إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

عيد القديس أنطونيو البدواني 2023

0 886

«اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا…. َهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ». نحتفل اليوم بعيد القديس أنطونيو البدواني وهو أشهر الكارزين بالإنحيل في الكنيسة الكاثوليكية وأكثر من سجلت آيات مرتبطة باسمه. واليوم أرغب في التأمل معكم في معجزة شهيرة للقديس أنطونيو مرتبطبة بحدث تاريخي وقع في  مدينة “ريميني” الإيطالية.

أنتشرت أفكار إلحادية تنكر تجسد المسيح في سر الإفخارستيا في هذه المدينة الساحلية بشكل كبير، حتى إنهم منعوا الكهنة من الوعظ وحاولوا قتل أسقف المدينة فإحتمىَ منهم بالإختباء فى قبة جرس الكنيسة، و منذ ذلك اليوم لم يقوىَ واعظ على إلقاء كلمة في المدينة. دخل أنطونيو المدينة وحاول أن يعظهم بالتخلي عن أفكارهم وسماع كلمة الله  لكنهم صّموا آذانهم بل و قابلوه بسخرية و إحتقار، فقال لهم:”بما أنكم رفضتم سماع كلمة الله فإني سأحدث الأسماك لتتضح لكم قلة إيمانكم”. وبالفعل يتوجه أنطونيو إلى شاطئ البحر ويعظ الأسماك قائلاً: “أيتها الأسماك إسمعي كلمة الله التي رفضها الهراطقة.. سبحي الرب ومجديه إيتها الأسماك عندما حل الطوفان وماتت كل المخلوقات لم يسلَم غيرك دون أن يحتفظ بك نوح فى سفينته فأصبحتِ رمزاً للخلود.. وفيما بعد حافظتي على يونان ثلاثة أيام في أحشاءك ليبشر بكلمة الله في بلاد كأن الأمل بخلاصها مفقود.. كما دفعتِ الجزية عن يسوع لقيصر إذ لم يكن معه لفقره الضريبة المفروضة ، لأجل هذه المواهب كلها ، ألستِ مدينةً بالشكر لله الذى جاد عليك بالخيرات أكثر مما صنع مع غيرك؟ تبارك الله القدوس لأن سمك المياه يمجده أكثر من الهراطقة”.

رأي الصيادون والبحارة الأسماك مُصطفة دون حركة وهي تنصت وكأنها تفهم كلام أنطونيو. وانتشر أمر المعجزة فعاد الصياديون إلى الكنيسة وهزم أنطونيو الهراطقة لذا يطلق عليه “مطرقة الهراطقة”.

هي معجزة يصعب على قبولها اليوم: كيف لرجل أن يكلم الأسماك؟ وكيف تسمع الأسماك كلامه وكأنها تفهم؟ لكن اسمحوا لي أن أتأمل معكم في هذه المعجزة بوجه نظر أخرى. فكل معجزات الرب يسوع تحمل رسالة لنا، فمثلا معجزة المولود أعمي، ليس المقصود منها فقط بيان شفاء الرجل بل يمتد الآثر لكل قارئ للإنجيل في أي زمان ومكان والهدف هو”قبول النور الحقيقي الآتي للعالم. ذات الأمر في كل المعجزات، هناك دائما رسالة.

يعظ أنطونيو البدواني السمك.. إلى أي شيء يرمز السمك؟ يسوع بعد القيامة يظهر على شاطئ بحر طبرية للتلاميذ الذين دعاهم أن يكونوا صيادي بشر. قضى التلاميذ الليل كله في الصيد لكنهم لم يصطادوا شيئًا فقال لهم: «أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا». حدثت المعجزة وجذب بطرس الشبكة إلى الأرض فوجد فيها سمكًا كثير، مئة وثلاثًا وخمسين ولم تتخرق الشبكة. رقم ثلاثة هي علامة الثالوث، والخمسين هي علامة الكنيسة الجديدة التي ولدت يوم العنصرة: “ولَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ.. ظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ… وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (أع  2: 1- 4). أما العدد مئة فهو العدد الكامل الذي لا ينقص: “مِئَةُ خَرُوفٍ، وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا، أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟”. هي الكنيسة التي تشمل كل المؤمنين باسمه والتي لن ينقص منها أحد أبدًا، فالعدد كامل!

في العصور الأولى للمسيحية ومع الاضطهاد فكانت رسمة السمكة وحروفها هي وسيلة تعارف المسيحين وشهادتهم لأن الحرف الأول من كلمة سمكة باليوناني ΙΧΘΥΣ التي تنطق بالعربية إيخثيس، وأول كل حرف يشير إلى كلمة معينة هي: “يسوع المسيح ابن الله المُخَلِص”.

أعطى الرب موهبة خاصة للقديس أنطونيو، هكذا يعبر بولس الرسول في رسالته إلى أفسس وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ”. أمتلك القديس أنطونيوس “موهبة التبشير برسالة الإنجيل”. لكن مَن الذي أعطي البعض ليكونوا مبشرين ومعلمين.. يقول بولس هو.. المسيح، الذي في الآية السابقة مباشرة يقول: “هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ”. يسوع هو الذي يوزع المواهب، وبالتالي إذا كان القديس أنطونيوس لديه هذه البلاغة الفعالة جدًا والتأثير الكبير بين الناس والمخلوقات،  فيجب علينا الاعتراف إن الذي يعطي الموهبة هو الله، مانج ومصدر كل عطية. 

لماذا يعطي الله القديس أنطونيوس هذه الموهبة، ولم يمنح لكل الوعاظ الآخرين؟ لماذا يعطي الله “البعض” فقط: البعضَ رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ وليس الكل؟ هل لديك موهبة؟ لا ينبغي أن أفتخر إذا كانت عندي موهبة، ولا أصاب بالاكتئاب إذا رأيتها في آخرين ولا أمتلك موهبة. لا ينبغى تعظيم شخص يمتلك موهبة لأنها عطية من الله وحد. “هُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ” لكن الموهبة ليس لمن يمتلكها ولكنها لخدمة الآخرين. أعطى الله أنطونيوس البدواني موهبة أن يكرز بملكوت السموات الجميع، البشر والكائنات، موهبة خاصة جدًا استطاع بها أن يؤثر في الناس بشدة، فتحول الغير مؤمنين والهراطقة في وقته إلى الإيمان المسيحي. تعطي الموهبة “لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ” الذي هو الكنيسة. لنسأل أنفسنا: أين أنا في هذا البنيان؟ ماذا أقدم؟ والكنيسة كالمبني الكبير، هناك أحجار وأخشاب وخلافه لازمه للبناء.. لكن وردة بسيطة تجعل الأمر رائعًا، إضافة بسيطة للغاية تُكمل البناء. لذا لا تفكر في أن تكون الموهبة شيئًا كبيرًا وعظيمًا.. يكفي عمل محبة بسيطة يمكن أن يجعل البناء كله رائعًا. هل تعتقدون أن ما يقدمه أفراد الكورال، الكشافة، المنظمين هو أقل قيمة عند الله من كرازة القديس أنطونيوس.. أوكد لكم لا. تذكروا كأس ماء بارد، فلسي الأرملة. الله أعطاك الكثير وأنت مدعو أن تشارك الآخر في شيء ما: في شغفك بالحياة، في حبك، في وقتك، في علمك.

الكنيسة ليست مبنى من حجر أو حتى مؤسسة هو أسلوب حياة وعيش كمسيحيين. يتضمن هذا الأسلوب الرحمة والاهتمام بالفقراء، ورعاية المرضى والمحتاجين، وإدانة الفساد والظلم، والبحث عن السلام في العالم والوحدة المسيحية. الكنيسة هي جماعة المؤمنين الذين تخرج للبحث عن الأخير الضال لتعلن له البشارة. هكذا يخرج أنطونيو، عند رفض الهراطقة، إلى ليعظ حتى الأسماك، يعلن البشارة للخليقة كلها.

أنت عضو في الكنيسة وعليك دور مهم فلا تظن أن الله لن يستخدمك.. يقول البابا فرنسيس: “تجد الحياة معنى في مساعدة الآخر المتألم، في فهم قلق الآخرين وفي التخفيف من معاناتهم.”. هذه هي دعوتنا في الحياة، كما لخصها بولس الرسول في رسالته إلى أفسس قائلا: “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا” (أفسس 2: 10). لم تُخلق لنفسك بل لتكون حياتك على الأرض معني وتكون مثمرة، لا يهم حجم العمل الذي يمكن أن تقدمه لكن المهم هو العمل.

اختم تأملي بقول القديس أنطونيوس البدواني: “الأفعال أبلغ من الأقوال؛ دعوا الكلمات تعلّم والأفعال تتكلّم”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد