إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

التبشير الجديد

0 1٬102

أن مصطلح “التبشير الجديد” يشير إلى ضرورة إيجاد تعابير جديدة للتبشير، تساعد الكنيسة لتكون حاضرة في المجالات الاجتماعية والثقافية المتغيرة بعمق. التبشير الجديد يتطلب أن تعمل الكنيسة على البقاء قريبة من الحياة اليومية للأفراد، لتعلن انطلاقا منها رسالة الإنجيل المحيية. أن تّكون مستعدةً دائمًا لمجاوبة كل من يسألها عن سبب الرجاء الذي فيها من خلال مجمل فكرها وأعمالها وممارستها وشهادتها العلنية وحياتها الداخلية واهتماماتها التربوية المختلفة.

يتطلب التبشير الجديد أن تقدم الكنيسة للشباب وللأجيال الجديدة قيمٌ حقيقية تعطي أساسًا للحياة الإنسانية بكرامة. إن الهدف الجوهري الذي هو تكوين الإنسان وجعله أقدر على عيش ملء الحياة والمساهمة في خير الجماعة، لا يكون إلا بتنشئة إيمانية فعالة للكنيسة تعمل على نشر وتعميق القيم الإنسانية للحياة البشرية الصحيحة مثل: احترام الحق في الحياة وفي الموت الطبيعي، احترام حقوق الإنسان، والحفاظ على البيئة. يعتمد التبشير الجديد إذن على العمل على “تلقيح” واقع الإنسان اليومي بروح الإنجيل. فالتبشير ليس فقط بالكلمات الصريحة، بل في انتهاج أسلوبًا في الحياة يعمل على تغير الواقع المُعاش ويصبغه بروح الإنجيل، لذا حث المجمع الكنيسة على الدفاع عن القيم الأساسية للحياة البشرية كمدخل للتبشير بالحقيقة المسيحية.

المعيار الأساسي للكنيسة في تبشيرها الجديد هو ممارسة يسوع المسيح، الراعي الصالح، الذي يعرف خرافه ويدعوها باسمها وهي تتبعه وتتعرف عليه وتثق به (ر. يوحنا 10: 2- 4). الراعي الذي يعتني بالقطيع، ويحميه كخيرات ثمينة، مُستعدٌ دومًا للدفاع عنها، لضمان سلامتها، وجعلها تعيش بطمأنينة. على الكنيسة أن تقتدي بممارسات الراعي الصالح الأوحد في تبشيرها الجديد وأن تعيش القيم الإنسانية الأساسية وتدافع عنها بروح الإنجيل، الأمر الذي من شأنه الوصول بالإنسانية لقصد الله من الخلق.

في المزمور 23، الذي يُسمى مزمور الراعي، يقوم الله بجموعة من الأفعال التي تضمن للكنيسة الدفاع عن القيم الإنسانية الأساسية والتي عاشها الرب يسوع في حياته العلنية مع شعبه:

  1. قيادة الإنسانية إلى الحرّيّة

يعبر المُرَنِم عن قناعته الراسخة بأن الرب هو راعيه[1]، وهو يحميه ويقوده إلى الأمان من كل خطر. يقول المُرَنِم:

الرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوُزني

في مَراعِ خضُرٍ يُريحُني،

ومياهًا هادِئةً يُورِدُني

يقول المُرَنِم إن الله يقوده نحو “مراعٍ خصيبةٍ خضراء” و “مياه هادئةً”. في أرضٍ قاحلة صحراوية، عاش داود في صحراء تضربها الشمس القاحلة، حيثُ يتنقل الراعي مع قطيعه بحثًا عن عن العشب الأخضر والماء العذب الضروريين للعيش. ينجح الراعي في قيادة خرافه إلى مكانٌ فائضٌ بالخير حيثُ يَعطي كل شيء بسخاء. إذا كان الرب هو الراعي، فحتى في الصحراء، في موضع الغياب والموت، لا تنقص ضمانة توفير حياة حقيقية لأفراد القطيع.

اقتداءً بالراعي الصالح فإن واجب الكنيسة الأول هو قيادة الإنسانية إلى الحرّيّة بكل أبعادها. قبل أن يوفر الراعي العشب الأخضر والماء العذب الضرورين للعيش والحياة الكريمة، قاد الراعي قطيعه بعيدًا عن الصحراء القاحلة، حرره من واقع صعبٌ ومرير يعاني فيه من عدم توافر ضروريات الحياة. بدأ الراعي مهمته بقيادة شعبه إلى واقع مختلف، إلى تحريره من واقع مظلمٍ يعاني فيه من عدم توافر الحد الأدنى من العيش الكريم.

سبق المجمع الـﭭـاتيكاني أن أشار إلى ضرورة تحرير الإنسانية من أشكال الإستعباد الإجتماعي والنفسي التي تُكبل حياة الإنسان الطبيعة: “لَمْ يتوصَّل البشرُ كما توصَّلوا اليومَ إلى إِدراكِ معنى الحرّيّة بكلِّ أبعاده، ولكن في الوقتِ نفسِهِ تظهَرُ أشكالٌ جديدةٌ مِن الإستعبادِ الإجتماعي والنفسي” (فرح ورجاء 4). يتكلم المجمع عن قيمة الحرّيّة الإنسانية للبشر التي أفرزت مفهوم التحرير بدءً من العام 1971. ذالك المفهوم الذي يعمل على تحرير الفقراء والبائسين من الظلم الاجتماعي. فواجب الكنيسة أن تقرأ كل شيء مميزةً إيَّاه في ضوء نور الإنجيل الذي يدعو إلى تحرير المظلومين ومعايشة ظروفهم الاجتماعية والمادية، لا أن تنفصل عنهم في واقع مغاير. واجب الكنيسة أن تشارك البشر همومهم، تكون في شركة مع البشرية المُتعبة لتدلَ على عناية الله بهم من خلال ممارسات ملموسة. أن تعمل على تحرير البشرية من كل مظاهر الإستعباد الاجتماعي والنفسي التي يتعرض لها في هذا الزمان.

إدراك حالة اليأس والمحدودية التي يمكن أن يشعر بها إنسان يوم يتطلب أن يدرك راعي النفوس إنه مُعرض لذات الأمر وبأن الشر كبير جدًا ومُدمّر ولا يمكن حلّه فقط بواسطة العدالة، هناك الحاجة إلى تّعلم الرحمة. رحمةٌ لامتناهية كرحمة قلب المسيح لتعوّض عن كثرة الشرّ والألم الموجودة. إن تميّز علامات الأزمة يتطلب أن يكون من منظارٌ وحيد: “أي أعمال رحمةً هي ضروريّة اليوم من أجل شعبنا” ليتمكّنوا من أن يَشعروا بإله التاريح الذي يسير في وسطه. ليس هناك حاجة للبحث عن خطط رعوية جديدة، بل تدعيمها بالرحمة التي تنقصها. إن النظر إلى الواقع الإنساني برحمة هو بداية مسيرة تحريره مما يتعرض له من ظروف مأسوية.

2. السعى إلى السلام

الرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوُزني…

يَهدِيني سُبُلَ الحَقِّ مِنْ أجلِ اَسمِهِ

يقول المُرَنِم: “الرَّبُّ راعِيَّ فما مِن شيَءٍ يُعوُزني”، فالراعي يعنّى بخير قطيعه، ويُطابق وقع وقته وحاجاته مع حاجات قطيعه، يسير ويعيش معهم، يقودهم في سبل “الحق”، أي في سبل مناسبة لهم، منتبهًا لحاجاتهم، لا لحاجاته الشخصية. سلامة القطيع هي أولويته الرئيسية، وهو يُّطّيِعْها في هدايته للقطيع. فرغم صعوبة ووعورة الطريق التي يغلب عليها الطابع الصحراوي، دون ماء وتحت شمس العقلية المحرقة، فإن الراعي يقود القطيع إلى السبل “الصحيحة” ليحفظ القطيع سالمًا.

تتلاقي رغبات الشعوب في التوصل إلى سلام عادل ودائم مع مفهوم السلام في الكتاب المقدس. فتنادي الكنيسة بإله السلام (1 كورنثوس 14: 33) والإنجيل هو بشرى السلام (أفسس 6: 15). لكن يبقى السؤال: هل الكنيسة هي بالفعل مكانٌ للسلام؟ ما هو موقف أعضاء وفئات الكنيسة المختلفة من هذه الكلمة المحورية بالنسبة للكرازة المسيحية؟ ما هو موقف السلام في الكنيسة ذاتها؟

يذكرنا واتر كاسبر بأن الرب قد منح الكنيسة للبشرية كعنوانً لسلامه، فلا يكفي أن تنادي الكنيسة بالسلام، بل يجب أن تكون بالفعل مكانًا للسلام المعاش. ففي أجيال المسيحية الأولى كانت الكنيسة هي تجسيد إلى تجلي إّله السلام وسط البشر: “يَحكُمُ بَينَ الأُمَم ويَقْضي لِلشُّعوبِ الكَثيرة فيَضرِبونَ سُيوفَهم سِكَكاً ورِماحَهم مَناجِل فلا تَرفَعَ أُمَّةٌ على أُمَّةٍ سَيفاً ولا يَتَعَلَّمونَ الحَربَ بَعدَ ذلك” (أشعيا 2: 4)، فانتشرت البشرى السارة بين الشعوب دون أن تلجأ إلى السيوف والرماح، كما عبر ترتليانوس بقوله: “لسنا في حاجة إلى سيوف ورماح لأن سلام الله حلَّ في كنيسته”.

إن هدف الكنيسة الدائم هي أن تجعل هذه الكلمة المحورية في البشارة محلً التطبيق والمعايشة، وهذا يتطلب أن تعيش السلام داخلها أولاً، بين فئاتها المختلفة، لكي تبرهن للعالم على صدق مسعاها. الكنيسة بعيدةٌ اليوم عن التعبير عن أنها مكانٌ للسلام الحقيقي الذي يمكن أن ينتشر في العالم أجمع.

3. بعث روح الرجاء

إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ

لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي

عَصاكَ وعُكازُكَ هُما يُعَزِّيانِني

بالرغم من جميع المشكلات البشرية وانعدام الضمانات أمام إنسان اليوم يشعر مَن يذهب مع الرب في وادي الألم المظلم إنه في أمان. الضمانة الوحيدة هي وجود الراعي: أنت معي. رجاءَ الإنسان بأن الله معه، وتلك الضمانة التي تعطي القوة. ظلام الليل يخيف بظلاله المتقلبة، وبسبب صعوبة تمييز المخاطر، وبسبب صمته المليء بالضجيج الذي لا يمكن فهمه. إذا تحرك القطيع بعد غياب الشمس، عندما تضحي الرؤية غير أكيدة، فمن الطبيعي أن تكون الخراف مضطربة، فهناك خطر السقوط أو الابتعاد أو الضياع، وهناك أيضًا الخوف من هجمات متجددة تستتر في الظلام.

للحديث عن وادي “الظلام”، استخدم المُرَنِم تعبيرًا عبريًا يتحدث عن “ظلال الموت”، فالوادي الذي يجب المرور فيه هو مكان كآبة، ومخاطر رهيبة، وخطر موت. ومع ذلك، فالمصلي يسير واثقًا، دون خوف، لأنه يعرف أن الرب معه. فتعبير “لأنك معي” هو إعلان ثقة لا تتزعزع، وتلخص خبرة إيمان أساسها الرجاء؛ قرب الله يحول الواقع، يفقد وادي ظلال الموت كل طَابعه الخَطِر، ويُفَرَغْ من كل تهديد. يستطيع القطيع الآن أن يسير آمنًا، فحضور الراعي يَبعَث على الثقة. الأمر يتعدى التفاؤل والنظر إلى للأمور وقبولها والمضي إلى الأمام. الأمر يتعدى اتخاذ موقفًا إيجابيًا أمام الصعوبات والمشكلات. الأمر يتعلق بانتظار واثقٌ بتجلي الله لقطيعه، بالتوق الشديد لهذا الظهور الكامل للراعي بعد المسير في وادي الظلام هذا، إلى ينتظر الرب قطيعه في ملكوته.

