”.

أن تكون شابًا يعنى أن تعرف أن حياتك هي لهدف معين: أن تكون أداة يستخدمها الله في خلاص الآخرين. أنت أيقونة يسوع المسيح الحاملة لحضوره وسط العالم. ولا يوجد أكثر فائدة من عملك ودراستك التي يمكن بها أن تغير العالم كله من حولك.

أي كان عملك: عاملاً، مهندسًا، موظفًا، طبيبًا، مديرًا، ساعيًا، مدرسًا. هناك طريقة مختلفة يمكن أن تعمل بها إذا آمنت إنك تقدم خدمة للآخرين من خلال عملك. فالطبيب مثلا يمكن أن يتعامل مع المرض، أو مع المريض كإنسان يعاني عليه أن يخدمه لكي يشعر بإطمئنان وبأنه بين يدي حانية تهتم به (مثال: دكتور الجلطة في الساق واهتمامه لحين انتهاء فترة العلاج).

كل عمل يمكن للإنسان أن يؤديه بروح خدمة الآخرين كما عَبر الوحي الألهي في تكوين 2 ويمكن أن يكون سبب شقاء وعبودية وألم متى انتظر منه الإنسان فقط الراتب في نهاية الشهر. سأدور في دائرة مغلقة من العمل لتوفير الطعام والمصروفات المختلفة وصرفها ثم العمل من جديد للحصول على ما يكفي العيش. الغالبية العظمى منا يدعوهم الله للحب في حياتهم العادية، في الروتين اليومي، واحد أهم “الروتين اليومي للحياة”  عملك الذي تقوم به يوميًا، هناك الله يدعو لك ان تحب شخص ما. نحن في حاجة إلى أشخاص يعيشون عملهم كمكان لتحقيق إرادة الله، أن تصل من خلالك محبة الله للآخرين.

السر الحقيقي عن عدم رضاك في العمل: أنت لا تحب. فالعمل هو لأجل التعبير عن الحب بصورة يومية، ولا يوجد معنى آخر للعمل. العمل هو دائما عرض للخدمات ، كل منا يخدم الآخر بطريقة تبادلية. ماذا تعني خدمة الآخر؟َ

أنت تتعاقد على القيام بخدمة، لكنك لا تريد أن تخدم… لذا أنت غير سعيد في عملك؟ أنت تريد أن تخدم نفسك فقط!

من الممكن أن تقول إني سعيد في عملي، لكن لنرى ماذا يقول الآخرين. لماذا لا تؤمن بأن عملك هو مهم للغاية لآخرين، حتى لو لم تراهم، إن دراستك مهمة جدًا لآخرين. عليك أن تصدق إن إذا أحب شخص ما، وعبر عن محبته للآخرين من خلال عمله فإنه سينير العالم كله.

إذا أحببت، أي كان عملك أو دراستك، بإمكانك تخلص العالم كله: هل تتعتقد إن هناك هدف إلى العمل خلقه الله إلا هذا: محبة وتعاطف ومودة، علاقات طيبة مع الآخرين، أن تنظر إلى ظروفهم وحياتهم.

ولكن هناك بالطبع وظائف يسهل تطبيق هذا المبدأ عليها:

على سبيل المثال، يقع الأطباء في خطأ علاج الأمراض وليس المرضى. يتعاملون مع علم الأمراض وليس مع الناس. كذلك الطلبة فكل ما يدرسونه سيساهم في خلاص آخرين يوما ما. علينا بتغيير قناعاتنا الفكرية التي تقوم عليها تنشئة أبنائنا. نحن في حاجة إلى مهندسين يدركون الفرق بين عملهم بمحبة لخلاص الآخرين أو لقتلهم. مدرسين تربوين قادرين على الحب، لحرفيين، لصيادلة، لموظفين، لتجار، لعمال، لأطباء، لسائقين الخ. البابا يوحنا بولس الثاني تكلم عن “حضارة المحبة” التي تقوم على فهم لماذا أراد الله أن يعمل الإنسان.

لكن القيمة الجوهرية للعمل كما أراده الله قد شوهتها الخطيئة. شوهتها الأنانية والتمركز حول الذات، ومجمل ما أفكر فيه ويشغلني: كم يبلغ المرتب في نهاية الشهر؟

لكن الله أعطى الإنسان العمل كنعمة، لأن من خلاله يُصبح صورة الله ومثاله على الأرض. الله خالق كل شيء والإنسان مدعو مثله للعمل، وأي شيء يقوم به هو في غاية الأهمية للآخرين لترابط كل شيء تحت السماء.

كل ما تقوم به اليوم وبصورة اعتيادية: هو في غاية الأهمية.

بصرف النظر عن أي شيء: حياتك مقدسة وأنت مدعو لتحقيق ملكوت الله على الأرض، ووجودك ليس عبثًا بل هناك إرادة إلهية شاء أن تكون حاضرًا في هذا الزمان. يومك هو طريقك للقداسة وعملك هو وسيلتك لبلوغها. فبالرغم من كل شيء، هناك أُناس في طريقك يحتاجون إلى الخلاص قد وضعهم الله في طريقك. الله يثق بك ويأتمنك عليهم.

هكذا يقول البابا في رسالته للشباب: “قد تقولون لي: “أبتي، إنني محدود جدّا، أنا خاطئ، فماذا بمقدوري أن أفعل؟”. عندما يدعونا الرب، لا يتوقّف عند ما نحن عليه، أو عند ما قد فعلنا. بل العكس، فهو ينظر، حين يدعونا، إلى كلّ ما باستطاعتنا أن نصنع، إلى كلّ المحبّة التي بإمكاننا أن نعطي. يمكنكم، على مثال الفتاة مريم، أن تجعلوا من حياتكم أداة للعمل من أجل عالم أفضل. يسوع يدعوكم لترك بصماتكم في الحياة، بصمات تطبع التاريخ، تاريخكم وتاريخ الكثيرين”.

ماذا نصنع مع خبرات الماضي؟

لأجل أن تكون شابًا راضي عن حياتك وترى عملك أو دراستك كنافذة مفتوحة على تحقيق ملكوت السموات على الأرض وإنك آداة يستخدمها الله لأجل تحقيق الملكوت، عليك أيضًا أن تعرف أن تتعامل مع خبرات الماضي، وإلا تنفصل عنه. “إن تذكّر الماضي يساعدنا أيضًا على قبول التدخّلات الجديدة التي يريد الله أن يحقّقها فينا ومن خلالنا. ويساعدنا في الانفتاح على اختيارنا كأداة له، ومعاونين لتدابيره الخلاصيّة. أنتم أيضًا أيها الشباب بإمكانكم أن تقوموا بأمور عظيمة، وأن تتحمّلوا مسؤوليّات كبيرة، إن أدركتم عمل الله الرحيم والقدير في حياتكم” (رسالة البابا فرنسيس للشباب).

كيف “تحفظ” في ذاكرتك أحداث حياتك وخبراتك الماضية؟ هل خبرات تدفعك إلى مواقف سلبية في حياتك الحاضرة، بأن تكره والديك مثلا؟ أو تحد حياتك فلا تكون طبيعيًا تلقائيًا؟

عليك أن تجعل من أحداث الماضي واقعًا تستخرج منه درسًا ومعنى لحاضرك ومستقبلك. كم من هذه الذكريات تبني فعلًا ذاكرتنا؟ كم منها هو ذات مغزى لقلبنا، ويساعدنا على إعطاء معنى لحياتنا؟ . “إن اكتشاف خيط محبّة الله الذي يربط حياتنا كلّها ببعضها لهي مهمّة صعبة؛ صعبة ولكنها ضروريّة” (البابا فرنسيس).

ينصح البابا فرنسيس الشباب بأن يتذكر في نهاية كل يوم الأوقات الجميلة والتحديات والأمور التي سارت بشكل جيد، وتلك التي سارت بشكل سيء. ويمكننا هكذا أن نعبّر، أمام الله وأمام ذواتنا، عن مشاعر الامتنان، والتوبة، وتسليم الذات؛ بالإمكان أيضًا تدوينها في دفتر، نوع من المذكّرة الروحية. هذا يعني الصلاة في الحياة، ومع الحياة، وللحياة، وسوف يساعد هذا بالتأكيد على فهم الأمور العظيمة التي يصنعها الرّب لكلّ منكم بشكل أفضل. كما قال القدّيس أغسطينوس: الله، يمكننا أن نجده في مجالات ذاكرتنا الواسعة (را. اعترافات، الكتاب X، 8، 12).

قد يعجبك ايضا
اترك رد