إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

العظة الثانية للأب رانييرو كانتلاميسا في زمن الصوم

0 645

الله محبّة
الفاتيكان، الجمعة ٠١ أبريل ٢٠١١. (Zenit.org) – ننشر في ما يلي العظة الثانية لزمن الصوم التي ألقاها واعظ الدار الحبرية الأب رانييرو كانتالاميسا الكبوشي اليوم في الفاتيكان.

إنّ البشرى الأولى والأساسية التي يقعُ على الكنيسة مسؤولية حملها إلى العالم، والتي ينتظرها العالمُ من الكنيسة، هي محبةُ الله. ولكن، حتّى اللحظة التي تمكّن فيها الإنجيليون الأربعة نقلَ هذه الحقيقة، كان لابدّ لها أولاً أن تخترقَ أعماقهم وأن تكون نورًا لحياتهم. ولهذا الغرض يخدمُ هذا التأمّل، على الأقل في جزءٍ صغير منه.

إن لتعبير “محبة الله” معنيان مختلفان جدًا عن بعضيهما: أولُهما يكونُ فيه اللهُ المفعولَ به وفي الآخر الفاعلَ؛ أحدُهما يشير إلى محبتنا لله والآخر إلى محبة الله لنا. فالإنسانُ، الميّال بطبيعته ليكون مبادرًا أكثر من كونه اتكاليًا، دائنًا أكثر من كونه مديونًا، أعطى الأولوية دومًا للمعنى الأول، أي لذلك الذي نفعلُهُ نحنُ تجاه الله. وحتّى الكرازةُ المسيحية تبعتْ هذا الطريق؛ ففي بعض العصور تكلّمت فقط عن “واجب” محبة الله (“De diligendoDeo”). إلاّ أنّ الوحي الكتابي يُعطي الأولوية للمعنى الثاني، لحبّ الله ذاته وليس للحبّ الموجّه إلى الله. كان أرسطو يقولُ إنّ اللهَ يحرّك العالم “بقدر ما يُحَب”، أي بقدر كونه موضوع حبّ والعلّة الأخيرة لجميع الخلائق. ولكن الكتاب المقدس يقولُ تمامًا العكسَ؛ فاللهُ يخلق ويحرّك العالم بقدر ما يُحبُّ العالمَ. فالمهم في محبة الله ليسَ إذًا محبةُ الإنسان لله، بل محبة الله للإنسان “أولاً”: “وما تقومُ عليه المحبّة هو أنّه لسنا نحنُ أحبَبْنا الله بل هو أحبّنا” (١ يوحنا ٤، ١٠). وعلى هذا يتوقفُ كلُّ شيء، حتّى إمكانيّة حبّنا لله: “أمّا نحنُ فإنّنا نحبّ لأنّه أحبّنا قَبل أن نحبّه” (١ يوحنا ٤، ١٩(.

محبة الله في الأبدية
يوحنّا هو رجلُ القفزات الكبرى. ففي كتابة تأريخ المسيح الأرضي، انكبّ الآخرون على رواية ولادته من مريم. أمّا هو فقفزَ قفزةً كبيرة إلى الوراء، إلى زمن الأبدية: “في البدء كان الكلمة”. ويفعلُ الأمرَ ذاته في الحبّ؛ فالآخرون، وبضمنهم بولس، تكلّموا عن حبّ الله الذي أظهره في التأريخ والذي تتوجَ بموت المسيح، أمّا هو فيصعدُ بالزمن إلى ما أبعد من التأريخ. لا يقدّم لنا فقط اللهَ الذي يُحبّ، بل أيضًا اللهَ الذي هو محبّة. “في البدء كان الحبّ، والحبّ كان لدى الله والحبّ كان الله”: هكذا نفهمُ معنى: “الله محبة” (١ يوحنا ٤، ١٠) الذي يقولُهُ في رسالته.

عن هذا الموضوع كتبَ القديس أوغسطينوس: “لو لم يكن في تلك الرسالة، وفي صفحاتٍ أخرى من الكتاب المقدّس، أيّ ثناءٍ للحبّ خارجَ هذه الكلمة، أي الله محبة، لمَا كنّا نسألُ أكثر”. والكتابُ المقدّس ليس سوى “رواية محبّة الله”. هذا هو الخبر الذي يفسّرُ كلّ شيء. كان وجودُ الله موضوعَ نقاشٍ غير منته دومًا، وليس اليوم فقط، ولكنني أعتقدُ أنّ الأمر الأهم ليس معرفة فيما إذا كان اللهُ موجودًا، بل إذا كان محبّة. فلو افترضنا أنه موجود ولكنه ليس محبّة، سنخافُ من وجوده أكثر ممّا سنفرحُ به، كما حدث لدى الكثير من الشعوب والحضارات. لكنّ الإيمان المسيحي يضمنُ لنا هذه الحقيقة: الله موجودٌ وهو محبّة!

نقطةُ الأنطلاق في رحلتنا هي الأبدية. لماذا يؤمنُ المسيحيون بالأبدية؟ الجوابُ هو لأنّهم يؤمنون أنّ الله محبّة. فعندما يُدركُ اللهُ كشريعةٍ مطلقة وسلطانٍ جبّار، يتّضحُ عندها عدم الحاجة لتعددية الأقانيم، ولذلك لا يُفهمُ الثالوث. فالقانونُ والسلطانُ يُمكن أن يُمارسهما شخصٌ واحد، أمّا الحبّ فلا.

لا يوجدُ حبٌ إن لم يكن حبًّا لأمرٍ ما أو لشخصٍ ما، كما يقول الفيلسوف هوسيرل، ولا توجدُ معرفة إن لم تكن معرفة لشيءٍ ما. مَن الذي يحبُّ الله ليكون حبًّا؟ البشرية؟ ولكن البشر يُوجودون على هذه الأرض منذ بضعة ملايين من السنين فقط. قبل ذلك الوقت، مَن كان يحبّ الله ليكونَ حبًّا؟ لا يمكنُ أن يبدأ حبّه في لحظةٍ من الزمن، لأن اللهَ لا يغيّر وجوده. الكون؟ ولكن الكون يوجد قبل عدة مليارات من السنين. وقبلها، مَن كان يحبّ الله ليكون حبًّا؟ لا نستطيع القول: كان يحبّ ذاته لأنّ حبّ الذات ليس حبًّا بل أنانية، أو كما يقول علماءُ النفس، نرجسية.

وهذا هو جوابُ الوحي المسيحي الذي تلقّته الكنيسة من المسيح ووضعته في قانون إيمانها. الله محبّة في حدّ ذاته، قبل الزمن، لأنّ له ابنٌ، الكلمة، الذي يحبّه حبًّا أزليًا وهو الروح القدس. ففي كلّ حبّ هناك ثلاثة حقائق أو مواضيع: المُحب، المحبوب، والحبّ الذي يجمعهما.

حبّ الله في الخليقة
عندما يدخلُ هذا الحبُّ المصدرُ في الزمن، يبدأُ عندها تأريخُ الخلاص. وتبدأ المرحلةُ الأولى فيه بالخليقة. الحبُّ بطبيعته “diffusivum sui”، أي يميلُ لأن يُنقل لآخرين. وبما أن “السلوكَ يتبعُ الكينونة”، فلأنّه حبّ، فاللهُ يخلقُ بالحبّ. “لماذا خلقنا الله؟”: كان هذا السؤالَ الثاني من التعليم المسيحي القديم، وكان الجواب: “لنعرفه ونحبّه ونخدمه في هذه الحياة، ونتمتّع به في الحياة الأخرى، في الفردوس”. جوابٌ لا مجال للطعن فيه، ولكنه جزئي. إذ يجيبُ على السؤال حول علّة العلل: “لماذا خلقنا، ما الذي دفعه لأن يخلقنا”. على هذا السؤال لا يمكن الإجابة: “لكي يُحبّنا” بل “لأنّه أحبّنا”.

بحسب اللاهوت الرابيني، الذي أشارَ إليه قداسةُ البابا في كتابه الأخير حول يسوع، “الكونُ خُلِقَ ليس لأنّ هناك العديد من الكواكب وأمورٍ كثيرةٍ أخرى، بل لأنّ هناك مجالٌ للعهد، و”نعم” الحبّ بين الله والإنسان تستجيبُ له”. فالخليقةُ يُنظر إليها من منظار حوار حبّ الله مع خلائقه.

كم هي بعيدة، في هذا الصدد، النظرةُ المسيحية عن أصل الكون عن تلك العلمية الملحدة! واحدةٌ من أعمق الأمور التي يعاني منها الشابُ أو الشابة، هو أن يكتشف يومًا أنه موجودٌ في العالم بالصدفة، غير مرغوبٍ فيه ولا أحد ينتظره، وربما جاء نتيجة خطأ الأبوين. هذه العلمية الملحدة كافية لولادة هذا النوع من المعاناة داخل الإنسانية. لا أحد سيعرفُ إقناعنا كيفَ خُلقنا بالحبّ أفضلَ من القدّيسة كاترينا السيانية في أحدى صلواتها الحارّة للثالوث:

“كيف خلقتَ أيّها الآب الأزلي خليقتكَ هذه؟ (…). أجبركَ النارُ. أيّها الحبّ الأبدي، رغم أنك ترى بسراجك جميعَ الآثام التي اقترفتها خليقتُكَ ضدّ طيبتك اللامتناهية، فإنّك تواصلتَ وكأنّك لم ترى، لا بل وجّهتَ نظركَ إلى جمال خليقتك التي أحببتَها كمجنونٍ، وبالحبّ جذبتَها إليك مانحًا إياها صورتك ومثالك. أنت الحقيقة الأبدية، أعلنتَ لي حقيقتكَ، وهي أن الحبّ يجبركَ على خلقِها”.

هذه ليست الآغابي agape فقط، المحبة الرحومة، العطاء والتنازل، بل أيضًا الايروس erosفي حالته النقيّة؛ إنّه جاذبية نحو موضوع الحبّ ذاته واحترام جماله.

حبّ الله في الوحي
المرحلة الثانية من حبّ الله هي الوحي، الكتابُ المقدس. اللهُ يكلّمنا عن حبّه خاصًّة من خلال الأنبياء. فيقولُ على لسان هوشع: “لمّا كانَ إِسرائيلُ صبيًا أحببتُه (…) أنا دَرَّجتُ أفرائيمَ وحَمَلتُهم على ذِراعي، لكنّهم لم يعلموا أنّي آهتممتُ بِهم. بِحبال البشر، بِروابِط الحبّ اجتذبتهم وكنتُ لهم كمن يرفعُ الرّضيعَ إِلى وجنَتيه وانحنيتُ عليه وأطعمته (…) (هوشع ١١: ١-٤).

نجدُ نبرة الكلام ذاتها في إشعيا: “أتنسى المرأةُ رضيعها فلا ترحم آبن بطنها؟ حتّى ولو نسيت النّساءُ فأنا لا أنساكِ” (اشعيا ٤٩، ١٥) وفي ارميا: “أيكونُ أفرائيمُ آبنًا لي عزيزًا ولدًا أتنعّمُ بِه؟ فإِنّي كلّما تحدّثتُ عنه لا أنفَكُّ أذكره فلذلك آهتزّت له أحشائي” (ارميا ٣١، ٢٠).

في هذه الهتافات، يُفهمُ حبُّ الله في الوقت ذاته كحبّ الأب وكحبّ الأم. يتكوّنُ حبُّ الأب من الاحترام والعناية: فالأبُ يريدُ تربية الابن ليصلَ إلى الرشد، ولذلك يُصححُ له أخطاءه ومن الصعب أن يمدحه بحضوره خوفًا من أن يعتقدَ الأبنُ بوصول المبتغى ولا حاجة له بالتالي لأن يتقدّم اكثر. أمّا حبّ الأم فيتكوّن من روح التقبّل والحنان: إنّه حبٌ “أحشائي” ينبعثُ من أعماق أنسجة كينونة الأم، هناك حيث الخليقة تتكوّن، وهناك أيضًا كاملُ شخصيتها التي تجعلُ منها “ترتعشُ من العطف”.

على الصعيد الإنساني، هذان النوعان من الحبّ كانا دومًا مفترقين. الفيلسوف سينيكا Seneca كان يقول: “ألا ترى الاختلاف في طريقة محبة الآباء عن الأمهات؟ فالآباءُ يُوقظون أبناءهم مبكرًا لكي يباشروا دراستهم، ولا يسمحون لهم بأن يكونوا كسالى، بل يجعلوا عرقهم يتصبب وأحيانًا الدموع أيضًا. أمّا الأمهات فيحملنهم في البطن ويبقينهم قريبين منهنّ ويمتنعن عن معارضتهم أو عن جعلهم يبكون أو يتعبون”. بينما أعطى إلهُ الفيلسوف الوثني البشرَ فقط “روحَ الأب الذي يحبّ دون ضعف” (من كلماته)، اللهُ الكتابي له أيضًا روح أمٍّ تُحبُّ “بضعفٍ”.

يعرفُ الإنسان من خبرته نوعًا آخر من الحبّ يُقال عنه “إنّه قويٌ ووهيجه وهيج نار” (٨، ٦)، وقد التجأ اللهُ لهذا النوع من الحبّ أيضًا في الكتاب المقدس ليكلّمنا عن حبّه العاشق لنا. جميعُ مراحل وتقلبّات الحبّ الزواجي مستخدمة لهذا الغرض: سحرُ الحبّ الذي ينشأُ في الخطوبة (راجع أرميا ٢، ٢)، ملءُ فرح يوم العرس (راجع هوشع ٢، ٤)، مأساةُ الانفصال (راجع هوشع ٢، ٤) وأخيرًا الولادة الجديدة المليئة بالرجاء للعلاقة القديمة (راجع هوشع ٢، ١٦؛ اشعيا ٥٤، ٨).

إن الحبّ الزواجي أساسًا هو حبّ الرغبة والاختيار. وإذا كان صحيحًا أن الإنسانَ يرغبُ في الله، فصحيحٌ وبصورةٍ سرّية العكسُ أيضًا، أي أن اللهَ يرغبُ في الإنسان، يريدُ ويحترمُ محبته ويفرحُ من اجلها “كما يفرحُ العريسُ بالعروس” (إشعيا ٦٢، ٥).

وكما يشيرُ قداسةُ البابا في “الله محبة”، بأنّ مجازَ الزواج الذي يخترقُ جميع الكتاب المقدّس ويوحي لهجة “العهد”، هو أفضلُ برهان بأنّ حبّ الله لأجلنا هو ايروس وأغابي، عطاء وأخذ في الوقت ذاته. فلا يمكن تحديدُه في مجرّد رحمة أو “عمل محبة” للإنسان، بالمعنى المصغَّر للكلمة.

حبّ الله في التجسّد
نصلُ هكذا إلى المرحلة قمّة حبّ الله وهي التجسّد: “هكذا أَحبَّ اللهُ العالمَ حتّى إنّه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلكَ كلّ من يؤمن به بل تكونَ له الحياةُ الأبديّة” (يوحنا ٣، ١٦). أمام التجسّد يُطرحُ السؤال ذاته والذي طرحناه في مرحلة الخليقة. لماذا صارَ اللهُ إنسانًا؟ لوقتٍ طويل كانت الإجابة: ليحررنا من الخطيئة. تعمّقَ دُون سكوْت في الإجابة جاعلاً من الحبّ السببَ الرئيسي للتجسّد، على مثال جميع أفعال الثالوث.

اللهُ، يقولُ سكوت، يحبّ أولاً ذاته ويريدُ ثانيًا أن يحبّه جميعُ الكائنات الأخرى (“secundovultalioshaberecondiligentes”). وإذا صارَ التجسّد، فلأنّ هناك كائنٌ آخر يحبّه بأكبر حبٍّ ممكن خارجًا عن ذاته. فالتجسّد كان سيتمّ حتى لو لم يخطأ آدم؛ فالمسيحُ هو أولُ الفكرة والإرادة، هو “بكرُ الخلائق” (قولسي ١، ١٥)، وليس الحلُّ لمشكلة خلّفتها خطيئةُ آدم.