في مواجهة مأساة عشرات الآلاف اليوم من طالبي اللجوء الهاربين من الموت، من ضحايا الحروب والمجاعة والاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذين هم على الطريق بحثا على رجاء في الحياة، يأتي دور الكنيسة في أن تنضال بجانب هؤلاء، بأن تتولى مهمة الرعاية وترافق الإنسانية في مسيرتها وتمنحهم رجاءً ملموسًا. في إطار أزمة اللاجئين مثلا طلب البابا فرنسيس من كل رعية، وكل جماعة دينية، وكل دير، وكل مكان مقدس في أوربا أن يستقبلَ عائلة من عائلات اللاجئين، مانحًا لها رجاءً ملموسًا في مستقبل أفضل.

صورة إنسان اليوم الفاقد المعنى في الحياة والباحث عن اشباغ رغباته الأساسية، والمُعتنق لثقافة المؤقت والآني التي تُعلى من إشباع الذات والتركيز على الحاجات الشخصية، الفاقد الاحساس بالخطيئة، يتوجب على الكنيسة أن تُصبح “مكانًا للرجاء المُعاش” متى ناضلت في أن لا تنجرف في الشعور بغياب الرجاء. على الكنيسة أن تواصل رسالة الراعي الصالح[2] يسوع المسيح بالتبشير “بملكوت السموات” وذلك بالعمل على بث روح رجاءً لا يُخيّب فلا يغرق الإنسان في الصعوبات التي تواجهه، ولا يفقد الرغبة بإيجاد الله، بل ينفتح على عالم يسوده الفرح والسلام المملؤ بحضور الله.

4. الدفاع عن الحياة

تُهَيِّئْ قُدَّامي مائِدةً تُجاهَ خصومي،

وتدهَنُ بالطِّيبِ رأسي، وكأسي رَويَّةٌ

يعد المُضِيف الإلهي مائدةً للمُرنم كعنوانًا للمشاركة، لا للطعام فقط، بل للحياة أيضًا، في تقدمة شركة وصداقة تخلق روابط إنسانية وتعبّر عن التعاضد الاجتماعي. ثم هناك هبة الزيت المعطر على الرأس، الذي يعطي ارتياحًا في حر شمس الصحراء، وينعش ويبلسم البشرة ويفرح الروح بعطره. وأخيرًا، الكأس المروية تضفي نفحة عيد، مع خمرها الفاخر، الذي تتم المشاركة فيه بسخاء فائض. الطعام، الزيت، الخمر: هذه هي الهبات التي تعطي الحياة والتي تسبغ الفرح لأنها تذهب أبعد مما هو ضروريًا، لكي تعبّر عن المجانية وعن خصب الحب. يعلن المزمور 104، محتفلاً بصلاح الرب السخي: “تُنبِتُ العُشْبَ لِلبهائِمِ والخضرةَ لِخدمةِ البشَرِ، فيُخرِجونَ قُوتًا مِنَ الأرضِ، خمرًا تُفَرِّحُ قلبَ الإنسانِ وزَيتًا يجعَلُ وجهَهُ مُشرِقًا وخبزًا يَسنُدُ بهِ قلبَهُ” (الآيات 14 – 15). يشعر المُرنم أنه مُحَط بالكثير من الانتباه، ولهذا يرى نفسه مثل سائح يجد ملجأ في خيمة مضيافة، بينما يجب على أعدائه أن يتوقفوا لينظروا، دون أن يستطيعوا التدخل، لأن ذاك الذي كانوا يعتبرونه فريستهم بات الآن في أمان، صار ضيفًا مقدسًا، لا يمكن التعدي عليه. لقد حَفظَ الراعي الأعظم حياة المُرنم وفَتح خيمته ليستقبله فلا يستطيع أحدٌ أن يؤذيه.

