إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

العظة على الجبل 2

0 1٬150

أنت مسيحي إذن أنت مختلف!

مت ٥/٢٠- ٢٢: فإِنِّي أَقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات. سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: «لاتَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء». َمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: «يا أَحمَق»اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: «يا جاهِل»اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم.

في رائعة جبران خليل جبران، الملك الحكيم يصور لنا ملكاً عظيماً، مخوفاً لجبروته، محبوباً لحكمته الذي كان يملك على أحد المدن النائية . في وسط هناك بئر ماءٍ نقي عذب يشرب منه جميع سكان المدينة من الملك و اعوانه فما دون لانه لم يكنفي المدينة بئر سواها. ,وفيما الناس نيام في احدى الليالي جاءت ساحرة الى المدينة خلسة و القت في البئر سبع نقط من سائل غريب و قالت: “كل من يشرب من هذا الماء فيما بعد يصيرمجنونا”. وفي الصباح التالي شرب كل سكان المدينة من ماء البئر و جنوا على نحو ما قالت الساحرة. ولكن الملك و الوزير لم يشربا من ذلك الماء. وعندمابلغ الخبر اذان المدينة طاف سكانها من حي الى حي و من زقاق الى زقاق و هم يتشارون قائلين :” قد جن ملكنا و وزيره.ان ملكنا و وزيره اضاعا رشدهما . اننا نابى ان يملك علينا ملك مجنون.هيا بنا نخلعه عن عرش”!! سمع الملك بما جرى فأمر على الفور بأن يملأ حق ذهبي، كان قد ورثه عن أجداده من مياه البئر، فملأوه في الحال وأحضروه إليه وشرب هو ووزيره. عرف سكان المدينة بذلك، وفرحوا فرحا عظيما، لان ملكهم ووزيره قد ثابا إلى رشدهما.

أصبح المسيحي مثل الآخرين في كل شيء، يسلك سلوك الآخرين، يتكلم مثلهم، يصوم مثلهم، ويصلي مثلهم، يتعامل مع الآخرين بذات الطريقة. من يحاول أن يتصرف بطريقة مسيحية يشعر إنه غريب عن الناس، مختلف فيسرع في تغيير سلوكه حتى لا يتناقض مع سلوكيات الآخرين. تركنا تعاليم الرب يسوع التي تجعلنا مختلفين عن الجميع لأننا أبناء الله وتبعنا التعاليم السائدة في المجتمع وأصبحنا كالآخرين، لا نختلف عنهم، إلى الدرجة التي يصعب فيها التفرقة بين الشخص المسيحي وغيره. في حين أن الرب يسوع طلب أن نكون مختلفين، ففي العظة على الجبل قال للجموع إذا لم يزد بركم على الكتبة والفريسين لن تدخلوا ملكوت السموات. قيل للأولين … أما أنا فأقول لكم.. قيل للآخرين … أما أنا فأقول لكم شيئا مختلفا.

طلب يسوع مفاجأة للسامعين له. فالفريسي هو كان يُعرف بين الناس بإنه من وَصلَ إلى مراتب متقدمة في القداسة، فيشهد له بالبر وطاعة ناموس الله حرفيا. يُشكل الله الموضوع الأساسي في حياته ويهتم بكل ما يتعلق بإيمانه. أحصى الفريسيون مواد الناموس وقالوا إنها تحتوي على ٢٤٨ وصية للتنفيذ، و ٣٦٥ وصية للنهي وكانوا يسعون لحفظها كلها. فكيف يزيد بر المسيحي عن بر الكتبة والفريسيين المتلزمين أكثر من غيرهم بشريعة الله؟ وكيف يكون هذا البر السامي شرط لدخول ملكوت الله؟

بر المسيحي يسمو على بر الفريسيين في نوعيته وليس في كميته. فليس المقصود في أن ينجح المسيحيون في حفظ عدد أكبر من الوصايا أكثر من نجاح الفريسيين فبر المسيحي أعظم من بر الفريسي بمعني أعمق؛ لأنه من القلب. لقد كان اهتمام الفريسيين بالطاعة الخارجية الشكلية وإتباع الناموس حرفيا، لكن المسيح يطلب شيئاً أعمق من هذا، فهو لا يكتفي بالشكليات. فالبر الذي يرضي الله هو البر الداخلي. بر الفكر والدوافع، لأن الرب ينظر إلى القلب. فيطلب الرب من سامعيه أن يزيد برهم عن الكتبة والفريسيين الذين كانوا يهتموا بالشكليات، بالتقوى الخارجية فقط، لذلك ينبه في الإصحاح ٢٣ قائلا: ” فَافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه. ولكِن أَفعالَهم لا تَفعَلوا، لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون: يَحزِمونَ أَحمالاً ثَقيلَة ويُلقونَها على أَكتافِ النَّاس، ولكِنَّهم يَأبَونَ تَحريكَها بِطَرَفِ الإصبَع. وجَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم: يُعَرِّضونَ عَصائبَهم ويُطِّولونَ أَهدابَهم ويُحِبُّونَ المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب، وصُدورَ المَجالِسِ في المَجامع، وتَلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ في السَّاحات، وأَن يَدعُوَهُمُ النَّاسُ «رابي».

لقد حدد الكتبة والفريسيين الوصايا الكتابية: “لا تقتل” و”لا تزن” و “لا تسرق” فقط في ذات الفعل، بمعنى من يَّقتل بالفعل أو يضبط سارقاً أو زانياً. تم تحجيم الوصايا إلى الشكل الخارجي فقط، دون النظر إلى الدوافع المؤدية للقتل أو السرقة والزني؟ أما المسيح فقد رفض الفعل ومنع دافع الفعل، وهو الغضب والاشتهاء.

فإذا نظرنا إلى الوصية السادسة: “لا تقتل”، وهي من وصايا الله العشر المسلمة قديما والباقية للأبد، فالقتل محرم سواء بالنسبة لأنفسنا بالانتحار أو قتل الآخرين بأي دافع من الدوافع. حاول الكتبة والفريسيين أن يحدوا من تطبيقات الوصية بالقول بأن المقصود هو القتل الفعلي، بمعني سفك دم الضحية، فإذا امتنع الإنسان عن فعل القتل يكون قد حفظ الوصية. فتحريم الوصية هو للفعل، للعمل الخاطيء فقط، لكن الرب يسوع خالفهم الرأي، وعلم أن التطبيق الصحيح لهذا الأمر يشمل أبعادا أعمق من مجرد القتل، فهو يشمل الفكر والقول والعمل والغضب والسب، كما يشمل القتل أيضا.

هل الغضب خطيئة إذن؟
الغضب هو تغيرات طبيعية في جسم الإنسان ترفع نسبة الادرنالين فيتوتر وينفعل. الله ذاته يغضب، فنقرأ في سفر التثنية أنه يغضب على فرعون: “واستَأصَلَهمُ الرَّبُّ مِن أَرضِهم بغَضَبٍ وغَيظٍ وسُخطٍ عَظيم، وطَرَحَهم في أًرضِ أُخْرى، كما هُم في هذا اليَوم” (تث ٢٩: ٢٧). غضب الله مقدس لأنه مرتبط بالعدل، يغضب على الإنسان لكي يعيده إلى الطريق القويم ولذلك يقول ميخا النبي: “إِنِّي أَحتَمِلُ سُخطَ الرَّبّ لِأَنِّي خَطِئتُ إِلَيه إِلى أَن يُدافِعَ عن قَضِيَّتي ويُنصِفَني فيُخرِجُني إِلى النُّورِ وأَرى بِرَّه” (ميخا ٧: ٩).

لنا الحق أن نغضب متي كان الغضب لتقويم إنسان ما، مثل غضب الأب والأم لتربية أبنائهم. فهو غضب حميد ومطلوب. “إذا غضبتم لا تخطئوا”

متى يصبح الغضب خطيئة؟
يصبح خطيئة متى وَّلَدَ في النفس مرارةٍ تجعل الإنسان يفكر في الانتقام وإيذاء الآخر. لذلك يوص بولس أهل أفسس: “ليرفع الرب من بينكم كل حقد ومرارة وغضب وصياح وشتيمة”. نكسر الوصية في حالة وجود تلك المرارة ومشاعر الحقد، نكون قد قتلنا الأخ. لذلك يوصينا بولس في رسالته إلى أفسس (٤: ٢٦)”وإذا غَضِبتُم لا تُخطِئوا ولا تَغرِبِ الشَّمسُ على غَضَبِكُم”. وفي رومية (١٢: ١٧-١٨): “لا تُجازوا أحدًا شرُا بِشَرٍّ، واَجتَهِدوا أنْ تعمَلوا الخَيرَ أمامَ جميعِ الناسِ. سالِموا جميعَ الناسِ إنْ أمكَنَ، على قَدْرِ طاقَتِكُم”. فعندما نترك تلك المشاعر السلبية تتراكم داخلنا نجد صعوبة في الغفران، وتنمو مع الوقت لتصبح دافعا للتخلص من الشخص الذي يغذي تلك المشاعر.

لذلك يقول يوحنا: “كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس” (ايو ٣: ١٥). فالغضب القائم على مشاعر حقد ومرارة تعني رغبة في التخلص من الآخر الذي يقف في طريقنا ونتمنى له الموت. وهذه الرغبة الشريرة هي ما ترفضه روح الوصية السادسة.

السب (الشتيمة)
من قال لأخيه “رقا” استوجب حكم المجلس، من قال لأخيه يا أحمق استوجب نار جهنم”. رقا كلمة آرامية تعني “فارغ الرأس”، الغبي، الجاهل. فالكلمة الجارحة مرفوضة. الكلمة الجارحة قاتلة ولو بعد حين. فكلمة غبي، فاشل، تظل بقلب الإنسان مدي الحياة. وسلوكياتنا وشخصياتنا تحددها الكلمات التي سمعناها من الأهل في الصغر. لهذا يوصينا بولس قائلا: “لا تَخرُجْ كَلِمَةُ شرٍّ مِنْ أفواهِكُم، بَل كُلُّ كَلِمَةٍ صالِحَةٍ لِلبُنيانِ عِندَ الحاجَةِ وتُفيدُ السَّامعينَ. لا تُحزنوا رُوحَ الله القُدُّوسَ الذي بِه خُتِمتُم ليَومِ الفِداءِ” (أف ٥: ٢٩- ٣٠).

متى يصبح الكلام خطيئة الشتيمة؟
يصبح الكلام خطيئة متي كان جارحا لصورة الله داخل كل إنسان. تحزنوا روح الله. فكل إنسان مخلوق على صورة الله ومثال فكيف لنا أن نحقر من شأنه. لهذا يوصينا يعقوب بأن نتحكم في اللسان: “بِه نُبارِكُ رَبَّنا وأبانا وبِه نَلعَنُ الناسَ المَخلوقينَ على صورَةِ الله” (يع ٣: ٩). فالشتيمة والكلام الجارح يدل على رغبة في التخلص من الآخر الذي يقف في طريقنا ونتمنى له الموت. وهذه الرغبة الشريرة هي ما ترفضه روح الوصية السادسة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد