إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الأساس اللاهوتي لاتباع المسيح

0 901

الأساس اللاهوتي لإتباع المسيح

يقوم الأساس اللاهوتي للإقتداء بالمسيح في فكر آباء الشركة الباخوية على قناعتهم بأن كمال الحياة المسيحية يأتي بالتمثل بما فعله الأبن لخلاص العالم من لحظة تجسده على الأرض حتى بذل ذاته على الصليب. الحياة الرهبانية هي تكرار لما فعله المسيح في حياته الأرضية لأجل خلاص العالم. أن يعيش في العالم وينفصل عن العالم وملذاته وقيمه، أن يتحمل الآلام، وأن يقدم ذاته فداء عن آخرين مثلما فعل المسيح. الراهب هو من يشارك في مصير المسيح ذاته، بهذا يوصى باخوميوس تلاميذه قائلا: “أما أن تكون قويًا وتصير مثل إيليا أو تطيع مَن هو قوى وتصير مثل اليشع لان اليشع قد أخذ نصيب اثنين من روح إيليا (٢ مل ٢: ٩-١٥)”. إتباع المسيح يعنى المشاركة في حياته وفي مصيره أيضا. فالراهب الباخومي يشارك في نمط حياة المسيح حتى الصليب وتقدمه الحياة على مثاله. يتبع الباخومين المسيح المصلوب، أي يشارك الراهب في مصير المسيح المعلق على الصليب لأجل خلاص العالم. فالمبدأ والأساس للباخومين، كما سبقت الإشارة: “يجب علينا نحن الذين نحيا في الشركة أن نتحد بعضا مع بعض بالمحبة المتبادلة حتى نستحق أن نكون تابعي القديسين في هذا العالم وأن يكون لنا نصيب معهم في الحياة الأخرى. ونحن نعلم أن الصليب الذي نحمله في هذا العالم هو أساس التعاليم كلها لأنه يجب أن نتألم معه لكي نتمجد أيضا معه”.

لكن ما هي الغاية التي تبرر أن يدعو المسيح أشخاص معيين لإتباعه في شكل الحياة هذا، أي لحياة الشركة؟ لماذا يربط هؤلاء حياتهم بحياته، مصيرهم بمصيره؟ ما هو الهدف من ضرورة تخلي هؤلاء “المختارين” عن كل رباطات العالم والاشتراك في ألام المسيح ومصيره بالموت فداءً عن آخرين؟ يجب تادرس على هذه التساؤلات بمجملها قائلا: “إنها نعمة الرب التي سمحت بوجود حياة الشركة على الأرض لأنها إعلان لحياة الرسل للبشر الذين يريدون أن يسلكوا للأبد مثلهم من أجل الرب. لأن الرسل قد تركوا كل شيء من كل قلوبهم وتعبوا المسيح، وثبتوا مع الرب في تجاربه واشتركوا معه في موت الصليب ولذلك استحقوا قول الرب لهم: تجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” . اختار الرب إذن حياة الشركة للاشتراك في رسالته الخلاصية التي بدأها هو ذاته على الأرض بتجسده، وفي انتظار المجد الآتي في الحياة الأبدية. الباخوميين إذن رسل المسيح الجدد مدعوون لخدمة ملكوت الله.

البعد الإنساني لإتباع المسيح وفقا لتعاليم آباء الشركة
المبدأ والأساس لآباء الشركة الباخومية لا يرتكز فقط على اُسس لاهوتية وكتابية، بل أيضا على قيم إنسانية أساسية. كل إنسان، مثل ابن الله، منذ البدء وقبل أن ينشأ العالم، هو في حضن الله الآب، وسيعود إليه مجددًا، بعد فترة اغترابه في الأرض. على الإنسان إذن أن يقاتل ضد الشر في هذه الحياة، لا أن يفوز بالأبدية كمكافأة لصراعه هذه، بل للحفاظ على موطنه السماوي بعد فترة أغترابه في الأرض. هذه هي كلمات اورزيسوس في وصيته لأخوته: “إذا صرنا مهملين فإن الله سيرانا في إهمالنا وسوف نفقد مكاننا في الدهر الآتي، وسوف نؤخذ إلى

سبي العقاب الأبدي ونفقد السعادة الأبدية التي وجدها آبائنا وإخوتنا خلال جهادهم الغير محدود” . فإذا أهمل الإنسان وصايا الله يفقد حقه كمواطن في الملكوت السماوي، ويفصل مصيره عن الله مصدر كل فرح وسعادة.

كيف للإنسان أن يحافظ على حقه كمواطن في الفردوس السماوي؟ لا يمكن للإنسان المحافظة على هويته تلك، وفقا لآباء الشركة الباخومية، إلا بالاشتراك في عمل يسوع الخلاصي وأن يتحمل تبعاته: “دعنا ندرس بقلب شغوف كل وصية من وصايا أبونا باخوميوس والآباء الذين علمونا لإنه «قد وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط أيضًا أن تتألموا لأجله» (فل ١: ٢٩) وأن نفهم الأسرار المكتوبة «نَفَس أنوفنا مسيح الرب» (مرا ٤: ١٠) . الإنسان مدعو إذن للاشتراك في عمل يسوع الخلاصي، مثلما فعل الرسل بعد صعود الرب إلى السماء. عليه أن يتأمل في كلام الله، أن يعيش وصية المحبة، أن يحمل صليبه ويتألم لأجل أن يهب الخلاص لكل العالم. الشركة الباخومية هي دعوة خاصة للإنسان ليصبح رسولا للمسيح، يجاهد معه في التجارب، يشترك معه في موته. التمسك بهذه الدعوة وتحمل كل تبعاتها تجعل الإنسان يحافظ على مكانته في ملكوت السموات.

للوصول إلى هذا المبدا اهتم آباء الشركة الباخومية بتربية المنتمين إليهم على التحرر من كل العوائق التي يمكن أن تعوقهم ليصبحوا رسولاً للمسيح المصلوب. منهج تربوي متكامل يقوم على التأثير على القناعات العقلية لطالب الانضمام لحياة الشركة، بأن يترك حياته السابقة ويقتدي بالمسيح المصلوب. هي مرحلة الإهتداء والتي فيها يتخلص الشاب من كل ما كان يؤمن به قبل دخوله إلى دير الباخوميين ويؤمن بأنه أصبح رسولا للمسيح. بعد مرحلة الإهتداء تأتي مرحلة التخلي عن قيمه التي كان يعيشها وفقا لها في العالم، يتخلى عن حقوقه الطبيعية، عن أفكاره الشخصية، عن عاداته السلوكية، عن إنشغالاته وإهتماماته الدينيوية التي كانت تثقل قلبه.

وفقا لآباء الشركة الرهبانية فأن الدعوة الرهبانية هي نعمة إلهية يقبلها الإنسان بحرية، مثلما فعل ابن الإنسان في حياته الأرضية: “يجب ان نكون أكثر يقظة في معرفة ما أعطانا الله من تعليم عن طريق أبينا باخوميوس، لاحتقار العالم واعتبار كل شهوات العالم كأنها لا شيء (…) أي فائدة لنا حين يكون لنا أكثر من عباءة أو سرير فخم، وأي شيء أقوي من صليب المسيح؟ إن الحياة حسب صليب المسيح هي التي أسسها آبائنا القديسين لتكون على أساس الرسل والأنبياء” . نعمة الله هذه هي التي تجعل من المنتمي لحياة الشركة رسولا للمسيح المصلوب.

التخلي عن العالم والانضمام لحياة الشركة
تتطلب قوانين القديس باخوميوس ضرورة التخلى عن العالم شرطًا للانضمام لحياة الشركة: “إذا حضر أحد الأخوة إلى الدير للرغبة في الرهبنة وترك العالم، فإنه لا يدخل إلى الدير بل يبقي عدة أيام خارج الدير ثم يخبر البواب رئيس الدير بذلك. وعلى هذا الأخ أن يتعلم الصلاة الربانية وأن يحفظ ما أمكنه من المزامير. ويتم اختباره بدقة لئلا يكون قد صنع شيئاً رديئاً وبسببه يريد أن يدخل الدير أو يكون عليه عقاب لأي سبب. ويتم اختباره