يعاني الإنسان اليوم من تهديدات جسمية لحياته وكرامته الإنسانية بسبب تفشي حضارةً للموت التي من أهم مظاهرها: العنف المتزايد والمصالح المتضاربة التي تدفع الناس إلى التهجّم على أناس آخرين وارتكاب إبادات وحروب ومذابح. كذلك ما تتعرّض له النساء والأطفال من البؤس وسوء المعاملة وسوء التغذية والمجاعة والإستبداد والأمراض. في المجتمع الغربي هناك أزمة ثقافية إيمانية تتعلق بمفهوم إنسان العالم الحر لمعنى وجوده وحياته. وإذا كانت الحروب تشنّ على المستضعفين في دول العالم الثالث الرازحة تحت ثقل الأعباء الإقتصادية والصحية والصراعات الدموية. فإنّ الحروب تُشَنّ بأسلوب حضاري ضد المستضعفين من الذين يعجزون عن قول كلمة “لا” في وجه قاتليهم في دول العالم المتحضّر. فأبيح القتل الرحيم في عدد من الدول واستخدمت تقنيات بدون أي رادع أو ضابط أخلاقي أو ديني. واليوم دخل الإنسان في عصر آخر هو عصر الجينات الوراثية والتلاعب فيها بقصد الإستنساخ أو لأغراض وأهداف لا يعلم مداها إلاّ الله وحده.

إن حضارة الموت هي نتيجة إلغاء إنسان اليوم الله كمرجعيّة لحياته ومصدرها. الله هو سيد الحياة الذي يرعى حياة الإنسان ويضمنها (إنجيل الحياة، فقرة 39)، كما يقول النبي حزقيال: “يا أُورُشليمُ! أصلُكِ وفصلُكِ مِنْ أرضِ الكنعانيِّينَ، وأبوكِ أموريّ وأمُّكِ حِثِّيَّةٌ. يومَ وُلدْتِ لا أحدَ قطعَ سُرَّتَكِ، ولا غسَلَكِ بالماءِ لتنظِيفِكِ، ولا ملَّحَكِ بالمِلحِ، ولا لفَّكِ بالقِماطِ. ما توجعَ علَيكِ أحدٌ ولا أشفقَ فعمِلَ لكِ شيئًا مِنْ ذلِكَ، بل نُبِذتِ على وجهِ البرِّيَّةِ احتقارًا لكِ يومَ وُلدْتِ. فمَررْتُ بكِ ورَأيتُكِ مُلطَّخةً بدمِكِ، فقُلتُ لكِ وأنتِ في دمِكِ: عيشي”. هذا هو توجه الله تجاه الإنسان “أن يعيش”. فيستمد الإنسان من توجه الله الرجاء في أن يحيا. لذا يكرر المُرنم في المزمور 33 توجه الله هذا نحو الحياة: “عَينُ الرَّبِّ على مَن يَتَّقُونه على مَن يَرجونَ رَحمتهِ  لِيُنقذَ مِنَ المَوتِ نُفوسهم وفي الجوعِ يُحييهم” (18-19).

إن واجب الكنيسة هي أن تعكس توجه الله وإرادته القدوسة بأن يحيا الإنسان وينقذ نفسه من كافة أشكال الموت التي تدعوها لها الحضارة المُعاصرة. واجب الكنيسة في أن تتحول إلى مكان يمتلئ بالحياة، حرٌ من التمركز حول الذات وكافة مظاهر الأنانية حتى يمكن لها أن تُعطى الحياة للآخرين. فالتجذّر في الله، منبع الحياة، بواسطة الإيمان، يُمكن الكنيسة من الدفاع عن الحياة الإنسانية. تحمل الكنيسة كلّ ما يسئ إلى الإنسان ومكانته في الحياة فتدافع عن حقوق المسنين والمعاقين والمرأة وأطفال الشوارع والنازحيين وتقف كحائط صد ضد محاولات تقنين القتل الرحيم وإباحة الإجهاض.

إن واجب الكنيسة هو تربية ضمير الإنسان المُعاصر على إتباع الإرشادات اللازمة التي تقوده إلى خيره وخير الإنسانية. تربية ضمير قادر على التمييز بين الممكن والمفيد “يكتشف الإنسان في ذاته ضميره ناموساً لم يصدر عنه. ولكنه ملزمٌ بطاعته. وصوته يدعو أبداً ذلك الإنسان إلى حبّ الخير وعمله، والى تجنب الشر، ويدوّي أبداً في آذان قلبه أن أعمل هذا ويجنّب ذاك” (المجتمع الفاتيكاني في الثامن، الكنيسة في عالم اليوم ، رقم 16 ص 216).

5. منح الشفاء

الخَيرُ والرَّحمَةُ يلازِماني جَميعَ أَيَّامِ حَياتي

وأسكنُ في بَيتِ الرّبِّ إلى مدَى الأيّامِ.

جودة الله ورحمته هما ذخيرة ترافق المرنم الذي يخرج من خيمته وينطلق. ولكن مسيرته تأخذ معنى جديدًا، وتضحي حجًا نحو هيكل الرب، المكان المقدس الذي يريد المُرنم أن “يقيم” فيه والذي يجب أن “يعود إليه”. جودة الحياة تعنى نوال الإنسان الشفاء: النفسي والجسدي والاجتماعي، الذي يعنى في مجمله الخلاص. بالرغم من إن الشفاء يُطلب من المتخصصين في تلك المجالات كالأطباء البشريين والنفسيين والاخصائين الاجتماعيين إلا أن للكنيسة دورٌ مهم في المساعدة في شفاء الأمراض المختلفة بتدعيم توق الكائن البشري للقاء الله والقرب منه والسكن في بيته. إن خيمة الراعي هي غايةٌ كل مسيرة بشرية.

عمدت الكثير من الحركات الكنسية المُعاصرة، خاصة الحركات الرسولية والكاريزماتية، إلى تشجيع ونمو أنشطة “استشفائية” مثل الصلوات والطقوس التي تهدف إلى نوال الشفاء. عملت هذه الخبرات الجديدة على شفاء الروح من خلال تدعيم لقاءً شخصيًا بيسوع المسيح من خلال الصلاة والقراءات الروحية للكتاب المقدس، التي تُتيح خلاص الإنسان وتحرره من أمراضه النفسية والجسدية والاجتماعية.

جميع أنشطة وممارسات الكنيسة الرعوية تهدف إلى تحقيق “الشفاء” الروحي والجسدي لأعضائها. في حالة غياب هذا الهدف فإن الكنيسة لن تعكس المهمة الرئيسية للراعي الصالح، الذي تجسد لأجل أن بشفاء المرضى: “لأُعلِنَ لِلعُميانِ عَودَةَ البصَرِ إِلَيهِم” (لوقا 4: 18). لقد استمد يسوع المسيح قدرته الشافية من الله، هكذا يستمد مَن يؤمن نعمة الشفاء مما يعتريه من مرضٍ: “يا ابنَتي، إِيمانُكِ خَلَّصَكِ، فَاذهَبي بِسَلام، وتَعافَي مِن عِلَّتِكِ” (مرقس 5: 34؛ 10: 52؛ لوقا 17: 19). فنعمة الشفاء ينالها من يؤمن: “إِن سَمِعتَ لِصَوتِ الرَّبِّ إِلهِكَ، وصَنَعتَ ما هو مُستَقيمٌ في عَينَيه، وأَصغَيتَ إِلى وصَاياه، وحَفِظتَ جَميعَ فَرائِضِه، فجَميعُ الأَمراضِ الَّتي أَنزَلتُها بِالمِصرِيِّين لا أُنزِلُها بِكَ، لأِنِّي أَنا الرَّبُّ مُعافيكَ» (خروج 15: 26).

