إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

هوية الحياة المكرسة في الكنيسة الكاثوليكية

0 1٬114

هوية الحياة المُكرسة في الكنيسة الكاثوليكية

في هذه الورقة البحثية عن هوية الحياة المكرسة في الكنيسة الكاثوليكية سأقصر حديثي على الهوية الكتابية (البيبلية) واللاهوتية للحياة المكرسة في ضوء وثاثق الكنيسة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني. سأوجز بحثي في نقطتين أساسيتين:

الأولى: سأتناول الأساس الكتابي واللاهوتي الذي تستند إليه هوية الحياة المكرسة اليوم من خلال الارشاد الرسولي “الحياة المكرسة” الذي أصدره البابا يوحنا بولس الثاني في 25 مارس 1996، والرسالة الرعائية لجميع المكرسين للبابا فرنسيس في 21 نوفمبر 2014.

في حين أُخصص النقطة الثانية لمجموعة من المخاطر التي تواجه الحياة المكرسة اليوم.

أولا: الأساس الكتابي واللاهوتي

الحياة المكرسة، المتجذرة في عمق سيرة السيد المسيح وتعاليمه، هي هبة من الله إلى كنيسته عبر الروح. فمنذ القرون الأولى من تاريخ الكنيسة، لبي الكثير من الرجال والنساء، دعوة الله، للتشبه بالكلمة المتجسد في حياته ورسالته، عاملين بطريقة خاصة وجذرية، على أن تصبح ملامح يسوع الممّيزة – العفة والفقر والطاعة – مرئية وحاضرة وسط العالم. هكذا لخص القديس تادرس، تلميذ الأنبا باخوميوس مؤسس حياة الشركة، هذا الأساس بقوله: “إنها نعمة الرب التي سمحت بوجود حياة الشركة على الأرض لأنها إعلان لحياة الرسل للبشر الذين يريدون أن يسلكوا للأبد مثلهم على مثال الرب. لأن الرسل قد تركوا كل شيء من كل قلوبهم وتبعوا المسيح، وثبتوا مع الرب في تجاربه واشتركوا معه في موت الصليب ولذلك استحقوا قول الرب لهم: تجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر”[1].

استجاب دومًا رجالاً ونساء لنداء الآب وعمل الروح القدس، فاختاروا طريقة خاصة “لاتباع المسيح”، تركوا كل شيء على مثال الرسل، ليقيموا معه، ويتطوّعوا مثله لخدمة الله والعالم، ويشاركوا في تجديد المجتمع.

البهاء الإلهي ليسوع المسيح

لجأ الباب يوحنا بولس الثاني إلى أيقونة التجلي ليشرح الأساس الكتابي واللاهوتي للحياة المكرسة. اختيار المسيح، بطرس ويعقوب ويوحنا، أولئك الثلاثة الذي تعرّفوا عن قرب إلى سرّ يسوع أكثر من سائر جماعة الرسل، فكانوا الشهود على إعلان آلامه في بستان الزيتون، وبتجليه على الجبل، وبإحياءه ابنه يائيرس، كشهود على قدرته على القيامة.

وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ. يختار الربّ البعض للابتعاد عن العالم، ليس للهرب من العالم، إنّما هو ارتقاء عن العالم للقاء الرب الممجد. على الجبلِ يتلقى التلاميذ الثلاثة، نداء الله الآب إلى أن يصغوا إلى المسيح: “هذا ابني الحبيب له اسمعو”، ومن خلال هذا النداء يدعو الله الآب، جميع المُكرسين، إلى تغيير وجودهم كله على صورة المسيح الممجد على الجبل، وهي الغاية الأخروية التي تصبو  إليها الحياة المُكرسة.

إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، فالروح هو الذي يدفع دومًا المكرسين إلى تجديد خبرة النبي إرميا: ” قد استَغوَيتَني يا رَبُّ فآستُغْويت قَبَضتَ علَيَّ فغَلَبتَ” (إرميا 20: 7).

