إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تأملات في حياة القديس أنطونيوس البدواني: (5) الكارز بالنعمة

0 1

يعد القديس أنطونيوس البدواني أعظم القديسين في الكنيسة الكاثولكية، فقد وصفه البابا ليون الثالث عشر بأنه “قديس العالم أجمع”، فهو القديس الوحيد الذي تم إعلان قداسته بعد 11 شهرًا فقط من وفاته. لا يوجد مكان تنتشر فيه المسيحية في العالم لا يعرف الناس قصته ويلمسون معجزاته، بل إن الكنائس المكرسة له تأتي في المرتبة الثانية بعد تلك المكرسة للعذراء مريم. نعرف المعجزات التي صنعها، لكن اليوم أريد أن أتأمل معكم في أعظم معجزاته على الإطلاق والتي أتصور إنكم لم تسمعوا عنها من قبل، لأننا لا نتكلم عنها للآسف.

في بداية حياته وهو كاهن صغير في أحد أديرة الرهبة الأغنسطية تعرف على مجموعة من الرهبان الفرنسيسكان في مسيرة رحلتهم إلى بلاد لا تؤمن بالمسيح. لاحظ كيف هم بسطاء ولا يشعرون بالقلق من ذهابهم إلى بلاد غريبة للتبشير بالمسيح. اهتز بعنف بعد شهور عندما علم باستشهادهم جميعًا. تملكته رغبة قوية في أن يذهب هو أيضًا ليبشر بالإنجيل، رغبة في الاستشهاد مثلهم.. هذا هو مشروعه الخاص، خططته للمستقبل، لكن ليس مشروع الله أو خطته.  

نحن جميعًا نختبر هذا الأمر في حياتنا عندما نخطط للمستقبل، لكن تأتي الحياة بمفاجأت كثيرة. نحزن ونكتئب ونعيش حياة تعيسة ونبكي على تلك الأمور التي لم تتحقق ولم تسير كما كنا نتوقع. أراد أنطونيوس أن يكرز العالم الغير مؤمن حتى لو كلفه ذلك حياته، لكن كانت خطة الله مختلفة. سافر هو أيضًا إلى المغرب، لكنه لم يحقق شيء، أصيب بالملاريا وظل مريضًا لشهورًا طويلة. وبعد معاناة كبيرة قبل أن يعود إلى بلده. لنتخيل أزمة الرجل!

صعد للسفينة والتي كانت من المفترض أن تعيده إلى البرتغال لكن تعرضت السفينة لعاصفة شديدة دفعتها بطول البحر المتوسط بالكامل إلى أن وصلت إلى سواحل صقلية بجنوب إيطاليا. وجد نفسه في بلد لم يختارها. كم مرة في الحياة نجد أنفسنا نعيش أشياء لم نختارها، نشعر إننا مجبرون على قبولها.

تدفعه الحياة مرة أخرى لطريق مختلف، بعد شهرين من النقاهة، يتحرك مع الرهبان إلى اجتماع، دعى إليه القديس فرنسيس في أسيزي، مجمع الحصر، يسير لمدة ثلاثة أشهر كاملة ليصل إلى هناك. لم يعرفه أحد ولم يهتم به أحد. التحق بجماعة قام فيها بأبسط الأعمال لمدة عامين، بالرغم من إنه كان لاهوتي عظيم، لم يتذمر أو يعترض. تعرفون باقي القصة، وكيف لعبت الصدفة بأن يعظ في أحد التجمعات فتنفجر قدرته كافضل وعاظ الكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم.

ما هي أكبر معجزات أنطونيوس البدواني؟ هل هو تراءي الطفل يسوع على ذراعيه؟ هل استجابة الكائنات له فيسمع السمك عظاته وتسجد البغلة للقربان الذي يحمله؟ هل معجزة إعادة قدم الشاب المقطوعة؟ المعجزة الحقيقية هي في تخليه عن توقعاته وخططه التي كان يرغب فيها وقبوله لإرادة الله في حياته. كل ما خطط له انتهي بالفشل، لكنه عرف وأمن بأن الرب يقوده إلى طريق آخر. وثق في أن خطة الله أفضل من خطته، لذلك استسلم تمامًا لإرادة الله وسعى أن يسعى في حياته لتنفيذ مشيئته.

يكشف لنا في عظة من عظاته وهو يتأمل في كلمات المزمور 121 عن أسلوب الحياة التي عاشها يقول: «أَرْفَعُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي»؟ عندما تأتي الحياة بأمور غير متوقعة. عندما تكون الحياة التي تخيلناها، ورغبنا فيها، مختلفة تماما عن الحياة الحقيقية التي نعيشها. عندما أرغب في أذهب للتبشير فلا أنجح. عندما أريد العودة إلى وطني فتدفعني عاصفة قوية إلى بلاد غريبة لا أعرفها. عندما أمتلك قدرات مميزة للغاية ولكن لا أحد يلاحظ، لا أحد يهتم، كما حدث معي. عليَّ أن أرفع عيني إلى فوق، لأن «مَعُونَتِي مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ صَانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»!

