إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

هل أنت مَمسوس؟

0 419

تبدأ رواية مرقس الإنجيلي عن يسوع بالمعمودية ثم دعوة تلاميذه الأوائل ثم حدث دخوله المجمع للصلاة يوم السبت وهناك علم الناس الذين اندهشوا من تعليمه المختلف عن الكتبة. لم ينقل لنا مرقس محتوى تلك التعاليم، لكن يلخص الأمر بوصفه لردود فعل الناس التي سمعت تلك التعاليم. واحد من الجمع المجتمعين لصلاة السبت في المجمع يقف في وجه يسوع ويصرخ: “مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا!” يصف مرقس الرجل بأنه “رَجُلٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ”.

ما هي الأرواح النجسة؟

كثيرًا ما نعتقد إن الروح النجس هو روح شر يستولى على الإنسان. نقول “يلبس” جسد الإنسان ويتحكم فيه. نسرع باستدعاء رجال الدين لاخراج الروح من ذلك المسكين. نقول “ركبه عفريت” والحقيقة هي نسبة قليلة للغاية التي بالفعل يسكن فيها “روح مختلف” جسد الإنسان. نسبة لا تتعدى 5% من الحالات التي تسمع عنها من حولك.

الأرواح النجسة في الحقيقة ليس إلا تلك الأشياء التي تبعدنا عن الشركة مع الله وتفصلنا عنه، مثل الكراهية، والاستياء، والجشع، والتملك، والغيرة، والحسد، وما إلى ذلك. علمنا يسوع إن ما يخرج من قلب الإنسان هو الذي ينجس الإنسان: “لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ. هَذِهِ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ” (مت 15: 19- 20).

لاحظ إن الرجل يذهب كل يوم سبت إلى المجمع للصلاة. هو شخص مؤمن ومتلزم، هو واحد منّا، بل يمثلنا جميعًا. لكن ما حدث في ذلك السبت أن علم يسوع أمر هز كيان الرجل بعنف. لو تخيل أن الرب يتكلم ببعض تعاليم العظة على الجبل وقال لك: “احبب عدوك. بارك من يلعنك. أحسن معاملة من يكرهك وصلي لأجله!!” ما هي ردة فعلك؟ كيف تطلب مني أن أحب ذلك الشخص الخائن الذي كرهني وأوقعني في مشكلات كثيرة! سعترض وتبرر موقفك وتحاول أن تقنع يسوع بأن مشاعر المحبة هي متبادلة، فكيف أحب عدوي؟

إذا قال لك “مَن لطمك على خدك الإيمن فحول له الآخر”. ما هي ردة فعلك؟ ستنادي بالمعاملة بالمثل فمن تسبب في أذيتي كيف اسامحه. كيف أقبل الإهانة بهذا الشكل؟ هذا خنوع واستسلام سيجعل الطرف الآخر يتمادي في إذلاله لي!

كل هذه المشاعر تخرج من القلب. الرغبة في الانتقام والغيرة والحسد والشر بمختلف أشكاله، نعم هي من قلبك وقلبي. لنتحمل المسئولية ولا نلقيها على روح غريب، لأنه ليس هناك روح غريب، فقط الشيطان يغرى كل منّا فنسقط في التجربة ولا نقاوم.

هكذا كل التعاليم التي ينادي بها يسوع تمثل هدم لمفهومنا البشري. جئت يا يسوع لتهلكنا، نحن أمنين في أسوارنا التي بنيناها لأنفسنا. جئت تهدد مصالحنا ومكاسبنا. دعنا نأخذ حقنا بإيدينا. كانت روح الرجل على حق عندما قال: “مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ؟ أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا!”

لكن كيف نفسر ردة فعل الرجل العنيفة؟ ببساطة إن الرجل، الذي يمثلنا جميعًا، كان يظن إنه رجلٌ صالح، مؤمن، يواظب على الصلاة في المجمع والكنيسة. أمام صدمة اكتشاف إني ذلك الرجل، ينهدم كل شيء وأشعر بالخزي أمام نفسي والآخرين. ماذا سيقول الناس عني؟ لاحظ كم المناقشات التي نجريها كل يوم لإثبات إن الأشرار هو الآخرون. هنا يسوع يكشف إن الله هو وحده الكامل والصالح ونحن نكون كاملين فيه وبفضل رحمته وغفرانه فقط.

فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: «اخْرَسْ! ‍‍‍‍‍‍‍وَاخْرُجْ مِنْهُ!» فَصَرَعَهُ الرُّوحُ النَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ.

لا يحتاج يسوع إلى صلوات طويلة أو تضرعات، فقط كلمة واحدة كانت كافية. أمام طريقة تفكيري ومبرراتي يقول يسوع: “اصمت”. لا تستمع لهذه الأصوات التي هي نتيجة مخاوفك والتي يزرعها الشيطان في قلبك. الله يحبك هكذا؛ لا يطلب منك أن تكون قديسًا، لا يطلب منك شيئًا، يحبك حتى لو كنت سيئًا.

الله، من خلال محبته لي بهذه الطريقة، يمنحني الحرية لأكون على طبيعتي، لدرجة أنني أستطيع أن أكتشف أنني سيئ وأناني. هذا يحررني من الضغوط التي أتحملها لأكون مختلف عن الآخرين “الأشرار”. عندها ستنفجر طاقات الحب في قلبي، لا أنتظر شيء، أحب كما أحب هو وسيصل بي الحب إلى بذل ذاتي طواعية لأجل الحب وحده دون انتظار لشيء.

لقد تحرر الرجل من كافة الضغوط، شعر بالحب، بالرغم من اعترافه بأفكار قلبه قادته لأن يظهر سيئًا وشريرًا أمام الناس في المجمع، لكنه قد تحرر ونَعم بالهدوء والسلام الداخلي. ذلك السلام لم يشعر به الآخرون في المجمع، ظلوا هادئين، فلم يشعروا بالحب مثله، لأنهم احتفظوا بقناع الناس الطيبين. لهذا السبب نقول هنيئا للخاطئن لأنه بسبب خطيئهم أدركوا محبة الله لهم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد