يُشِعُّونَ حِينَئذٍ كالشَّمْسِ
إذا نظرنا حولنا، في العالم، في المحيط الذي نعيش فيه، في الشارع، وفي المنازل والكنائس أيضًا ماذا نلاحظ: هل الخير هو الغالب أم الشر؟ الإجابة متفق عليها بين الجميع فالشر هو السائد.
ما هو موقفنا أمام الشر السائد؟ هناك موقفين: الأول: أن نغار من الشرير وأوضاعه التي دائما تكون أفضل منا. لكن هذه تجربة يحذرنا من السقوط فيها المزمور 37 بقوله: “لاَ تَغَرْ مِنَ ٱلأَشْرَارِ وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ ٱلإِثْمِ، فإِنَّهم كالعُشبِ سُرْعانَ ما يَذْوون وكأخضَرِ الكَلإِ يَذْبلون” (1-2).
الموقف الثاني: هو أن نقارن أنفسنا بمن هو أدني منا، بالسارق والقاتل ومسببي العثرات. نقول “نحن أحنا أفضل حالاً.. أنا أذهب للقداس وأصلي وأخدم وأقوم بأعمال محبة”. نشعر بنوع من الطمأنية ونحن نقارن أنفسنا بِمَن أَشّر منا!!
جميعًا نشعر إننا أبرياء حين نقيس مستوى قداستنا على شخص أدني منا. لكن الحقيقة إن الشر تمكن من الجميع، بدرجات مختلفة. نحن في حاجة إلى أن نقارن نفسنا بما هو أعلى، بتلك الصورة التي على أساسها خُلقنا.
من نتائج الخطية هي تشويه لطبيعتنا الحقيقة وتحجب عنا رؤية حقيقة أنفسنا. إذا لم يتضع الإنسان أمام الله ويطلب أن ينقذه من نفسه فهو يعيش في وهم إنه قديس، وإنه أفضل من غيره، ولا يرتكب شرور كالآخرين. يقول باسكال: “كل مآسي الإنسان هي إنعكاس لعظمته”. قد خلقنا على صورة الله، لكن خطيئتنا هي التي تقودنا إلى الظلم والحقد. وإصلاح هذه الآفة البشرية يتم فقط عندما نعود بتواضع إلى الواحد الذي خلقنا.
لكن ماذا على الإنسان القديس، فهو الذي يشعر إنه خاطئ ومعوز لمحبة الله ورحمته. عند تفسير المسيح مثل الزؤان لتلاميذه يشرح لهم أن الصالحون سيضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم. سيضيئون. بمعنى أن الصالحين لا يشرقون دائمًا في هذه الحياة. أحيانًا، للأسف، يبقون مجهولين، مختبئين، محجوبين، مشوشين، غارقين في ظلام التاجهل من الآخرين، فلا يشعر بهم أحد..فالقديس شارل دي فوكو ظل مجهولا، عاش في الصحراء مع الطوراق البدائية في الصحراء، لكنه قُتل. لم يعرف به أحد، لم ينتبه إليه أحد. بعد 11 عاما وقعت مذكراته في يد أحد الكهنة مصادفة، فنشر قصته في العالم. وتبنت روحانيته العاملة وسط الناس رهبانية أصبحت الآن في العالم كله “أخوة وأخوات يسوع الصغار”. استغرق الأمر أكثر من 100 عام حتى تم إعلان قداسته على يد البابا فرنسيس في عام 2022، بالرغم من إنه قُتل في عام 1911.
بالفعل، أحيانًا، سواء بسبب ضغوط المجتمع، أو بسبب شرور الناس أو سطحيتهم، لا نستطيع أن نعرف من هم الصالحون، من يفعل حقيقةً الخير. لكن وحده الزمن كفيل بكشف الحقيقة.
وهذا يعلمنا أمرين على الأقل: لا تتسرع في تصنيف الناس، ولا تيأس إذا لم يُنظر إلينا كصالحين في نظر الآخرين.