الراعي الحقيقي، على مثال الراعي الصالح، عليه أن يُصبح “طبيبًا مجروحًا” فيُعالج الآخرين من خلال خبرته كمريض سابق نال الشفاء. لا يعنى هذا أن يَّمرَ راعي النفوس بكافة الأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية التي يعاني منها القطيع، لكن أن يكون قد اختبر في جسده حدود الخبرات البشرية وصارع من أجل تعافيه. الجماعة الكنيسة هي جماعة متعافية، ليس لعدم وجود أمراض أو إن الآلام قد زالت، بل لأن كل مظاهر الضعف هي مناسبات مثالية للنمو وأبواب تفتح طاقات جديدة لعيش الرجاء المسيحي.

شفاء يسوع للمرضى منحهم جودة الحياة بصورة كاملة، فشعروا بالتعافي من اعتلال الجسد ووهن الحركة بل بعودة العلاقات الصحية مع الآخرين والسلام مع النفس. عندما يُقبل الإنسان من الله، يقبل ذاته ويقبل الآخرين فيعش صحيحًا جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا. الذي يختبر علاقة حقيقة عميقة مِن السُّكْنّى مع الله يعرف كيف يواجه نقائصه بصورة جيدة وتزدهر علاقاته مع الآخرين. مَن يحتملَ مرضه أو ألمه أو أزماته الشخصية يزداد ثقةً في نفسه والآخرين. في إطار هذا المفهوم اللاهوتي للخلاص الشامل للإنسان تُصبح ممارسات الكنيسة الرعوية أعمال “شفائية”.

[1] بعكس ما يتجه التفكير، لا يحمل الله إلا نادراً جداً لقب الراعي، ولا نجد هذه التسمية إلا في نصين قديمين (تكوين 49: 24، 48: 15) وابتهالتين في كتاب المزامير (مزمور 23: 1، 80: 2). ويبدو أن هذا اللقب سيظلّ محفوظاً لذلك المزمع أن يأتي. ومقابل ذلك، إن لم يحمل يهوه هذا اللقب مجازياً، إلا أنه يمكن تطبيق مثل الراعي الصالح على علاقة الله مع شعبه. وأثناء الخروج، “قاد الله شعبه وغنمه” (مزمور 5 9: 7)، “مثل قطيع في البرّية” (مزمور 78: 2 5- 53)، يرعاه “كالراعي” يجمع الحملان بذراعه ويحملها في حضنه ويستاق المرضعات رويداً” (إشعيا 40: 11). وهكذا يواصل الله رعي شعبه (مزمور 80: 2). إلا أن إسرائيل يشبه عجلة جامحة أكثر مما يشبه حملاً في الرحاب (هوضع 4: 16). فلا بد من انقياده إلى السبي (إرميا 13: 17). حينذاك سيورده يهوه مجدداً إلى ينابيع المياه الحية (إشعيا 49: 10) ويجمع النعاج المشتّتة (راجع 56: 8) “وهو يصفر لها” (زكريا 10: 8). ويبدي العناية نفسها إزاء كل مؤمن، بحيث لا بعوزه شيء ولا يخاف سوءاً تحت ظل عكّاز الله (مزمور 23: 1 4). أخيراً تمتدّ رحمة الله إلى كلّ ذي جسد (سيراخ 18: 13).

[2]  “الراعي الصالح” الذي يذهب باحثًا عن الخروف الضال، يعرف خرافه ويهبها الحياة (راجع مت 18، 12 – 14؛ لو 15، 4 – 7؛ يو 10، 2 – 4 . 11 – 18)، هو الطريق، السبيل القويم الذي يؤدي إلى الحياة (راجع يو 14، 6)، النور الذي يضيء وادي الظلام ويغلب كل خوف (راجع يو 1، 9؛ 8، 12 ؛ 9، 5 ؛ 12، 46). هو المضيف السخي الذي يستقبلنا ويضعنا في مكان آمن لا يعكر صفون الأعداء، ويهيئ لنا وليمة جسده ودمه (راجع مت 26، 26 – 29 ؛ مر 14، 22 – 25 ؛ لو 22، 19 – 20) والوليمة النهائية المسيحانية في السماء (راجع لو 14، 15؛ رؤ 3، 20 ؛ 19، 9).

قد يعجبك ايضا
اترك رد