إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

زنابق الحقل

0 81

من أجمل صور القديس أنطونيوس تلك التي فيها يحتضن الطفل يسوع  الجالس على كتاب مفتوح بيده اليسرى، بينما يحمل زهرة بيضاء في يده الأخرى. من المثير للاهتمام أن القديس أنطونيوس البادواني نال نعمة حمل يسوع بين ذراعيه قبل وقت قصير من وفاته، تمامًا كما حدث للقديس فرنسيس الأسيزي الذي نال جروحات المسيح على جبل لافرنا قبل عامين من انتقاله. والحدثين يشيران إلى المنزلة الروحية التي وصل إليها القديسان العظيمان قبل انتقالهم الوشيك إلى السماء. الأول نال جروحات المسيح الخمس على الصليب، والثاني استحق أن يحمل الطفل يسوع بين يديه. عدد القديسين الذين نراهم في صور وأيقونات يحملون يسوع بين أيديهم قليل للغاية، الأول: القديس يوسف، خطيب مريم، حامي اسرة الناصرة. ثم كريستوفر الذي يتم تصويره وهو يحمل الطفل يسوع على كتفيه ويعبر به النهر.

تأملي اليوم في هذه الصورة، صورة القديس وهو يحمل يسوع بيده اليسرى وفي اليد الأخرى زهرة الزنبق. اختلى القديس أنطونيوس البدواني في مكان منعزل في Camposampiero القريب من بادوفا. رأي صديقه نور ساطع يخرج من غرفته فنظر إلى الدخل فوجد القديس يحمل الطفل يسوع بين يديه.

نبدأ بالنبتة التي يحملها أنطونيوس وهي زنبقة الحقل. هي زهرة جميلة ذات رائحة طيبة وقوية. البعض يرى أنها ترمز لطاهرة القديس، فنرى أن القديس يوسف، خطيب العذراء مريم، يمسكها أيضًا. لكن السبب هو إن الكنيسة والفنانون في ذلك الوقت رأوا إن تلك النبتة تعبر عن حياة القديس أنطونيوس. من أين جاءت هذا الاعتقاد؟ من القديس أنطونيوس نفسه، وتحديدًا من عظة شهيرة له عن زنابق الحقل ومعناها الروحي ألقاها في بادوفا في الأحد الخامس عشر من زمن السنة.

في تأمله في عظة الجبل يقول أنطونيوس، قال يسوع: “ولِماذا يَهمٌّكُمُ اللَّباسُ؟ تأمَّلوا زَنابقَ الحَقلِ كيفَ تَنمو: لا تَغزِلُ ولا تَتعَبُ. أقولُ لكُم: ولا سُليمانُ في كُلٌ مَجدهِ لبِسَ مِثلَ واحدَةٍ مِنها” (مت 6: 28- 29). المقصود بالحقل هو العالم والرب بنفسه شرح هذا في تفسيره لمثل الزؤان للتلاميذ: “الَّذي يَزرَعُ الزَّرْعَ الطَّيِّبَ هو ابنُ الإِنسان، والحَقْلُ هو العالَم والزَّرْعُ الطَّيِّبُ بَنُو المَلَكوت، والزُّؤانُ بَنُو الشِّرِّير” (مت 13: 38).

الزنابق هي كل مَن يعمل ويخدم ويعيش في العالم. هي أنا وأنت، هي كل إنسان يعيش في حقل العالم. لم يقل الرب تأملوا زنابق الصحراء، أي أولئك الناس الذين يعيشون في البرية ويبتعدون عن شر العالم، لأنهم في حماية طبيعية فهم لايتعرضون للصعوبات والتجارب. لم يقل الرب تأملوا زنابق الحدائق، لانها تزدهر بمجهودات الإنسان ويحميها أصحابها ويحرصون على نموها وازدهارها.

قال تأمَّلوا زَنابقَ الحَقلِ كيفَ تَنمو. أولئك الناس العاديين المتواجدون في العالم، العائشون في وسط الضيقات والصعوبات التي يمكن أن تُدمرهم بسهولة. هل تعلم كيف تنمو زنابق الحقل؟ هي تنمو على الجبال وفي السهول دون تدخل من أحد. تعتمد على مياه الأمطار وحدها. معرضة دائما لصعوبات الطبيعة ويمكن أن تدوسها الحيوانات بالأقدام. عندما تدوسها تضغط علي قلبها فتخرج منها بذاراً لزنابق جديدة. كل إنسان يعيش في العالم هو زنبقة مزروع في الحقل، تستمد الحياة والقوة من سيد الحياة وحده، من خالق كل شيء وضابط كل شيء.

عندما تتعرض لصعوبات ومضايقات وتجارب لا تصاب باليأس أو الخوف، تذكر إن الله هو خالق كل شيء:  “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ”.

تأمَّلوا زَنابقَ الحَقلِ كيفَ تَنمو: لا تَغزِلُ ولا تَتعَبُ.. الغزل هو العمل على ضفر خيوط القماش في شبكة لأجل انتاج النسيج. يتعب النساجون لأجل صناعة قطعة من قماش. يخططون شكل المنتج النهائي ويجتهدون لأجل ضفر الخيوط معًا لأجل صناعة النسيج. انظر لزنابق الحقل هي لا تعزل ولا تتعب لكن الله يعطيها شكلاً جميلا، حتى سليمان في مجده لم يلبس ملابس بهذا الشكل الرائع. “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” الله هو ضابط الكل. هل تعلم اسم هذه الفقرة في العظة على الجبل؟ العناية الإلهية! ثق أن الله يدبر كل شيء وبصورة غير متوقعة.

رأي الناس في انطونيوس زنبقة زُرعت في العالم لأجل خلاص كثيرين. فالزنابق لها ميزتين جمال الشكل والرائحة الجميلة الزكية. حياته القصيرة كانت حياة مقدسة جميلة أعتمد فيها، ليس على مهاراته الخاصة، بل على عمل النعمة في حياته فصنع كثيرًا من الآيات والمعجزات. إنسان عاش في ظل العناية الإلهية الكاملة. أراد أن يذهب لبلاد المغرب بعد ان سمع باستشهاد مجموعة من الفرنسيسكان الأوائل، لكنه يصاب بالملاريا ويضطر إلى العودة. في طريق العودة تصادف السفينة رياح شديدة تخرجها عن مسارها فتتوجه إلى إيطاليا بدل من أسبانيا ليبدأ حياته من جديد. عاش كناسك، لكنه ينزل إلى المدينة يومًا ليحضر سيامة كهنوتية، وفي اللحظة الأخيرة لم يكن الواعظ حاضراً. فترجو أنطونيوس ليلقي على الكهنة الجدد بعض الأفكار. وإذا بهم يكتشفون مؤهلاته، موهبة الوعظ. عاش في حضن العناية الإلهية لذا كانت حياته كالنزنبقة التي تدين بكل شيء إلى الله الذي ضابط الكل.

 نشر بحياته رائحة المسيح الذكية وسط الناس، لم يكن واعظًا ومبشرًا قديرًا. يقول أحد المؤرخين المعاصرين للقديس أنطونيوس: :”كنا نقضي أياماً شبيهة بتلك التى قضاها الشعب فى الجليل مع المخلص”. نشر رائحة المسيح الذكية حتى على المستوى الاجتماعي فدافع عن الفقراء وواجه غضب الظالمين بشجاعة، خاصة المرابون وألغى قانون الربا السائدة منذ قرون في سنة 1231، بعد ما برهن أن الجثة التعيسة لم يكن لها قلب، وقد وجد القلب فعلاً في الخزنة. كان بالفعل كما قال قال بولس الرسول في رسالته الثانية إلى كورونثوس: “فإِنَّنا عِندَ اللهِ رائِحةُ المسيحِ الطَّيِّبةُ بَينَ الَّذينَ يَسلُكونَ طَريقَ الخَلاصِ وطَريقَ الهَلاك: لِهؤُلاءِ رائِحَةٌ تَسيرُ بِهم مِن مَوتٍ إِلى مَوت، ولأُولئِكَ رائِحَةٌ تَسيرُ بهم مِن حَياةٍ إِلى حَياة.” (2 كو 2: 15).

أنت على مثال القديس زنبقة في حقل العالم. حياتك هي نعمة وجميلة بالرغم من كل شيء. خُلقتك بحب كبير لا يوصف. هكذا نصلي المزمور 139 “أَنتَ الَّذي كونَ كُليَتَيَّ ونَسَجَني في بَطْنِ أُمِّي. أَحمَدُكَ لأَنَّكَ أَعجَزت فأَدهَشتَ. عَجيبةٌ أَعْمالُكَ” (13- 14). أعجزت… خلقتني بمعجزة وعملك مدهش ورائع. هل تتأمل في كيفية عمل قلبك أو رئتيك. لماذا القلق إذن: “ومَنْ مِنكُم، إِذا اهْتَمَّ، يَستَطيعُ أَن يُضيفَ إِلى حَياتِه مِقدارَ ذِراعٍ واحِدة؟”. لنثق في عناية الله فأنت مدين لله في كل شيء، في الهواء الذي تتنفسه، في حركة قلبك الدائمة دون إرادتك.

مسئوليتك في الحياة كمؤمن وفرنسيسكاني أن تنشر رائحة المسيح الذكية في الوسط الذي تعيش فيه

قد يعجبك ايضا
اترك رد