تحتفل الكنيسة اليوم، 6 أغسطس، بعيد تجلي الرب أعلى الجبل، بعد أن أصطحب معه ثلاث تلاميذ فقط: بطرس ويعقوب ويوحنا. كان لدي التلاميذ اسئلة كثيرة بقت دون إجابات بعد حديث يسوع معهم في قيصيرية فيلبُس. لقد أنباهم لأول مرة بآلامه وصلبه وقيامته فكانت صدمة التلاميذ كبيرة، خاصة بطرس الذي عاتبه، وهو المسيح الذي ينتظرونه ليخلص إسرائيل، من أن يصيبه تلك النبؤة. ثم نطق بهذه العبارة الصادمة: “الحَقَّ أَقولُ لكم: مِنَ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ الموتَ حتَّى يُشاهِدوا ابنَ الإِنسانِ آتِياً في مَلَكوتِه” (مت 16: 28).
يصعد الرسل معه للجبل حاملين معهم أسئلتهم. لكن لم يجبهم يسوع بالكلمات، أو بتعليم جديد. يخبرنا لوقا أن يسوع صعد إلى الجبل ليس ليجيب مباشرة على أسئلة الرسل أو ليتجلى، بل ليصلي، وليدخل في حوار مع الآب (لو 9: 28) . لم يُخبرنا عن مضمون تلك الصلاة؛ قبل آلامه، سيقول يوحنا إنه صلى من أجل نفسه ومن أجل تلاميذه ومن أجل أولئك الذين سيؤمنون بكلمتهم (يو 17). من خلال الصلاة، أدرك يسوع أن الآب لن يتخلى عنه أبدًا. يُقال إننا لكي نواجه صعوبات وتجارب الحياة علينا أولا أن نتدرب ونتكتسب خبرات تؤهلنا لاجتباز المحنة. ربما هذا ليس صحيحًا تمامًا. إن ما يساعدنا على تحمل الألم ومواجهة المحنة هو في المقام الأول اليقين بأننا محبوبون.
على الجبل، يمنح الآب يسوع تجربة حب ستنير طريقه إلى أورشليم. من خلال الصلاة، يدرك يسوع أنه يمكنه أن يعيش المعاناة بتسليم أبوي، ويدرك أن معاناته يمكن أن تصبح خلاصية إذا عاشها في محبة وثقة بالله الآب. في الصلاة، تبدو إرادة الله له أكثر وضوحًا، فيتمكن من قبولها بكل استعداد؛ تمنحه الصلاة اليقين بأن الأب دائمًا قريب منه. يتجلى التمسك بإرادة الأب أيضًا في جسده: أشرق وجهه كالشمس وأصبحت ثيابه بيضاء. بينما كان يصلي للآب، «تغيرت ملامحه أمامهم»، كما يقول مرقس ومتى. كان آدم قد حاول أن يصل إلى الألوهية في عصيانه لله، فوجد نفسه عارياً. يصبح يسوع شبيهاً بالله حتى في البعد الجسدي عندما يتحاور مع الآب ويثق به.
أمام جمال تجلي ابن الله وسماعهم صوت الآب وهو يعلن حقيقة وكينونة يسوع كابن لله، لم يجد بطرس مفرًا من الإقرار بأن ما يراه جميل للغاية. كان داود ومعه كتاب العهد القديم يصلون: “فيكَ قالَ قلبي: «اِلتَمِسْ وَجهَه» وَجهَكَ يا رَبِّ أَلتَمِس. لا تَحب وَجهَكَ عنِّي”. واليوم نتأمل مع الرسل الثلاث الأبرع جمالاً بين البشر. هذا الجمال، الذي يضعه الروح فينا، هو جزء من المسيرة المسيحية، وهو جمال يجب أن نرغب فيه ونزرعه، لأنه سيكون أبديًا. يكتشف بطرس ويحتفل بجمال الحب الذي يخلص ويقدم نفسه نورًا وقوة في لحظة الحيرة والألم الحالية، يكتشف جمال محبة يسوع، الذي يكشف عن قلب الآب. أصبح يسوع على الجبل جميلاً لأنه سمح للآب أن يحبه، وسلم نفسه له.
ينتهي الحدث الملئ بالتفاصيل باقتراب المسيح من التلاميذ الثلاث الخائفين والمرعبوين من المشهد، قائلا: «قوموا، لا تَخافوا». هذا الجمال الذي رأيتموه ليس ملكية نحصل عليها وحدنا ونتنعم بها، بل هو عطية. يجب أن يُعطي للآخرين ولا أن يُحتفظ به. يدعوهم إلى مواصلة السير دون خوف، والنزول من الجبل إلى الحياة العادية والبدء في الرحلة الكبيرة التي ستقود ابن الإنسان إلى أورشليم. إنها دعوة لنا أيضًا إلى السير نحو أورشليم السماوية دون خوف، مع العلم أن الله معنا، وبالتالي فإن الحياة جميلة ومن الجميل أن نكرس أنفسنا لملكوته.
إنها دعوة لإعادة اكتشاف أسباب إيماننا أمام الشر الذي يدمر الأرض، لإعادة اكتشاف الدوافع العميقة لخدمتنا لمجد الله. إنها دعوة لاستقبال الجمال الذي يخلص ومشاركته مع الجميع. من يختبر الجمال الذي ظهر على جبل التجلي، ومن يترك نفسه يتصالح مع الآب، يكتشف جمال الوجود ويصبح مبشراً بهذا الجمال بالكلمة والحياة، ليشاركه مع من لا يعرفه ومع من يبحث عنه بأشكال مختلفة. جمال المحبة الإلهية يؤدي إلى تجاوز الفردية، المنتشرة بين المسيحيين، وإلى إعادة اكتشاف قيمة الـ “نحن” في حياة كل منّا.