يُقدَّم داود الرب على أنه الحارس الذي لا ينام؛ الحارس الذي يسهر ولا يتراجع أبدًا. مسألة النوم هذه أمر مهم، لأنكم إذا فكرتم في الأمر: ما هو النوم؟ النوم هو الانفصال، لم أعد على علاقة بالواقع، بأي شيء سوى اللاوعي الخاص بي؛ في النوم أقطع الاتصال بالعالم. نحن صغار جدًا لدرجة أننا مضطرون لقطع هذا الاتصال بانتظام، لأننا وإلا بعد فترة سنفقد صوابنا. فأشد أنواع التعذيب التي اخترعها البشر كانت الحرمان من النوم لفترات طويلة فينهار الإنسان نفسيًا وجسديًا وذهنيا.

أما الله، فهو ليس صغيراً. الله عظيم! الله لا يقطع التيار أبداً. هذه طريقة جميلة نعترف بها في حياتنا بأننا فقراء. نحن بحاجة إلى النوم، نحن بحاجة إلى أخذ فترات راحة… هذا يعني أن إخلاصنا قصير، أمانتنا قصيرة، محبتنا غير كاملة؛ نحن بحاجة إلى مساحات نلتقط فيها أنفاسنا. عندما نتكلم عن أي شيء علينا أن ندرك إننا بحاجة إلى استراحات، بحاجة إلى النوم، كل شيء في حياتنا غير كامل. أما الله فلا ينام، إنه الحب الذي يدوم إلى الأبد، الأمين دومًا: “إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ” (2 تي 2: 13).

متى يمكنا أن ننام؟ عندما نؤمن أن هناك حارس، يقظ لا ينام. يصل أنطونيوس إن المسيح أطلق عليه “الحارس” الراعي الذي يرعى قطيعه ولا ينام.لتوضيح فكرته يلجأ إلى سفر إرميا عندما يخاطبه الله في الإصحاح الأول قائلا: «ماذا أَنتَ ترى يا إِرِميا؟» فقُلتُ: «إِنِّي راءٍ غُصنَ شَجَرَةٍ ساهِرَة». فقالَ لِيَ الرَّبّ: «قد أَحسَنتَ فيما رأَيتَ، فإِنِّي أنا ساهِرٌ على كَلِمَتي لِأَصنَعَها» (أر 1: 11- 12). المسيح هو الشجرة الخضراء، كما قال عن نفسه وقت آلامه: لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟ (لو 23: 31).

نحزن ونكتئب عندما لا نحقق أهدافنا، ما خططنا له، لكننا نسنى أن الله لديه خطط آخرى، هو الراعي الذي لا ينام: يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ.5الرَّبُّ حَافِظُكَ. الرَّبُّ ظِلٌّ لَكَ عَنْ يَدِكَ الْيُمْنَى.. 7الرَّبُّ يَحْفَظُكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ. يَحْفَظُ نَفْسَكَ. 8الرَّبُّ يَحْفَظُ خُرُوجَكَ وَدُخُولَكَ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ“.  وإذا وضعنا ثقتنا في هذا الراعي الذي لا ينام، عندئذ يمكننا أن ننام نحن أيضًا.

كان أنطونيوس هو رسول كارز بالنعمة، لنقرأ معجزاته بطريقة صحيحة، فنحن نتوقف عند المعجزة، لكن لنرى هدف المعجزة. هناك حادثة جميلة له في فلورانس، لم يقبل المرابيين كلامه، لأنهم كانوا يستغلون حاجة الفقراء ويعطونهم قروض بفوائد كبيرة تسبب في افلاس الفقراء والأرامل. يتوفي أحد الأثرياء في البلدة، ينتظر أنطونيوس موكب الجنازة، وعندما يصل الميت أمامه يقول: “ما الفائدة من الصلاة على رجل هو بالفعل في الجحيم. فقلب الرجل في خزانته الحديدية لأنه كان مهووسًا باكتناز الأموال: “حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضاً”. شعر الناس بالصدمة، وفتحوا الخزانة فوجود قلبه، فعادوا وشقوا صدره فلم يجد قلبه. المعجزة ليس في هذا الأمر.. المهم كان التعليم الذي يريد القديس أنطونيوس أن يصل إلى الناس. لا تعتمد على شيء في الحياة سوى الله، هو حارسك وحافظك، لا تقلق من شيء وتدخره للمستقبل وتظن إنه يعطيك الأمان، فالرب وحده هو الذي يحفظ نفسك، يحفظ خروجك ودخولك الآن وإلى الأبد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد