لماذا الكرمة بالذات؟

جميعنا يعرف تفسير مثل الكرامين القتلة في لو 20: 9- 19: يقدم المثل ملخصًا لقصة الله مع الإنسان. هذه القصة مستمرة وتمس كل واحد من اليوم. لا يجب أن نطبقه على الآخرين، على الأشرار، الذين صلبوا وقتلوا ابنه الوحيد، بل هو مرآة لما نفعله اليوم. الإنجيل هو قصة حياتي اليوم.

أول ما نقف أمامه هو نوع الحقل الذي أراده الله. كرمة.. لماذا الكرمة بالذات.. لأن كل الأشجار الموجودة في الطبيعة، كبيرة أو صغيرة، لها فائدة، يمكن أن نصنع من خشبها شيء أو نستفيد منه في شيء ما. فالأشجار الكبيرة نصنع منها الأثاث، وأغصان الأشجار الصغيرة في طب الأعشاب التي تساعد الإنسان وتعالج بعض الأمراض. كل خشب الأشجار مفيد ما عدا الكرمة، لماذا؟ لأن خشب الكرمة أردأ من كل خشب آخر “لا يعمل منه أي مصنوع” ولهذا ففائدته محصورة بنوع الثمر الذي يحمله. لكن إذا ثبت في الكرمة فإنه يعطي ثمرًا.  غصن الكرمة لا يشكل شيئاً بحد ذاته، لأنه عقيم غير نافع. فائدة الوحيدة هي أن يحمل عصارة الكرمة إلى الثمرة فتنتج العنب.

عندما خلق الله الإنسان كانت أول كلماته له هي أن يكون مثمرًا: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». للآسف نظن أن الثمرة مرتبط بالإنجاب، لكنه مرتبط برسالة الإنسان على الأرض وهي أن يكون على مثال الله، أي يكون علامة حضوره. الله محبة، والثمرة الوحيدة المطلوبة من الإنسان أن يعيش المحبة في حياته.

شبه المسيح نفسه بالكرمة وطلب أن نثبت فيه، نحن كأغصان لن تكون لنا فائدة إلا أن نحمل عصارة المحبة من أصل الكرمة ونصل بها إلى النهاية حتى تعطي ثمرة. “أَنا الكَرْمةُ وأَنتُمُ الأَغصان. فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً لأَنَّكُم،بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً”. يرتبط الغصن بالجذر والذي منه يستمد الحياة والغذاء، كذلك نحن من يوم العماد ارتبطت بيسوع برباط أبدي، رباط حيوي، فمنه وحده نستمد الحياة، وبه وحدة “نحيا ونتحرك ونوجد، وبدونه لا يكون شيء مما كان”. رباط يفوق روابط الصداقة والقرابة والزواج.

لكن أحيانًا لكي تعطي الكرمة ثمار أفضل، تحتاج كل سنة وفي فصل الربيع، إلى التقليم. يقوم الكرام بقص الأغصان الجافة وأزالة الأوراق الجافة. إذا نظرت إلى الكرمة في فصل الربيع وقت التقليم تجدها ضعيفة ومجروحة، لكن تمتلئ بعناقيد العنب في فصل الخريف بفضل التقليم الذي خضعت له الكرمة. نحن كذلك عندما تعصف بنا التجارب والأتعاب والتخلي فنعتقد إننا أنتهينا، لكن الحياة سرعان ما تعلمنا أن التجارب كان مفيدة لنا، وإن المعاناة تطهرنا، فلا يمكن أن تكون حياتنا مثمرة دون أن نتعرض للتقليم: “إِنَّ كُلَّ تَأديبٍ لا يَبْدو في وَقتِه باعِثًا على الفَرَح، بل على الغَمّ. غَيرَ أَنَّه يَعودُ بَعدَ ذلِكَ على الَّذينَ رَوَّضَهم بِثَمَرِ البِرِّ وما فيه مِن سَلام” (عبرانيين 12: 11).

خلقنا من أجل: أن تؤتي ثمارًا وأن نبقي مثمرين: “وأَقمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا ويَبْقى ثَمَرُكم”.   لأن الآب الذي يحبنا لا يريدنا أن نعاني، هو فقط يريدنا أن ننمو. “أَلا إِنَّ ما يُمَجَّدُ بِه أَبي أن تُثمِروا ثمراً كثيراً” (يو 15: 8). مجد الله ليس الإنسان العاقر والغير مثمر بل الإنسان الحي المثمر. مثمر على المستوى الإنساني والمستوى الروحي فيحصد ثمار الروح: “المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق” (غلاطية 5: 22)؛ ثمار تبقي إلى ما بعد الموت، يحصد ويتذوق تلك الثمار آخرين بعد مئات من السنوات.  

Comments (0)
Add Comment