إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

هوية المكرسين اليوم

0 62

الحياة المكرسة هي الذكرى الحية للمسيح.  فجميعنا، مكرسين ومكرسات مدعوون إلى العيش “مكرسين مثل المسيح” وأن نكون علامة حضوره في وسط المجتمع الذي نعيش فيه. يوم إعلان النذور حصلنا على عطية خاصة من الروح القدس، تفتح لنا الطريق للقداسة والمساهمة في تأسيس ملكوت السموات.  

بالعماد نتلقي ثلاث عطايا مجانية من الله، هي فضائل: الإيمان والرجاء والمحبة. نحن نتلقى تلك الفضائل الثلاث كعطايا مجانية. هي هبات تزرع داخلنا كالبذور التي تلقي في الأرض، يتعين على الإنسان أن يعتني بها، حتى تنمو وتعطي ثمر. الثمر كامن في الخريطة الوراثية للبذرة، لكنها تحتاج إلى الشمس والهواء والعناية من الفلاح حتى تعطي ثمارها.

البذرة لا تصبح شجرة مثمرة فور إلقاها في الأرض. لكن المزارع لدي يقين راسخ وقوى بأنه حتى ولو لم يرى ماذا يحدث للبذرة وهي مدفونة في الطين، فهو واثق أنه إذا استخدم حريته في أن يعتني بها فإن الماء والهواء سيخصبان البذرة بشكل غامض لا يعلمها، فتنمو وتخرج ثمارها.

إذا كنا لا نرى تلك الثمار في حياتنا، فهذا ليس معناه إننا لا نملك تلك البذور. هي موجودة لكنها خاملة، غير مفعلة لنستخدم تشبيه بسيط: كلنا نعرف الجمر، وتبدو قطعة الفحم أحيانًا مطفية، تغطيها طبقة رقية من الرماد تجعلها تبدو مطفية.  يكفي أن تنفخ على الجمر لتشتعل على الفور، وتشتعل الشعلة على الفور، وتستعيد لونها الأحمر الأكثر حيوية، وتنطلق النار منها.

إذا كنّا نصادف صعوبات في الإيمان والرجاء والمحبة، لنطلب من الرب قائلين: “زدني رجاءً”.  أقول ”زدني“ لماذا؟ لأننا تلقينا هذه النعم في يوم معموديتنا، لا ننسى طلب التلاميذ من يسوع: “زدنا إيمانًا”.

ماذا يحدث يوم تكريسي الدائم للرب هو أن ينفخ الرب بقوة في تلك الجمرات الموجودة بالفعل للتشتعل من جديد. التكريس والمشورات الإنجيلية الثلاث ما هي إلا عيش تلك الفضائل بصورة عميقة فنكون ذاكرة حية ليسوع المسيح: الفقير والعفيف والمطيع.

  • يعلن كل منّا محبته لله فوق كل شيء من خلال عفة القلب والجسد. من خلال نذر العفة نُعلن أننا نتخلي عن كمال ذواتنا في كائن آخر، وإن محبة الله بكل القلب وكل القدرة وكل النفس هو السبيل للكمال المسيحي.
  • يعلن كل منّا إيمانه الكامل بعناية الله خالق كل شيء وترك ذواتنا بين يديه هو مصدر كل الخيرات. من خلال نذر الفقر نُعلن تحررنا الداخلي من خلال نذر الفقر من عبودية المال والأشياء. تحرر من القلق المرتبط بالمادة والتخلي عن نزعة التملك التي يخضع لها الجميع.
  • يعلن كل منّا إن رجاءه الوحيد في الحياة هو شخص يسوع المسيح. فيسعى من خلال نذر الطاعة إلى التحرر في أن يكون مرجع ذاته، بل يعمل دائمًا بمشيئة الأب في حياته فيصبح الذاكرة الحية للمسيح المطيع.

لقد أُعطي كل منّا تلك الجمرات الثلاث بداخله يوم العماد، ونؤمن بأن الله من خلال اختيارنا لهذه الحياة وبقوة فعل التكريس الرهباني يعيد النفخ فيها لتشتعل من جديد. لنلاحظ قول تلميذي عماوس عند لقاءهم بالمسيح القائم: «أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِداً في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟» (لو 24: 32). نحتاج أن يُشعل الروح القدس تلك الجمرات من جديد.

ماذا يفعل الشرير؟ الشرير يعرف أن لدينا جمرات النار في داخلنا، لذا فهو يعلم أنه لا يستطيع أن ينتزع منا تلك العطايا. ولكنه يستطيع أن يشتت انتباهنا عن إدراك أنه لدينا تلك النعم، أو يمكنه أن يقوم بأحد الأعمال التي يقوم بها غالبًا، وهي الفصل بين العطايا الثلاث. على سبيل المثال، قد يكون لدينا الإيمان فقط دون رجاء أو محبة. هذا يجعلنا مثل الشيطان، الذي لديه الإيمان، لكنه لا رجاء له ولا قادر على الحب.  إنه يعرف ويعترف أن يسوع هو ابن الله، لكنه لا يستطيع أن يتجاوز الاعلان عن تلك المعرفة.

يكون لدينا الإيمان بأن الرب اختارنا لهذا الحياة، لكن لا نعيش المحبة بصورة كاملة، أو مع ضعوطات الحياة والصعوبات المختلفة لا يكون رجاؤنا كاملا. نتمسك أحيانا بالعفة الظاهرة، عفة الجسد، لكن لا نترجمها في حياة عفيفة كاملة ورجاء أكيد فنتمسك بالاستمرار بالاتحاد بشخص يسوع المسيح.  

من الممكن أن نختبر حضور المسيح في حياتنا كمكرسين ونلمس قدراته في واقعنا الرهباني لكن لا نثابر في الرجاء فيه. بطرس مثلا لقد اختبر حضور يسوع المسيح وقوة لاهوته من خلال المعجزات أو عندما كان شاهدًا مع يعقوب ويوحنا على إقامة ابنه يايرس. كانوا الثلاثة شهودًا على على مجده على جبل طابور حين تغيرت هيئته أمامهم، وظهر له موسى وإيليا يتحدثان معه. لكنهم ناموا جميعًا في الوقت الذي احتاج المسيح أن يكونوا معه، أن يساندوه وقت اقتراب الصليب  في بستان جثسيماني.

هل نحن متيقظين اليوم؟ أم أمام رتم الحياة والصعوبات نلجأ، كما حذر البابا بندكتس السادس عشر في كتابه يسوع المسيح الناصري، لتخدير النفس، أو بلادة النفس، فلا نشعر بالشغف الكافي بأن تكون حياتنا ذاكرة يسوع الحية وسط الناس؟

نبدأ حياتنا الرهبانية بنوعٍ من الانبهار، ونعلي من قيمة الطموحات والأحلام بأننا قادرين على صنع أحداث عظيمة في الحياة. لكن مع الوقت وتراكم الصعوبات، وتنامي اليأس والاحباط من فشل بعض أو كل ما نحلم به، ينطفيء الشغف.

لقد دعا التلاميذ الثلاثة، اللذين رأوا لاهوته ومجده على جبل طابور، أولئك الثلاثة بالذات لأجل “تصحيح مفهومهم عنه”، لكي يتخلصوا من قوة الانبهار بمعجزاته وآياته الخارقة ومجده الذي ظهر أمام أعينهم. كان لا بدّ أن يلمسوا إنسانيته، ضعفه، خوفه أمام الموت كإنسان. هو ابن الله المتجسد الذي عليه أن يتألم كثيرًا ويقتل ويقوم في اليوم الثالث. نتذكر بطرس وهو يشهد بقوة وثقة في قيصرية فيلبس: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ»، لكنه رفض بشده أن يتألم الرب: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!» (مت 16: 22).

لا سبيل أمامنا إلا بالتمسك بتكريسنا، بالسماح للروح أن ينفخ في تلك الجمرات الثلاث، في أن يعضد نذورنا الرهبانية. أمام المشكلات والصعوبات، أمام لا مبالاة الآخرين، أو تنامي شعور الوحدة نسقط في تجربة انطفاء الشغف، نتكاسل عن الصلاة، بل نتوقف عنها، نفقد الثقة في فاعليتها، ونشك أن الله يحبنا وإلا لما تركنا نمر بتلك الأزمات!!

الإخلاص في الصلاة

في البستان كان يسوع الناصري يصلي لهذا السبب بالذات. يسوع يصلي ويختار أن يكون وحده، لذا هناك وحدة. يسوع يصلي والآخرون نائمون، لذا هناك ظلام ووحدة ونوم الآخرين.

إنها جثسيماني حيث يسوع في أهم ساعة في حياته سيصلي عندما يكون كل شيء مظلماً، سيصلي وهو يشعر بالوحدة الشديدة، سيصلي عندما ينام أصدقاؤه بدلاً من مساعدته. نعتقد أنه عندما نكون في الظلام في الحياة، أي عندما لا نرى شيئاً وبالتالي تصلي ولا ترى شيئاً، وتختبر الظلام في الصلاة، تعتقد أن تلك الصلاة عديمة الفائدة. لكن الحقيقة هي أوقات لازمة للدخول إلى عمق العلاقة مع الله.

صلى يسوع إلى الآب قائلا: «يا أَبتِ، إِن أَمكَنَ الأَمْرُ، فَلتَبتَعِدْ عَنِّي هذهِ الكَأس، ولكن لا كما أَنا أَشاء، بَل كما أَنتَ تَشاء!». ماذا أجاب الآب ابنه؟ لا شيء. هو يصلي، والجواب هو الصمت.

ما الذي يجعلك تشعر بالصمت؟ الوحدة. ونقول أحيانًا: ما الفائدة من الصلاة إذا كان الله لا يجيبني؟ صلي يسوع وأبوه لم يجاوبه، لكنه استمر في الصلاة. ثم نهض وذهب إلى بطرس والتلاميذ: “وَرَجَعَ أَيضاً فوَجَدهم نائمين لِأَنَّ النُّعاسَ أَثقَلَ أَعيُنَهم، ولَم يَدْرُوا بِماذا يُجيبونَه” (مر 14: 40).

ماذا كان رد أصدقاء يسوع؟ لا شيء. لا يتكلمون. إنهم نائمون. أعتقد أن هذا شيء جميل جدًا، درامي ولكنه جميل. يسوع يصلي في وقت لا يخطر ببالنا أبدًا أن نصلي فيه لأننا نعتقد أن الصلاة لا فائدة منها. الظلام دامس، ونحن وحدنا، والآخرون لا يفهموننا. لكنه يذهب ليصلي.

هذه الإخلاص للصلاة يمنح يسوع طريقة جديدة لفهم مهمته، نوعًا من إعادة صياغة لمهمته. لكن انظروا، لو لم يكن ليسوع هذا الإخلاص في الصلاة، بالرغم من صمت الله التام، لكن نصلي لأني عندما أصلي أحصل على تعزية، أشعر إني الله قريب، يكلمني الله ويحل كل مشكلاتي، يعطني استنارة كيف أحل أزماتي وهذا كله عكس الظلام السائد حول يسوع في ذلك الوقت.  

أذهب للصلاة لأنني عندما أصلي لا أشعر بالوحدة. نعم، هذا صحيح، يمكن أن يحدث، وهذا ما يسمى التعزية لكنني لا أعرف إذا كنتم قد لاحظتم أن النسبة بين التعزية والوحشة ليست 50% 50% ، بل عادة ما تكون 5% إلى 95%. 5% تعزية و95 % وحشة أو عدم تعزية. ليس لأن الله شرير، ولكن لأننا إذا حصلنا على العزاء دائمًا، فلن ننمو أبدًا. عندما نشعر بالتعزية لن نفعل شيئًا، سنستمتع بالتعزية وكفى.

أما الشعور بالوحشة، بالخراب فيدفعنا إلى المقاومة، إلى النمو. سأعطيكم مثالاً. إذا رافقت طفلاً لتعليمه السباحة، فمن الواضح أنني ستمسك يديه عندما يسبح. إنه يستمتع، يرفس بقدميه، يعلم أنك موجود، إلخ. وبالتالي فهو لا يتعلم السباحة، بل يستمتع. ومن الطبيعي أن يذهب الطفل إلى البحر أو إلى المسبح ويستمتع، ولكن إذا أردت تعليمه السباحة، فعليك في مرحلة ما أن تترك يديك وتجعل هذا الطفل يتفاعل مع حقيقة أنك تركت يديك. بالنسبة للطفل، لم يعد الأمر متعة، بل أصبح خطرًا. لماذا؟ لأنه يرى أن الماء يدخل فمه، لأنه يضطرب ويخاف، إلخ. لكن حقيقة أن والده أو والدته تركاه هو فعل محبة، وليس هجرانًا. هو يرى الأمر على أنهما يريدان موته. لا، في الواقع هو عمل من أعمال الحب. تلك الوحدة، ذلك التخلي الظاهري يجبر الطفل على إخراج القدرات الكامنة بداخله، ولكننا لا نخرجها أبدًا أثناء اسمتاعه وهو يمس بيد والده.