يدعو الله الأب، التلاميذ الثلاثة ومعهم جمهور المكرسين عبر تاريخ الكنيسة، إلى التشبه بالمسيح واعتناق نمط حياته الذي أختاره ابن الله المتجسد في حياته الأرضية. هذا النمط يتطلب تخليًا كاملاً عن كل شيء، للتفرغ لمرافقة يسوع حيثما يسير. فالشخص المُكرس، على غرار بولس الرسول، يعدُّ كل شيء: خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي”. ويحسبَ كُلَّ شَيء، بإزائه، نُفايَة ليَربَحَ المسيحَ” (فيلبي 3: 8، 9)

يدعو الله الأب، عبر الروح القدس، المكرسين إلى التجلي على مثال يسوع المسيح، أي أن المشاركة في بشرية المسيح تجعل المُكرسين يشتركون أيضًا في لاهوت المسيح، متحدين بذلك مع الثالوت بأكمله نظرًا لاتحاده بالابن.

يوضح الإرشاد الرسولي: أهمية تأمل المكرسين المستمر في “الأكثر بهاءًا بين بنى البشر”، حتى يتمكنوا من أن يعكسوا حياة وأفعال وأفكار، المسيح يسوع في الأوساط التي يعيشون فيها. التركيز على هذه الحقيقة تَجعل المُكرسين يرون أيضًا في كل شخص مسيحيًا آخر، خاصة في الفقراء والمحتاجين. وفي خدمة هؤلاء، خدمة لشخص يسوع المسيح ذاته. نداء البابا للمُكَرسين بأن يكشفوا عن جهة المسيح الحقيقي الذي يكاد يكون مشوهًا بسبب قوى الشر والظلم الاجتماعي يُعد من أهم موضوعات الرسالة على الإطلاق وهذا يتطلب من كل المُكَرسين العمل معا لبناء الملكوت وتحقيق السلام الاجتماعي.

سموّ الحياة المكرسة

الحياة المكرسة إذن هي: “الذكرى الحية لما اعتنقه يسوع المسيح، في حياته الأرضية، من نمط حياة وعمل، بوصفه الكلمة المتجسد، في علاقته بأبيه وإخوته، إنها سُنّة حيّة لسيرة المخلّص وتعاليمه” (ح. م. 22ب).

إلا إن هذا لا يعنى إنه نمط حياة مميز، له أفضلية على باقي أنماط العيش في الحياة المسيحية، كالعلمانيين والإكليروس: “فالمعمدون في المسيح، يتمتعون بكرامة متساوية. كلهم مدعوون إلى القداسة، وكلهم يساهمون في بناء جسد المسيح الواحد، كلٍ حسب دعوته والمواهب التي نالها من الروح. فالحياة المكرسة هي نمط حياة مسيحي ضمن أنماط مختلفة داخل الكنيسة، وجميعها متساوية في الكرامة، لأن التعددية هي عمل الروح القدس الذي يجعل من الكنيسة أسرة متحدة بالرغم من تنوع الدعوات والمواهب والخدم (ح. م. 31ب).

للحياة المكرسة هوية إيجابية خاصة. ليس لأنها، فقط، تتضمن تخلي خاص لا تشترطه الحياة المسيحية البسيطة للعلمانيين، ولكن لأن جميع مظاهر التخلي تلك، يمكن تفسيرها فقط، من خلال نعمة خاصة من الله. فمن وجهة نظر كتابية ولاهوتية لا معنى للتخلي، بأنواعه المادي والعاطفي وعن الإرادة الذاتية، في حد ذاته. تأتي مظاهر التخلي كنتيجة تالية لاختيار الله للشخص لهذا النمط من الحياة. فالمشورات الإنجيلية، الفقر والطاعة والعفة، من حيث كونها عطية من الثالوث الأقدس، قبل أن تكون دعوة إلى الزهد، هي استعداد يُعطى للإنسان لأن يتقبل سرّ المسيح بطريقة مميزة، يمارسها ضمن الكنيسة، تمكنه من أن يسلك ويعيش بنفس طريقة العيش التي أختاره المسيح لنفسه.

فالحياة المُكرسة مميزة، إذن، لأن فيها إشعاعًا خاصًا لحياة يسوع المسيح، لهذا نجد التقليد المسيحي يتحدث دومًا عن سموّ الحياة المكرسة في ذاتها لأن المكرسون العائشون في الطاعة والتجرد عن كل شيء مادي شخصي والعفة يتصورون كليًا بصورة المسيح، الفقير والعفيف والمطيع لأبيه السماوي. فهو نمط إلهي نوعا ما، اعتنقه ابن الله المتجسد، في حياته على الأرض، للتعبير عن علاقة الابن الوحيد بالآب والروح القدس. تجد المكانة المرموقة للحياة المكرسة، من الناحية الموضوعية، في القيم التي عاشها الرب يسوع في حياته، في اختياراته، في كلماته في الأناجيل. هي الطريقة المثلي والسامية لعيش الإنجيل على هذه الأرض.

حياة خاصة تعكس تجلي المسيح وسط المسيحيين وغير المسيحيين

وفقا للارشاد الرسولي: “الحياة المُكرسة” فإن الحياة المكرسة هي حضور حي للمسيح يسوع وسط العالم: “الذكرى الحية لما اعتنقه يسوع من نمط حياة وعمل، بوصفه الكلمة المتجسد” (ح. م. 22ج). هذه هي هوية الحياة المُكرسة وسط المسيحيين وغير المسيحيين: “الأشخاص المُكرسون عليهم مسؤولية استحضار المسيح العفيف والفقير والمطيع والمصلي والرسول، حتى بين الشعوب اللامسيحية” (ح. م. 77).

هذه الهوية الكتابية واللاهوتية تُحدد طبيعة التكوين وإعداد المُكرسين لهذا النمط من الحياة، وذلك عن طريقة إعادة تشكيل الهوية الشخصية للمكرس على مثال المسيح والتشبه به في تقدمة ذاته كليًا لله الآب. فالهدف النهائي الذي تسعى إليه كل برامج تنشئة المكرسين  هي أن تُمكن المُكرس من أن يتبنى شيئًا فشيئًا مشاعر المسيح تجاه أبيه. يجب أن تتناول تنشئة الإنسان كله في مختلف مقومات شخصيته، في المواقف كما في النوايا، من خلال كافة الأبعاد: الإنسانية، الثقافية، الروحية، الرعائية والاجتماعية، لأن هذه التنشئة تهدف، بالتحديد، إلى تغيير الشخص كله. كما إن هذه التنشئة لا تقتصر على الفترات الأولى لإلتحاق المُكرس بالأديرة، بل هي مهمة مستدامة.

علاقة محبة خاصة مع الله الآب

الحياة المُكرسة هي علاقة محبة خاصة مع الله الآب، فالمبادرة لدعوة أشخاص لتصور حياة يسوع تصدر كليًا من الآب: “الذي يطلب من الذين اصطفاهم أن يقدموا له ذواتهم تقدمة كاملة ومطلقة. خبرة هذا الحب الإلهي المجاني هو من القوة والعمق بحيث يدرك الإنسان ضرورة الاستجابة له بتقدمة حياته بلا قيد ولا شرط، مكرسًا كل شيءٍ بين يدي الله” (ح. م. 17أ). يدعو الله الآب المُكرسين إلى تغيير وجودهم كله بصورة المسيح الممجد.

لذا على المُكرس أن يَدرك بأن الآب هو المربي الأول والأمثل لحياة التكريس. فهو الذي يُشكل، مستعينًا بالوساطة البشرية، قلب المكرس ليمتلك مشاعر الابن. فالمسيح في حياته الأرضية ترك ذاته ووضع كيانه وعمله بين يدي الأب: “أَلم تَعلَما أَنَّه يَجِبُ عَليَّ أَن أَكونَ لأَبي” (لوقا 2: 49). فالمُكرسين يجب أن يتركوا ذواتهم ليُشَّكَلوا من قِبّل الآب على مثال الابن.

علاقة محبة خاصة مع الروح القدس

الروح هو الذي يكوّن ويصوّر روح المدعوين، ويجددهم على صورة المسيح العفيف والفقير والمطيع، ويدفعهم إلى الإضطلاع برسالته. الروح إذن هو الذي يعطي موهبة مميزة للشخص المُكرس لكي يتمكن التصور على مثال يسوع المسيح، إلى أن يبلغ كمال التشبه به، فيعكس في ذاته شعاعًا من النور من ذلك النور الذي لا يُدرك. هكذا تصبح الحياة المكرسة تعبيرًا بليغًا عن الكنيسة، العروس التي يقودها الروح القدس إلى أن تصّور في ذاتها ملامح العريس، فتظهر أمامه: “سنية لا شائبة فيها ولا تغضّن ولا ما أشبه ذلك، بل مقدسة بلا عيب” (أف 5: 27).

ينمي الروح أيضًا في الشخص المكرس مؤهلات جديدة وتؤتيه ثمارًا جديدة، تساعده في رسالته. فالروح لا يعزل الذين دعاهم الآب عن الناس، بل يجعلهم في خدمة إخوتهم، ويدفعهم لرسالات خاصة، وفقا لحاجات الكنيسة والعالم. تأتي تنمية الروح لمواهب العائلات المُكرسة بوسائل غاية في التنوع لتحقيق رسالتها في العالم. وهذا ما يُفسر التنوع الشديد لأنماط الحياة المُكرسة اليوم.

ثانيًا: المخاطر التي تواجه الحياة المكرسة اليوم

بالرغم من سمو الحياة المُكرسة فهي حياة تماثل عن قرب الحياة التي اعتنقها وعاشها يسوع، الكلمة المتجسد، إلا هناك مخاطر تعترضها، كما يظهر من نص التجلي.

خطر التقسيم: “فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى، وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً”: في الحياة المُكرسة قد يقع المكرسون في خطر تقسيم حياتهم إلى مظال متعددة، متنافرة أحيانًا: ما بين مظلة “حياة الصلاة”، ومظلة “العمل الكرازي والرسولي”، ومظلة “خدمة الأنفس بقوتنا الذاتية”. هكذا ينبه المجمع الفاتيكاني الثاني: “كل حياة المكرسّين تتداخل فيها الروح الرسولية وكل الحياة الرسولية تكون مضطرمة بالروح الرهبانية” (م. ك: 8).

خطر الخوف: وَلَمَّا سَمِعَ التَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً. فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: “قُومُوا ، وَلاَ تَخَافُوا” (متى 17: 6- 7). سبب الخوف هو عدم المعرفة: ” لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ (مر 9: 6)، إن عيش الدعوة للحياة المكرسة لا تتحقق ما لم يسعَ المكرسون إلا التعرف على سرّ المسيح المتجلّي بكل أبعاده. ارتباطنا بالعهد مع يسوع المسيح لا يستلزم فقط القدرة الروحية ويقلّل من قدر ومن قدرة الجوانب الأخرى كالقدرات العقلية والنفسية. نحن مدعوون لأن نكون بكليّتنا للمسيح وفي خدمة إنجيله. لأن العقل بحاجة الى الإيمان ليفهم بشكل عميق محتوى الإيمان رغم أن الحقيقة الإيمانية المطلقة تبقى بعيدة عن قدرة العقل على إحتواءها. إن فهمًا عميقًا يتطلب إيمانًا أكثر عمقًا، فكما يقول القديس أغسطينوس: “أنا أومن لأفهم، وأفهم لأومن”.

خطر رفض قبول الآلم: “فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ” (لو 9: 32): الرسل أوشكوا أن يناموا ساعة إعلان الآلام المستقبلية، إنما إستيقظوا لحظة المجد الإلهي، هربوا من ضرورة الألم وطالبوا بدوام المجد غير النهائي، تعلّقوا بالصورة المسبقة للمجد السماوي وأرادوا أن يبقوه بينهم بشكل دائم.  كم من المرّات نرغب نحن المكرسون بهذا المجد الزائل ونطلب بدوامه بيننا، ويثقّل النعاس أعيننا عندما ندرك أن علينا أن نتألّم، ونحمل الصليب بفرح، لنبلغ مجد القيامة، فنحاول أن نتهرب بالنعاس الوجودي؟ إيليا، الموجود أمام المسيح، يعاين مجده، قد سقط أيضًا في اليأس والخوف: “فخافَ وقامَ ومَضى لإنقاذِ نَفسِه” إلا أن الله قد عضده بسرعة إذ أرسل إليه العزاء وزاد الطريق، المسيح يعرف ضعفنا وماذا يواجهنا في دعوتنا كمكرسين ويقول لنا: “لا تخافوا، فأنا غلبت العالم”.

الخلاصة:

يدعو البابا فرنسيس المُكرسين، في رسالته الرعائية، إلى اختبار فرح معرفة إنهم يشبهون يسوع المسيح. فالعالم أن يشهدوا كيف عاش يسوع على الأرض: ” الإنسانيّة كلّها تنتظر: أشخاص فقدوا كلّ رجاء، عائلات تعاني صعوبات، أطفال متروكون، شباب انغلق المستقبل أمامهم مسبقًا، مرضى ومسنّون متروكون، أغنياء شبعوا من الخيرات وقلوبهم فارغة، رجال ونساء يفتّشون عن معنى لحياتهم، متعطّشون للألوهة”. الجميع يتنظر مسيحًا آخر متجسد في حياة المكرسين اليوم.

[1] Teod. Cat. 2, 1: Lefort, p. 38.

قد يعجبك ايضا
اترك رد