ولكن جواب سكوت جزئيٌ أيضًا، يكتملُ على أساس ما يقوله لنا الكتاب المقدس عن حبّ الله: الله أراد تجسّد الابن، ليس لأنّه أرادَ فقط شخصًا خارجًا عن ذاته يحبّه بطريقةٍ تلائمه، ولكن خاصّةً ليكون له شخص خارج عنه ليحبّه بطريقةٍ تلائمه هو! وهو الابن الذي صار إنسانًا، وفيه الآب “وجدَ رضاه” ومعه أصبحنا جميعًا “ابناء الابن”.

المسيحُ هو دليل حبّ الله للإنسان ليس بالمعنى الموضوعي، على طريقة الوثني الميّت الذي يعطي لأحدٍ ما من حبّه، بل بالمعنى الذاتي. وبكلماتٍ أخرى، ليست هي تجربة لحبّ الله، بل حبّ الله ذاته الذي اتّخذَ شكلَ إنسان ليحبّ ويكون محبوبًا في عالمنا. في البدء كان الحبّ و “الحبّ أصبحَ جسدًا”: هكذا ينقلُ نصٌ مسيحي عريقٌ في القدم مستقى من كلمات يوحنّا الانجيلي.

ويستخدمُ مار بولس تعبيرًا خاصًّا لهذه الطريقة الجديدة لحبّ الله، ويسمّيها “حبّ الله في يسوع المسيح” (روما ٨، ٣٩). وكما قيلَ في المرة السابقة، كلُّ حبّنا لله عليه من الآن أن يتجسّد بصورةٍ حقيقية في حبٍّ للمسيح، لأنّ كلّ حبّ لله بالنسبة لنا يجدُ تعبيره في المسيح.

حبّ الله المنسكب في القلوب
تأريخُ حبّ الله لا ينتهي بقيامة المسيح، بل يستمرّ في العنصرة التي تجعل حاضرةً وفعّالة “محبّةَ الله في يسوع المسيح” إلى انتهاء العالم. لسنا ملزمون بالتالي لعيش ذكرى محبّة الله فقط وكأنّها أمرٌ من الماضي. “محبّة الله أفيضَت في قلوبنا بالرّوح القدس الذي وُهِبَ لنا” (روما ٥، ٥(.

ولكن، ما هو هذا الحبّ الذي احتفظنا به في قلوبنا يومَ المعموذية؟ هل هو تعاطفُ الله تجاهنا؟ هل هو استعداده الطيّب تجاهنا؟ نزعة؟ شيءٌ إرادي؟ إنّه أكثر من ذلك، إنّه أمرٌ حقيقي. إنّه في الرسالة حبّ الله، أي الحبّ القائم بين أشخاص الثالوث، الآب والابن، والذي اتّخذ في التجسّد شكلاً بشريًا ويشارك الآن معنا تحت شكل “حضورٍ حميم”. “أحَبَّه أبي ونأتي إليه فنجعلُ لنا عنده مُقامًا” (يوحنّا ١٤، ٢٣).

نصبحُ بذلك “مشاركين في الطبيعة الإلهية” (٢ بطرس ١، ٤)، أي مشاركين في الحبّ الإلهي. نجدُ أنفسنا بالنعمة، يشرحُ يوحنا الصليبي، داخل دوامّة الحبّ في الثالوث بين الآب والابن. وبكلماتٍ أفضل: بين دوّامة الحبّ الآن في السماء بين الآب وابنه يسوع المسيح القائم من بين الأموات ونحن أعضاؤه.

آمنا بحبّ الله !

فإذًا، أيها الآباء الأعزاء، الإخوة والأخوات، ما أشرتُ إليه ببساطة هو الوحي الذاتي لحبّ الله في التأريخ. والآن نأتي إلى أنفسنا: ماذا سنفعل، ماذا سنقول بعد أن سمعنا كمْ يحبّنا الله؟ أول إجابة هي: أن نواصلَ محبّتنا لله! أليس هذه أول وأهمّ وصيّة في الشريعة؟ نعم، ولكنّها تأتي فيما بعد. جوابٌ آخر: أن نحبّ بعضنا كما أحبّنا الله! ألا يقول الإنجيلي يوحنّا أنه إذا كان الله أحبّنا “فعلينا نحنُ أيضًا أن نحبّ بعضنا بعضًا” (١ يوحنا ٤، ١١)؟ وحتّى هذه تأتي فيما بعد. فهناك أولاً شيءٌ آخر علينا فعله: الإيمانُ بمحبّة الله! بعد أن قلنا إنّ “الله محبّة”، يهتفُ الإنجيلي يوحنا: “ونحنُ عرفنا المحبّةَ التي يظهِرها اللهُ بيننا وآمنّا بِها” (١ يوحنا ٤، ١٦)

الإيمانُ إذًا. ولكن الإيمانُ هنا له معنى خاص: الإيمانُ المندهش، الإيمان الشكوكي (أعلمُ أنه تناقض، ولكنه صحيح!). إيمانُ شخصٍ لا يعرفُ إقناعَ ما يؤمن به، حتّى وإن كان مؤمنًا به. كيف يمكنُ أن تولد لدى الله، السعادة الأزلية في أبديته، الرغبة ليس لخلقنا فحسب، بل للمجيء بشخصه أيضًا وتحمّله الآلام بيننا؟ كيفُ يمكنُ هذا؟ هذا هو الإيمانُ المُندهش، والذي يجعلنا سعداء. المهتدي الكبير كليف ستابليس لويس (مؤلف السلسلة القصصية “عالم نارنيا” التي عُرِضت أيضًا على شاشات السينما) كتبَ رواية بعنوان “رسائل إلى بيرليكي”. إنّها رسائل يكتبها شيطانٌ عجوز إلى شيطانٍ شاب ليس له خبرة بعد، ويمارسُ عمله على الأرض من خلال إغراء شابٍ من لندن كان قد رجع لتوّه إلى ممارسة مسيحيته. تهدفُ الرسائلُ تعليمَهُ الأدوار اللازمة للنجاح في هذا الغرض. وتتناول مواضيع معاصرة في الأخلاق والتزهّد ليقرأها على العكس، أي ليفعل تمامًا عكسَ ما تقترحُه عليه.

وهنا يقدّم لنا المؤلف نوعًا من الحوار بين الشياطين. فيقدّمهم وهم لا يفهمون كيفَ يمكنُ للعدوّ (هكذا يسمّون الله) أن يحبّ حقًا “الديدانَ البشرية ويدافع عن حريتهم”، لا بل متأكدون أنّه لا يمكن أن يكون كذلك، فلابدّ من وجود خدعة. فقالوا: سنتحققُ من هذا الموضوع من ذلك اليوم الذي فيه “أبانا” (هكذا يسمّون لوسيفر) ابتعدَ عنه، ومع أننا لم نكتشف بعد الأمرَ، إلا أننا سنصلُ يومًا ما إلى الجواب. فحبُّ الله لخلائقه بالنسبة لهذه الشياطين سرُّ الأسرار، وأعتقدُ أنها على حقّ، على الأقل في هذا الأمر.

يبدو إيمانًا سهلاً، ولكنه ربما أصعبُ أمر قد يوجدُ بالنسبة لنا نحنُ الخلائق البشرية. هل نؤمنُ حقًا أن الله يحبّنا؟ نحنُ الذين لا نؤمنُ حقًا، أو بالأحرى الذين لا نؤمنُ بكفاية! إذا كنّا نؤمن، فالحياةُ ونحنُ أنفسُنا والأشياءُ والأحداثُ والألم ذاته ستتغيّرُ ومعها كلُّ شيء أمام أعيننا. اليوم سنكون معه في الفردوس، لأن الفردوس ليس سوى هذا: ملءُ التمتع بحبّ الله.

جعلَ العالمُ الإيمان بالحبّ دومًا أكثر صعوبة. فمَن تعرّضَ للخيانة أو لجُرحٍ مرةً، يخافُ أن يحبّ أو أن يكون محبوبًا، لأنه جرب أذية الشعور بالخداع مرةً أخرى. وهكذا، يزدادُ دومًا عددُ اولئك الذين لا يستطيعون الإيمان بحبّ الله، ولا بأيّ حبٍّ آخر. إنّ خيبة الأمل والسخرية هي واحدة من علامات ثقافتنا المعولمة. وعلى الصعيد الشخصي، هناك أيضًا خبرة الفقر والبؤس التي تقولُ لنا: “نعم، حبّ الله هذا جميل، ولكنه ليس لي! فأنا لستُ مستحقًا…”.

البشر بحاجة لأن يعلموا بأن الله يحبّهم، ولا أحد أفضل من تلاميذ المسيح يقدر أن ينشرَ هذه البشرى السارة. هناك آخرون في العالم يتقاسمون مع المسيحيين مخافة الله والقلق تجاه العدالة الاجتماعية واحترام الإنسان وتجاه السلام والمسامحة، ولكن لا أحد – وأقولُ لا أحد – بين الفلاسفة، ولا بين الأديان، مَن يقول للإنسان أن الله يحبّه، يحبّه قبل كلّ شيء، يحبّه بحبٍّ رحوم وبرغبة: أي ايروس وأغابي.

يعرضُ لنا القدّيس بولس طريقةً لنسمحَ لنور محبّة الله أن يخترقَ وجودنا. يكتب: “فمَن يفصلنا عن محبّة المسيح؟ أَشِدَّةٌ أَم ضيقٌ أم اضطهادٌ أم جُوعٌ أم عُريٌ أم خطرٌ أم سيف؟ (…) ولكنّنا في ذلكَ كلّه فُزنا فوزًا مبينًا، بالّذي أحبَّنا ” (روما ٨، ٣٥-٣٧). أخطارُ وأعداء حبّ الله التي يحصيها بولس، هي ذاتها التي واجهها في حياته: الضيق، الاضطهاد، السيف … (راجع ٢ كور ١١، ٢٣). إنّه يستعرضها في ذهنه ويرى أنه ليس فيها من له القدرة الكافية للتحمّل أمام التفكير بحبّ الله.

نحنُ مدعوون لنعمل على مثاله: أن ننظر لحياتنا كما هي ونسلّط الضوء على المخاوف الكامنة وعلى الأحزان والتهديدات والأمور المعقدة، النقص الجسدي والأخلاقي، الذكرى المؤلمة التي تؤذينا، ووضع كلّ ذلك على نور التفكير بأن الله يحبّني.

ومن حياته الشخصيّة، يوسّع الرسول نظره إلى العالم المحيط به، “وإنِّي واثقٌ بأنّه لا موتٌ ولا حياة، ولا ملائكةٌ ولا أصحابُ رئاسة، ولا حاضرٌ ولا مستقبل، ولا قوّاتٌ، ولا علُوٌّ ولا عُمق، ولا خليقةٌ أخرى، بوسعها أن تفصلنا عن محبَّة الله التي في المسيح يسوع ربّنا” (روما ٨، ٣٧-٣٩). يلاحظ “عالمه” من خلال القِوى التي تجعله خطرًا: الموت مع كلّ ما يحمله من سرّ، الحياة الحاضرة مع كل اغراءاتها، القوى العالمية والجهنمية التي تثيرُ الرعب في الإنسان القديم.

نستطيعُ عمل الشيء ذاته: النظر إلى العالم المحيط بنا والذي يخيفنا. “العلو” و”العمق”، بالنسبة لنا الآن كبيرة بلا حدود في الأعلى وصغيرة بلا حدود في الأسفل، الكون والذرة. كلّ شيء جاهز لسحقنا، والإنسان ضعيف ووحيد في كونٍ أكبر منه وأصبح علاوة على ذلك مهددًا بعد الاكتشافات العلمية التي قام بها ولا يقدرُ من بعد السيطرة عليها، فلا زالت تتحققُ بصورةٍ مأسوية حادثة الاشعاعات الذرية في فوكوشيما.

يمكنُ وضع كلّ شيء على مائدة النقاش، فكلّ يقينٍ يمكنُ أن يفشل، ولكن هذه الحقيقة لن تفشل أبدًا: أن الله يحبّنا وهو أقوى من كلّ شيء. “عوننا في اسم الربّ الذي صنع السموات والأرض”.

روما، الاثنين ٢٨ مارس ٢٠١١ (Zenit.org)

قد يعجبك ايضا
اترك رد