المعاناة وأحيانًا الخراب الداخلي يمكن أن تكون باب الرجاء. أن الحياة، بطبيعتها، محفوفة بالألم والمعاناة. ولكن، بدلاً من رؤية هذه التجارب كمجرد عقبات، يشجع مارك مانسون في كتابة “الخراب: كتاب عن الأمل” على اعتبارها كجزء أساسي من النمو الشخصي. هناك إمكانية عظيمة للتغيير عند  مواجهة أعظم مخاوفنا وتحمل أعظم معاناتنا ومواجهة واقع الحياة القاسي، يمكننا حقًا التطور، يمكن أن نخرج كل ما بداخلنا، بل ويخرج أيضًا أسوأ ما فينا، وهذا أمر جيد لأننا إذا أخرجناه يمكننا التخلص منه. بدلاً من الانهيار أمام اليأس أو تبني عقلية الضحية، يشجع الأفراد على البحث عن هدف داخل ألمهم. قد يعني ذلك تحويل المأسي الشخصية إلى روايات ملهمة تتحدث عن القوة، أو استخدام الدروس المؤلمة من أجل النمو في المستقبل، أو استخدام التحديات الشخصية كأساس لمساعدة الآخرين

التمييز الروحي

إذا أردنا الدخول إلى العمق في الحياة المكرسة، لا يجب أن نبحث عن التعزية، بل أن نفعل ما يفعله يسوع، أن نعيش كما عاش يسوع في وقت المعاناة والألم. مكان التمييز بالنسبة ليسوع هو الصلاة، والصلاة هي لحظة صراع. ما هو الشيء المطلوب منا في الصلاة؟ أي ما هي السمة الرئيسية للصلاة، لكي تكون صلاة جيدة؟ هل تعرفون ما هي؟ الصلاة. قد يبدو هذا تافهاً، ولكنه ليس كذلك على الإطلاق.

هو عدم التوقف عن الصلاة، والاستمرار في الصلاة، وعدم التسرع، والسماح لحياتنا بأن تكون دائمًا تحت منظور الصلاة باعتبارها أهم شيء، حتى عندما تكون الصلاة بالنسبة لنا أزمة، حتى عندما تكون الصلاة بالنسبة لنا ظلامًا، حتى عندما نشعر بأننا وحدنا وغير مفهومين. لا تتخلوا عن الصلاة، لأن الصلاة هي مفتاح كل شيء، دائمًا. كيف نعرف ذلك؟ يسوع.

في نهاية ليلة جثسيماني، يتخذ يسوع قرارًا، لأنه بينما هو يصلي، يشعر بالخوف والضعف والوحدة، ولا يريد أن يموت. هذه أمور جدية للغاية، ولكن في مرحلة معينة، تنتهي قصة جثسيماني هكذا. يقول يسوع: “قوموا نَنطَلِق! ها إِنَّ الَّذي يُسلِمُني قدِ اقتَرَب” (مر 14: 42). أي أن الأب لا يجيبه بشيء، والتلاميذ كما هم نيام، ولكن في مرحلة معينة يجد شجاعة داخله لم تكن موجودة من قبل. الصلاة. الصلاة أعطته هذه النظرة إلى الأمور.

يسوع هو إنسان، شعر بالحزن، شعر بالألم، ولكنه أظهر لنا أيضاً كيف نحقق إنسانيتنا الكاملة. من يصلي يجد الشجاعة ليفعل الأشياء التي فعلها يسوع. هذه هي ثمرة الصلاة.

ماذا يحدث؟ في نهاية هذه الليلة، التي لا يخبرنا مرقس عنها شيئًا، لا يخبرنا كيف صلى، ماذا قال، لا شيء. لكن مرقس يبدأ إنجيله قصة يسوع بالإشارة إلى إن أثناء الصلاة، صلاة يسوع انطلق بطرس يبحث عنه: “وقامَ قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً، فخَرجَ وذهَبَ إِلى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك. فَانَطَلَقَ سِمْعانُ وأَصْحابُه يَبحَثونَ عَنه، فوَجَدوه. وقالوا له: «جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ» (مر 1: 35- 37).

كان بطرس ضمن الجموع الذين بحثوا عن يسوع، لماذا؟ عليه أن يُظهر المزيد من قدراته، معجزاته، آياته العظيمة. لماذا نبحث عنه اليوم؟ لأننا أبناء الله؟ لا. سيقول بونهيفر لأنه يملأ الفراغ. لدي مشكلة وهو الذي يحلها لي. لدي فراغ وهو الذي يملأه، لدي مرض أطلب شفائه، لدي ضيقة أطلب أن يفرج عني. لكن يسوع لم يأتِ لهذا السبب. لم يأتِ لإرضاء توقعاتنا النفسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو حتى السياسية. لم يأتِ يسوع لهذا السبب. لقد تجسد يسوع لأجل خلاصنا، هو الرب، هو ابن الله.

الجميع يبحث عنك، كم سيكون جميلاً لو عاد كل هؤلاء المرضى الذين جاءوا إلى منازلهم مُعافين، سيكون ذلك رائعاً، لكن منطق الله مختلف. طالما أنه يصنع المعجزات، فنحن نؤمن به. عندما يتوقف عن صنع المعجزات، ينتهي الأمر. انتهي إيماننا، لأننا سنصطدم بالصليب، الصليب لا يتضمن معجزات، هو عثرة، وكل ما كان يمنحنا الأمان سابقًا يضيع في تلك اللحظة.

منطق الله المختلف

شهد بطرس: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ»، لكن أي مسيح يقصد بطرس؟ هل هو المسيح الذي يصنع المعجزات، الذي يحقق نجاحات أرضية؟ بالطبع له، لذا فإن إجابة بطرس غير كاملة، لم يدرك بطرس بعد كامل هوية يسوع الحقيقية، ومسيحيته الحقيقية، ولذلك فرض يسوع الصمت على بطرس والتلاميذ: “ثُمَّ أَوصى تَلاميذَه بِأَلاَّ يُخبِروا أَحَداً بِأَنَّهُ المسيح” (لو 16: 20). لا يزال أمام هذا التلميذ وجميع التلاميذ طريق طويل ليقطعوه ليدخلوا في منطق الله: يسوع ليس المسيح الذي يصعد إلى أورشليم للقضاء على معارضيه. قبل أن يفهم بطرس ويعلن بشكل مناسب من هو يسوع، عليه أن يقبل حقيقة الصليب والقيامة.

لذا يعلن يسوع مباشرة عن آلامه وموته وقيامته بعد شهادة بطرس: “فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!». رفض بطرس المعاناة، لكن الإيمان المسيحي قائم على شيء واحد، كما أعلن بولس في رسالته الأولى لكنيسة كورنثوس، وهو الصليب: “وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ.. لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إِلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً” (1كو 2: 1- 2). بينما يطلب اليونانيون الحكمة ويطلب اليهود الآيات، فإنني أقدم لكم شيئاً واحداً فقط: يسوع مصلوبًا. ماذا يُمثل يسوع المصلوب؟ أعظم علامة على الحب الذي يمكن أن يُقدم على الإطلاق. شخص يبذل حياته من أجلنا.

من هو يسوع بالنسبة لك؟

هناك نوع أدبي يورده مرقس الرسول، هي بحق جوهرة إنجيله يسمي: السر المسياني”. ممَّ يتكون السر المسياني؟ في كل مرة يصنع فيها يسوع معجزة، يقول: “لا تخبر أحدًا”، هذا هو السر المسياني. وحتى عندما يقول يشهد بطرس: بلاهوت المسيح قائلا: ” «أَنْتَ الْمَسِيحُ!» يقول له يسوع لا تخبر أحد: “فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ عَنْهُ” (مر 8: 29- 30).

ولكن لماذا لا يسمح لهم بإعلان الحقيقة التي تجسد لأجل أعلانها للبشر؟ لماذا لا يجب أن يقولوا لأحد إنه المسيح؟

في الجزء الأول من إنجيله، أوضح لنا مرقس أن معجزات يسوع يمكن أن تبدأ مسيرة الإيمان به، ويمكن أن تساعدنا على فهم أنه هو المسيح الموعود، ولكنها لا تؤدي إلى الإيمان الكامل: فهي لا تكفي للتغلب على الشك متى تعرض الإنسان لصعوبات كبيرة. بعد رؤية معجزاته، أدركت الجماهير أن يسوع نبي، وأدرك التلاميذ أنه المسيح، لكنهم لم يروا فيه ابن الإنسان الذي يحمل الصليب: لكي يؤمنوا بمسيحيته، طلبت السلطات اليهودية منه أن يصنع معجزة أخرى، وهي النزول عن الصليب (مرقس 15: 32). لذلك، فإن المعجزات غير كافية لتؤدي إلى الإيمان الكامل بيسوع وبالآب الذي أرسله. لهذا السبب، في الجزء الأول من الإنجيل، يصنع يسوع العديد من المعجزات التي تكشف عنه كمسيح، ولكنه لا يريد أن يتم نشر ذلك.

إحدى سمات حياتنا البشرية هي هذه. تتجلى حياتنا البشرية من خلال الاحتياجات. من هو الله؟ هو الذي يأخذ احتياجاتك على محمل الجد. أنا بحاجة إلى هذا الشيء. يأتي الله ويمنحك إياه. أحتاج أن أشفى في هذه اللحظة. يأتي الله ويمنحك الشفاء. أحتاج أن يسير عملي على نحوٍ مُحدد. يأتي الله. ويعطيك المعجزة التي تجعل عملك يسير على هذا النحو باختصار كل احتياجاتك تتوافق مع عمل الله وهذا هو اتباع الله في المعجزات. أنت تتذكره فقط عندما تحتاج إلى الاهتمام وإذا لم يتوافق مع احتياجاتك للآسف تفقد الإيمان.

كل من يعلن يسوع بناءً على المعجزات والآيات، يفعل كما يفعل الشياطين. هم أيضًا يُعلنون إيمانهم عند لقائهم بيسوع. “أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ: قُدُّوسُ اللهِ!”

متى في إنجيل مرقس يُمكن لشخص أن يُعلن إيمانه دون أن يُسكته يسوع؟ يقول مرقس إن الجندي الروماني، إذ رآه يموت بهذه الطريقة، صرخ قائلًا: “حقًا، هذا هو ابن الله”. لا أحد يطلب منه أن يصمت، لأن إيمانه ينبع من الصليب، لا من المعجزات، ولا من المخاوف، ولا الفراغ، ولا من وطأة احتياج معين. إنه ينبع من الصليب. بالنسبة لمرقس، تكمن الهوية الحقيقية ليسوع في ذلك بالذات: فهو يمتلك قوة ليس لنفسه، بل للآخرين، قوة ليست هيمنة، بل عطية، حب. ومن هنا تظهر أيضًا الهوية الحقيقية لملكوت الله.

لذا كان على بطرس أن يواجه الصليب ليدخل إلى العمق، كان عليه أن يتعلم حكمة الصليب، وفي عظته الأولى بعد حلول القدس لا يتكلم إلا عن الصليب: “وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ” (أع 2: 23- 24).

إذا كانت تلك البذور لا تثمر بصورة كافية. إذا كانت تلك الجمرات تبدو منطفئة في ظل صعوبات الحياة الرهبانية فعلينا التمسك بالصلاة وحدها والاستمرار فيها بالرغم من الظلمة  والوحشة التي نشعر بها أحيانًا. الصورة الكاملة نأخذها تحت الصليب وتكتمل بالقيامة. متى اشتعلت في قلوبنا تلك النار فنمتلئ بإيمان واثق، حتى إذا لم يسدد الله احتياجاتي؛ نعيش المحبة حتى إذا رفض الآخرون؛ يكون لدينا رجاء بأن الثمار ستظهر وافرة حتى لو بعد انتقالنا، كما حدث مع شار دفوكو.

أبتِ… إني أسلّم لك ذاتي، فأفعل بي ما تشاء،

ومهما فعلت بي فأنا شاكر لك.

إنّي مستعدٌ لكلّ شيء، وأرتضي بكلّ شيء.

ليس لي رغبة ً أخرى يا إلهي،

سوى أن تكمُل إرادتُك فيّ وفي جميع خلائقك.

أني أستودع روحي بين يديك،

وأهبها لك يا إلهي، بكلّ ما في قلبي من الحب،

لأنّي أحبّك، ولأنّ الحبّ يتطلّب مني أن أهب نفسي،

أن أودعها بين يديك، من دون مقياس،

وبثقة لا حد لها،

لأنّك أبي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد