مريم… أنت ملجأنا

في ختام صلاة المسبحة اعتدنا على أن نرنم “يا أم الله” وفيها نذكر أكثر من مرة عبارات مثل: أنت ملجأنا.. وعليك رجاؤنا.. تشفعي فينا. أقدم ترنيمة معروفة نسمعها في الكنائس المصرية هي “في ظل حمايتك” وهي ترجع إلى نهاية القرن الثالث الميلادي. النص الأصلي للترنيمة وصل إلينا في اللغة اليونانية في بردية ممزقة وُجدت في عام 1917 والتي فيها نرنم: “لا تهملينا يا عذراء، والنص الأصلي لا تهملي طلباتنا واحتياجاتنا”. لماذا نطلب شفاعة العذراء مريم؟ والسؤال الأهم كيف تعمل مريم في حياتنا؟

في أول الآيات التي صنعها يسوع في قانا الجليل، كانت مريم حاضرة. لم يكن أحد يعرف يسوع كابن الله، كانوا يعرفون فقط أنه ابن يوسف. يقول يوحنا: “وفي اليَومِ الثَّالِث، كانَ في قانا الجَليلِ عُرسٌ وكانَت أُمُّ يَسوعَ هُناك”. لماذا يقول “في اليوم الثالث”؟ إذا قرأنا الإصحاح الأول سنكتشف إن يقول في البدء كان الكلمة.. ثم في الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا.. في الغد أيضا يختار تلاميذه، ثم في الغد يدعو فيلبس ونثنائيل.. وبعدها يقول “وبعد اليوم الثالث”. عدد الأيام بعد أن قال في البدء هو ستة أيام، وتحديدًا في اليوم السادس يذهب إلى عُرس قانا.

يعيد العهد الجديد قصة الخلق وفي اليوم السادس يحضر ذلك الحفل. فالحفل يمثل الحياة التي نعيشها. في الحياة نكون مشغولين بتفاصيل كثيرة مثل: الأكل والشرب، العلاقات مع الآخرين، الفرح والسعادة في الحياة. ولأننا منشغلين جدًا فنحن لا ندرك أن الخمر يوشك على النفاذ. حفل الزفاف هو حياتنا، التي نفرح فيها لكن تمر الأيام وننشغل فلا ترى عيوننا الخمر الذي ينفذ منا. والخمر في الكتاب هو عنوان للفرح والسعادة. ما هو موقفنا إذا نفذ الفرح؟ هل نتصور تعاسة أهل العُرس وهم محرجون أمام الضيوف. لكن بينما الجميع يركزون على الحفلة، مريم هي الوحيدة التي تدرك أن هناك مأساة على وشك الحدوث، وهي أن الحفلة على وشك أن تنهار بسبب نفاد الخمر.

لا أحد يلاحظ ذلك، فقط مريم تلاحظه. كيف يمكننا أن نصف انتباهها هذا؟ يمكننا أن نصفه بالحب الوقائي. مريم تقلق أولاً، قبل أن تقع المأساة، قبل أن تقع المشكلة، قبل أن تصبح الأمور درامية. نحن معتادون على التفكير، لدي مشكلة وأذهب إلى مريم، لدي مشكلة وأطلب شفاعة مريم. لا، أيها الأصدقاء، هذا خطأ. في الواقع، قبل أن نلاحظ هذه المشكلة، عيناها بالفعل علينا.

هذا ما يجعل مريم فريدة ومهمة في حياتنا كمسيحيين، هذا ما يجعلنا نرنم في ظل حمايتك نلتجئُ.. أنت ملجأنا يا مريم. نؤمن بأننا محبوبون بحب استباقي، هي أمنا تلاحظ ما نحتاج إليه، ما ينقص حياتنا قبل أن نفطن نحن إليه. تحمل طلباتنا إلى يسوع وتقول له: “ليس لديهم خمر”.

بماذا أجاب يسوع: «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ! لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ». سيقول لمريم تحت الصليب نفس العبارة «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». ثم يقول للتلميذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى بيَته”. يوحنا لم يذكر اسم التلميذ، لكنه يتركه مجهول، بحيث يضع كل إنسان اسمه مكانه. هو الشخص الذي يسمح ليسوع أن يحبه. الذي يجعل المسيح في مركز حياته فيحبه يسوع.  كل تلميذ ليسوع هو الحبيب إليه. ذلك التلميذ هو أنت. قبل أن يموت المسيح على الصليب يفكر فيك، كيف ستهزم أجناد الشر في هذه الحياة؟ كيف ستهزم تحربة الحية المستمرة. هنا يعطي كل إنسان أمه مريم، هي والدة الكنيسة. يعطينا ميراثه، كل ما له في الحياة لنحيا به، يعطينا شفيعتنا الدائمة لتصحبنا في الحياة. هنا أسأل نفسك هل مريم معك في البيت، في العائلة، في حياتك الشخصية.

لكن علينا أن ننتبه أن يسوع لم يوافق أمه مريم مباشرة على طلبها، ظهر لا يريد أن يمنح هذه النعمة، لا يريد أن يصنع المعجزة. نصلي كثيرًا ونشعر كما لو إن الله لا يريد أن يستجيب لنا، كما إنه لا يستمع لنا. في هذا الموقف تظهر مريم لتحصل على موافقة يسوع، تتصرف كما لو حصلت على الإذن، توجهت إلى الخدم قائلة لهم: «مَهما قالَ لَكم فافعَلوه».

ماذا قال يسوع لنا؟ ماذا قال لنا في الأناجيل؟ لنتخيل أن الخدم عندما قال لهم أملاؤا الأجران ماء، لم ينفذ طلبه. هل كانت حدثت المعجزة! بالطبع لا. لكن الخدم اتبعوا التعليمات التي أعطاها يسوع، وهي بسيطة جدًا. لقد تم الحصول على النعمة لأن أحدهم لاحظ قبلنا، أحدهم فعل شيئاً من أجلنا، لكن أحدهم طلب منا أن نفعل شيئاً.

مَن لديه مريم في البيت، مَن تلاحظ مريم حياته تحمل له النعم التي تبدو مستحيلة. هي إنسانة مثلا استطاعت أن تسمع كلمة الله وتتصورها داخلها، أن تعمل بها. لنتذكر عندما أراد أحدى النساء أن تمدح يسوع قاله له: “طوبي للبطن الذي حملك” (لوقا 11: 27)، لكن المسيح رد قائلا: “بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها”، ليدل على فرادة مريم في تاريخ البشر، فهو أول تلميذة سمعت كلمة الله وعملت بها.

مريم هي ملجأنا ورجاؤنا لأنها لديها كل الخبرات التي تساعدنا على أن نحصل على كل النعم التي نرغب فيها. شرط أن نعمل ما يقوله لنا يسوع.

Comments (0)
Add Comment