للتأكد من قدرته على ترك أقاربه الجسديين وكل ممتلكاته “. فطالب الرهبنة يجب أن يتم إختباره في مدي قدرته على التخلي عن العالم وترك عائلته وكل ممتلكاته المادية. والمقصود بالتخلي لدي الباخوميين هو التحرر الداخلي من كل تعلق بالعالم وبالرباطات الجسدية للاشتراك في حمل الصليب في هذه الحياة للاشتراك معه في مجده في الحياة الأبدية. وفقا لنص القانون السابق الإشاره إليه، يمكن تحديد ثلاث أوجه للتخلي وفقا للباخوميين، إثنين سابقين للالتحاق بحياة الشركة، أما الثالث فهو يرافق الراهب الباخومي طيله حياته النسكية.

التخلى عن الخيرات المادية
الوجه الأول للتخلي عند الباخوميين هو التخلي عن الخيرات المادية لأجل إتباع يسوع المسيح. فرهبان الشركة، على مثال الرسل اللذين تركوا كل شيء لأجل إتباع المسيح، ينبغي أن يتخلوا عن كافة الممتلكات المادية وعن التعلق بها: “أي فائدة لنا حين يكون لنا أكثر من عباءة أو سرير فخم، وأي شيء أقوي من صليب المسيح؟ إن الحياة حسب صليب المسيح هي التي أسسها آبائنا القديسين لتكون على أساس الرسل والأنبياء” .

التخلي عن الخيرات المادية هو ما مَّيز إتباع المسيح طوال تاريخ الحياة الرهبانية، لكنه يأخذ شكلاً جديداً مع الباخوميين، فهو تخلي عن الخيرات المادية في سبيل وضع تلك الخيرات لصالح كل الجماعة الباخومية. يوصي تادرس تلاميذه قائلا: “لقد تركنا خيرات آبائنا الجسديين لأجل اسم يسوع المسيح (…) كل شيء هو للأخوة، نحن لا نملكه، ولا يملكه أيضا أبائنا الجسدين في العالم، بل هو للمسيح يسوع” . تخلي الباخوميين يفوق هنا تخلي المتوحدين في شأن الخيرات المادية، فالمتوحدين كانوا مضطرين للاحتفاظ ببعض الأشياء المادية تضمن لهم الاستمرار في الحياة. وفقا للباخوميين فأن الراهب لا يمتلك أي شيء، حتى لو نذرا يسيرا، لأن كل شيء كان يوضع تحت تصرف الجماعة الرهبانية ككل. هذا الوجه للتخلي عن الخيرات المادية هو مرحلة أصعب من التي عاشها المتوحدون، لأن كل شيء للجماعة وليس للفرد. قانون باخوميوس الخاص بآداب المائدة ينص على: “غير مسموح للرهبان أن يأكلوا من الثمار المتساقط تحت الشجر، ولكن عليهم أن يجمعوا ما يجدونه متناثراً على الطريق ويوضع في مكان معين. لا يحوز لمَن يوزع الطعام على الأخوة الذين يجنون الثمار بأن يذوقه بل يحمله للمسئول الذي يعطيه بنفسه كما يعطي الباقيين. غير مسموح لأي أحد أن يأخذ من ثمار الحديقة بخلاف نصيبه الذي يأخذه من المسئول عن الحديقة عند توزيع المحصول على كل الإخوة” .

التخلي الذي يقوم به المبتدئ على باب الدير لا يتوقف عند دخوله وإنضمامه لحياة الشركة، بل يرافقه طيلة حياته داخل الدير. أورزيسوس يذكر تلاميذه بما تخلو عنه على باب الدير قائلا: “لماذا نهتم بملكية أي شيء يفقدنا فائدة الروح لأجل الجسد؟ لقد صرنا أحراراً وخلعنا من رقابنا نير العبودية للعالم فلماذا إذن نريد أن نرجع إلى القئ الذي تقتأناه ليكون لنا شيء نهتم به ونخشى من فقدانه؟” التخلي هو مسيرة حياة داخل الأديرة الباخومية، فعلى الراهب أن يتخلي عن كل شكل من أشكال الفردية في إطار الجماعة الرهبانية. وفقا لقانون

الشركة يتيح لكل راهب ذات الامكانيات، وكل شيء يوضع تحت تصرف الكل، ولا يسمح لفرد أن يقتني أكثر من غيره.

التخلي العاطفي
ضرورة أخرى لإتباع المسيح هي التخلي عن العائلة وأقرباء الجسد للإقتداء بالمسيح المصلوب، هكذا يعلم تادرس تلاميذه: “الذي يأتي إلى أبواب الدير لكي يكرس حياته لله فإن البواب سيكون مسئولا عن رعايته، لفترة من الزمن، يدربه فيها على كل ما هو نافع لحياته ويقوده إلى قانون الحياة الأبدية. وعليه أن يترك والديه وإخوته وجميع أقاربه الجسديين وكل مسرات هذا العالم ولا يلتقى مع أبيه الجسدي إذا حضر ليطلبه بل يعلن له البواب على فم الراهب المتبدئ بأنه منذ الآن لا يوجد أي تأثير جسدي ولا يوجد مَن يتسلط عليه بناء على قرابة الجسد بل يخبره بأن الجميع أخوته” . المقصود بالتخلي هنا ليس كراهية العائلة أو نبذها تماماً، بل أن لا يكون للعائلة تأثير على اختيارات الراهب وعلى قراراته. بدارسة المخطوطات الباخومية نلاحظ تشدداً في موقف التلميذ تادرس عن ما علمه باخوميوس مؤسس حياة الشركة وصاغه من قوانين. فالقوانين لم تمنع زيارة الأقرباء بالجسد للرهبان، بل نظمت كل هذا بصورة دقيقة للغاية: ” إذا حضر أحدٌ وطلب أن يرى أخيه أو قريبه، فعلى البواب أن يخبر أب الدير ثم يستدعى أب الدير المسئول عن المنزل الذي يقرر ما إذا كان يمكن السماح لهذا الشخص بزيارة الراهب قريبه أم لا. وبعد أخذ هذا الأذن يذهب الراهب مع رفيق آخر يكون موثوقاً فيه. وبهذه الطريقة فقط يمكن أن يذهب الراهب ليرى أخيه أو قريبه” . نظمت القوانين منهجية اللقاء، وكيفية التصرف إذا جلب الزائر طعاماً معه، ومتى أراد المبيت بالدير إذا كانت رحلة سفره شاقة، وكيفية رعاية المرضى منهم. يوصي أورزسيوس: “وإذا كان أي أخ يعيش في منزل تحت رئاسة المسئول عن المنزل داخل الدير وكان لا يعوزه أي شيء من الأشياء المسموح له بإمتلاكها في الدير فإنه لا يجب عليه أن يأخذ أي شيء من أبيه الجسدي أو أخيه أو أي صديق حميم له سواء كان هذا الشيء هو جلباب أو غطاء أو أي شيء آخر” .

من يطلب الانضمام لحياة الشركة يمر بالاختبار الثاني الذي وضعه الباخوميين، اختبار قدرته على التخلي عن أسرته وعائلته بالجسد. تعكس المخطوطات تشدد تادرس في هذا الأمر، فيرفض رؤية أمه عند زيارتها له، ويعامل أخيه الأصغر بقسوة الأمر الذي تتطلب تدخل القديس باخوميوس ليعامله كأخ مبتدئ يستحق الأهتمام والرعاية. وفي حدث أخر ألح أحد الأخوة على آبا باخوميوس ليسمح له بزيارة أسرته وإلا ترك حياة الرهبنة وعاد علمانيًا. فعهد باخوميوس الأمر لتلميذه تادرس ليرافق المبتدئ لزيارة أسرته.فسعى تادرس، أثناء رحلة السفر، لإقناع الأخ بتعاليم الإنجيل: “إن كان أحد إلىَّ ولا يبغض أباه وأمه وأخوته…”، إلا أن الأخ أجابه “إن الإنجيل قد وضع هذه الوصية كدرجة كمال عليا، نحن لا نستطيع أن نصل إليها بالتمام، ولكننا ندرك جزءًا فقط، لأنه كيف يمكننا أن نبغض والدينا؟”. غضب تادرس قائلا : “هذا هو إيمان رهبان طبانيس، أن يقول الإنجيل شيئاً، وأنت تقول شيئا آخراً، بالحق إن كان هذا هو إيمانك، فإنني سوف أترك الدير وأذهب إلى الدير الصغير الذي جئت منه”. تظاهر تادرس بأنه سيغادر المكان فعلاً. حاول الأخ أن يثنيه عما عزم عليه من أمر ترك الدير، ولكن تادرس أصر على

موقفه وقال له: “إذا أرد أن أمكت معكم هنا، فعليك أن تعاهدني أمام الله والإخوة، أن تحفظ وصية الإنجيل ولا تكرر الزيارة لأسرتك مرة أخرى”. عندئذ عاهده الأخ على ذلك. ولم يعد يطلب زيارة أسرته ثانية” . يمكن تفسير تشدد تادرس عن باقي آباء الشركة بخلفيته النسكية التوحدية التي لم تفارقه كثيراً، بالرغم من أختلاف مفهوم التخلي الذي عاشه عما تنص عليه القوانين الباخومية وتعاليم القديس باخوميوس.

التخلي عن الذات
التخلي الراهب الباخومي عن الخيرات المادية ورباطاته الأسرية قبل دخوله لحياة الشركة هي ضروريات لكي تؤهله إلى ما هو أكثر عمقاً وألماً، التخلي عن الذات. والمقصود بالتخلي عن الذات هو التخلي عن كل شيء، أن ينسى الإنسان نفسه، ولا يهتم برغباته الذاتية، مثل تقدير الذات والطموح الإنساني الطبيعي في سبيل الآخرين. التخلي الأخير لا يقوم به الإنسان مرة واحدة على باب الدير، مثلما الحال في التخلي عن الخيرات المادية والرباطات الأسرية، ولكنه أختيار مستمر طوال الحياة. يعتمد هذا التخلي على الإختيار الحر لأمور الحياة اليومية، صغرت أو كبرت، ليتوارى فيه الإنسان ويقدم الآخوة على ذاته. تخلي يتطلب اليقظة الدائمة على رغبات القلب: “اسهر على نفسك وراقبها جيدًا حتى لا تعود إلى حياة العالم مرة أخرى، ولا تطيع الأفكار الشريرة التي يلقى الشيطان بذارها في قلبك” . سار تلاميذ باخوميوس، تادرس واوزرسيوس على نفس النهج في تعاليمهم للرهبان: “وبعد أن تركنا العالم وبدأنا في تبعية راية المسيح (الصليب) فلا نرجع ثانية إلى الأشياء التي تركناها خلفنا ولا نطلب الراحة الوقتية مثل أفرايم الذي قال إني صرت غنياً وجدت لنفسي ثروة (هو ١٢: ٨)” .

على الراهب الباخومي الاجتهاد دوما للمحافظة على زخم دعوته الرهبانية، وأن يسهر على نفسه ويراقبها جيداً حتى لا تتسلل روح العالم إليه وأن يسعى إلى الوصول إلى الكمال الإنجيلي على مثال الرسل مستخدما الوسائل النسكية المتاحة ضد الأخطار الخارجية والداخلية. الرغبة في إمتلاك شيء مادي أو الحصول على تقدير معنوي، هي أمثلة للأخطار الخارجية التي يتعرض لها الراهب . أما الأخطار الداخلية فهي قبول الأفكار والتخيلات ضد الطاهرة الواجبة، أو التشوق إلى مسرات العالم الذي تركه عند ولوجه بوابة الدير. يقظة القلب واستسلام العقل لعمل النعمة فيجعل من الإنسان هيكلاً للروح القدس هي الوسائل التي قدمها القديس باخوميوس لتلاميذه لتغلب على تلك الأخطار، الخارجية والداخلية: “كما أن الطفل ينمو يوماً بعد يوم إلى أن يصبح إنسانًا كاملاً، هكذا الإنسان الروحاني يحصل على ثمار الروح القدس يومًا بعد يوم بفضل يقظة قلبه حتى يصل إلى الكمال” .

بتخليه عن ذاته يشارك الإنسان في آلام يسوع المسيح المصلوب. ولهذا حَفَلت القوانين المنظمة للحياة داخل الأديرة الباخومية بالكثير من الضوابط التي من شأنها مساعدة الراهب على التخلي التام عن ذاته لأجل الوصول إلى الكمال الإنجيلي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد