إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الجمعة العظيمة 2026

0 14

نبدأ بسؤال: ماذا تشعر عند تأملك في قصة الآلام؟ عندما تتأمل في جلد يسوع بالسياط والجروح العميقة على ظهره، وتكليل رأسه بالشوك، جروح المسامير في يديه ورجليه، الحربة التي أخترقت قلبه، آلام تعليقه على الصليب، أمام كل هذه الآلام كيف تشعر؟

 إذا شعرنا بالذنب، لأن يسوع احتمل كل هذه الآلام لأجل خلاصنا! لأجل أن يكفر عن ذنوبنا فهذا شعور جيد يعبر عن تحملنا مسئولية خطايانا، لكنه أيضًا موقف سلبي فقد ينسينا السبب الحقيقي في آلام المسيح وهو أن الله قد أحبنا حتى بذل ذاته من أجلنا حتى لا نهلك. لقد لخص بولس في رسالته إلى غلاطية القصة كلها في آية واحد حينما قال: “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (غلا 2: 20). لم يرى بولس المسيح في حياته، ولا يسمع تعاليمه، ولا رأي معجزاته، لكن بعد أن تراءى له المسيح في طريق دمشق عرف أن المسيح قبل كل هذه الألام بدافع انه قد أحبه وأحبنا جميعًا.

عندما تؤمن بأن الله قد أحبنا حتى أقصى حدود الحب، حتى إنه بذل ذاته لأجل خلاصنا، الأمر يختلف، فالشعور الذي يتولد في قلوبنا عند التأمل في آلام المسيح هو شعور الأمتنان والشكر. في الصيف الماضي نقلت لنا وسائل التواصل خبر عن أحد الممثلين الذي كان في مصيف مع ابنه في الساحل الشمالي، وعندما رأي ابنه يغرق، اندفع بقوة سابحًا نحو لإنقاذه، كان الموج مرتفعًا، لكنه نجح في النهاية في إنقاذ ابنه، لكن قلبه لم يحتمل المجهود الكبير الذي بذله من إنقاذ ابنه الشاب. كيف سيفكر الابن في وفاة أبيه، هو متالم لفقدانه، لكنه يشعر بالفخر والامتنان لأجل إنقاذه، يشعر بحب أبيه الذي دفعه لبذل حياته لأجل انقاذه. علينا أن ننظر إلى آلام المسيح بهذه الطريقة، شعور بالامتنان والشكر.

لذا طلب فرنسيس في صلاته على جبل لا فرنا ليس فقط أن يشعر في قلبه وروحه وجسده، بذلك الألم الذي تحمله يسوع في ساعة آلامه الأكثر مرارة فقط.. بل طلب أن يشعر أيضًا في قلبه وروحه وجسده بذلك الحب الذي دفعه إلى تحمل كل تلك الآلام.  آمن فرنسيس بأن الدافع الأساسي هو الحب، حتى إنه كان يبكي عندما يتأمل في آلام المسيح، كان يشعر إنه غير مستحق لكل هذا الحب الذي أظهره يسوع على الصليب في تلك الساعات الرهيبة.

ماذا نقدم للمسيح كعربون امتنان

ماذا قدمت الناس للمسيح عبر هذه الأيام غير الإهانات، والجلد والصلب وتكليل رأسه بالشوك. لم يقدم أي شخص بادرة عمل طيب غير سمعان القيرواني الذي حمل الصليب عوضًا عنه لفترة، لكنه ليس من اختياره. هرب التلاميذ ولم يبقى منهم أحد، نست الجموع كل المعجزات والآيات التي صنعها. أين ذهب المولود أعمي، أو مريض بيت حسدًا، أو حتى لعازر.. تركوه جميعًا. شخص واحد فقط حاول أن يساعده.

صرخ يسوع قائلا: «أَنا عَطْشان». فوضع أحدهم إسفنجة مبللة بالخل على ساق زوفى وقربوها من فمه ليشرب. ما قدمته البشرية عمومًا، تجاوب مع حب المسيح الذي دفعه إلى قبول الصليب، هي رشفة من الخل. لماذا الخل؟

نقرأ في المزمور 69: 22: “جَعَلوا في طَعامي سَمًّا وسَقَوني في عَطَشي خَلاًّ. من الذي قدم الخل ليسوع؟ الجنود بالطبع فلم يسمح ليهودي أن يقترب من الصليب. كان الجنود يشربون الماء والخل بصورة يومية لأنه كان يحميهم من الأمراض ويقضي على البكتريا الموجود في الماء. كان مشروب الجنود وهو مزاقه حلو ويروي العطش أكثر من الماء الطبيعي. يتم عند خلط ثلاث ملاعق كبيرة من الخل مع الماء وتضاف البهارات والعسل لتحسين النكهة: وكان اسم المشروب “بوسكا”، وكان رخيص جدًا ودائمًا في متناول الجنود الرومان. لدينا روايات تاريخية عن الإمبراطورية الرومانية التي كانت فيها البوسكا تحظي بشعبية كبيرة وسط الجنود لأنها كانت قادرة على إرواء العطش أكثر بكثير من الماء.

كان الجنود يسخرون من يسوع لكن هناك واحد قام بتلك المبادرة المتمثلة في تقديم الإسفنجة المغموسة بالخل والماء لتخفيف آلام يسوع. هو عمل رحمة ليسوع الذي كان ينازع في تلك اللحظة. عمل رحمة صغير للغاية، قدمه الجندي.قدم نبيذ فاسد ممزوج بالماء.

يلفت النظر يوحنا إن “وكانَ هُناكَ إِناءٌ مَمْلوءٌ خَلاًّ”، ما نملك أن نقدمه ليسوع لا شيء سوى الخل، لا شيء سوى خمرًا فاسد، وغير صالح، ممزوج بالماء. في أول آيات يسوع يحول الماء إلى خمرًا جيدة، والخمر في الكتاب المقدس هي رمز للحب. لا يمكن أن نقابل ونعامل بالمثل من أحبنا وبلغ به الحب إنه قدم جسده ودمه لأجل خلاصنا. قام الجندي بتقديم اسفنجة ممتلئة خل، نبيذ فاسد. قبل يسوع هذا الحب “الناقص” وجعله خاصته. يقبل بؤسنا وحبنا الناقص والغير كامل، والغير أمين دائمًا. يشربه يسوع، يذوقه ويشعر بقساوته، لكنه لا يرفضه. في الواقع، إن قبولها يوحّدها بالحب الكامل والمجاني الذي يعبّر عنه بتقديم نفسه عنا للآب وإرادته، حاملًا كأس الآلام.

ليس صليبًا بل نعمة

هذا ما يبعث فينا الرجاء، الرب لا يطلب منا أعمال كبيرة، بل تقديم شيء بسيط، كأس ماء بارد لأحد العطاش. عمل بسيط، الصغير، غير المكلف، غير المتعب، العادي جداً جداً جداً… أحيانا نطلب من الله أن ينزع عنا هذا الضعف الموجود بحياتنا، عدم القدرة على الرد على مبادرة حبه لنا.

نقدم نقائصنا، أتعابنا، مشكلاتنا، حبنا الغير كامل والغير أمين. لكن المسيح القائم عندما ظهر لتلاميذه أظهر لهم يديه وقدميه المثقوبتين بالمسامير وجنبه المطعون بالحربة  ليقول لنا إن كل شيء في الحياة، كل الصعوبات والألام والأمراض والظروف الصعبة والمؤلمة، التي نتمنى ونصلي لأجل أن ينزعها الله ويلغيها من حياتنا، هي جزء من الحياة، لكنها ليس النهاية، كل الأمور ستؤول للخير، هناك قيامة. اليوم الجديد يبدأ مع الثانية الأولى بعد الساعة الثانية عشر ليلا. يبدأ اليوم الجديد والظلام باقي لكن علينا أن ننتظر إلى الفجر لرؤية اليوم الجديد. من الخطأ التركيز على الآلام وفصلها عن القيامة، من الخطأ النظر إلى الصعوبات دون أن ربطها بالقيامة.

المشكلة إذا ركزنا على نقائصنا، على ما لا نستيطع أن نقدمه، أنا إذا كنت موجود، لكنت لا أنكره، لكنت أقدم له شيء أفضل من الخل.

أنظروا معي الآن إلى مصلوب سان دميانو ظهر فيه المسيح لفرنسيس وهو مفتوح العيين، ليس على وجهه علامات الألم، بالرغم من وجود الجروحات الكثيرة على الجسد. هذا الصليب يعبر عن المسيح القائم. في الأيقونات البيزنطية، لا يُصوَّر الصليب أبدًا بواقعية الجسد المنهك والميت، ولا في حالة عذاب: فهو ليس إلهًا متألمًا. يقول يوحنا فم الذهب في هذا الصدد: “أراه مصلوبًا وأدعوه ملكًا”.

هناك مشكلة أخرى عند التأمل في آلام المسيح، هي النظر إلى الألام وحدها وعيشها والتألم مع يسوع خلال تلك المسيرة الصعبة. لنلاحظ كافة الصور والأيقونات التي يصور فيها يسوع مصلوبًا، يظهر متألما بقسوة شديدة من أثار المسامير والحربة وأكليل الشوك والجلد وحمل خشبة الصليب. لا أعرف إذا كنتم قد فكرتم في ذلك من قبل، ولكن عندما نفكر في يسوع، نفكر فيه إما مصلوبًا أو قائمًا من بين الأموات، ولا ندرك أننا عندما نفكر في يسوع إما مصلوبًا أو قائمًا من بين الأموات، فإننا نرتكب خطأ، لأننا إذا توقفنا فقط عند تجربة آلام المسيح ومعاناته وموته، فإننا نلغي عن يسوع أهم سماته، وهي قوة قيامته. وإذا لم يقم المسيح كان إيماننا باطل، كما أوضح بولس في رسالته الأولى إلى كورنثوس. كذلك إذا نظرنا فقط إلى المسيح القائم، إلى نور الفصح، فإننا نقع في خطأ كبير آخر، لأننا ننزع عن ابن الله إنسانيته وبشريته وواقع آلامه الرهيبة التي قاساها من أجلنا. 

لا يمكن ولا يصح أبدًا أن نفصل الصليب عن القيامة، كما تعلمون حَرصَ يسوع بشدة على هذا الأرتباط، فكلما ظهر القائم من بين الأموات للتلاميذ، ماذا كان يفعل؟ كان يُريهم يديه، وجنبه، وقدميه، يُريهم الجروح التي نالها على الصليب التي ظلت مفتوحة حتى القيامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد