إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الطوباوي: جون دونس سكوت

0 63

جون دونس سكوت

إخوتي وأخواتي الأعزّاء،

أودّ أن أقدّم لكم هذا الصباح، وبعد بضعة تعاليم مسيحيّة حول اللاهوتيّين الكبار، شخصيّة هامّة أخرى في تاريخ اللاهوت: نحن نتكلّم عن الطوباويّ جون دونس سكوت، الذي عاش في نهاية القرن الثالث عشر. يلخّص نقشٌ قديم على قبره إحداثيّات سيرته الجغرافيّة: “استقبلتهُ إنكلترا، علّمتهُ فرنسا، تحتفظ بِذخائره كولونيا في ألمانيا، وُلد في إسكتلندا”. لا يمكننا تجاهل هذه المعلومات، لأنّه ليس لدينا سوى القليل من الأخبار عن حياة دونس سكوت. فقد وُلد على الأرجح عام 1266 في قرية كانت تدعى دونس تحديدًا، بالقرب من أدنبره. وقد جذبه كاريزما القدّيس فرنسيس الأسيزي، فدخل في عائلة الإخوة الأصاغر، وسيمَ كاهنًا في عام 1291. كان دون سكوت ذا ذكاء حادّ وميل نحو التأمّل والتبصّر- ذكاءٌ استحقّ له من جانب التقليد لقب Doctor subtilis، أي الملفان الدقيق – فاتّجه إلى دراسة الفلسفة واللاهوت في جامعات أكسفورد وباريس المشهورة. وعندما أنهى دروسه بنجاح، بادر إلى تعليم اللاهوت في جامعتَي أكسفورد وكمبريدج، ومن ثمّ في باريس، مُبتدئًا في التعليق، كما كلّ معلّمي ذاك الزمان، على “أحكام” بياترو لومباردو. تمثّل الأعمال الرئيسيّة لدونس سكوت في الواقع ثمرة ناضجة لهذه الدروس، وتأخذ عناوينها من الأماكن التي علَّمَ بها: Opus Oxoniense (أكسفورد)، Reportatio Cambrigensis (كامبريدج)، Reportata Parisiensia (باريس). ورحل عن باريس عندما اندلع صراع خطير بين الملك فيليب الرابع الوسيم والبابا بونيفاسيوس الثامن، إذ فضّلَ دونس سكوت المنفى الاختياريّ بدلاً من التوقيع على وثيقة مُعادية للحبر الأعظم، فرضها الملك على كلّ رجال الدين. وهكذا غادر سكوت البلاد، حبًّا بالكرسيّ الرسولي، جنبًا إلى جنب مع الرهبان الفرنسيسكان.

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، يدعونا هذا الحدث لنتذكّر كم مرّة، في تاريخ الكنيسة، لاقى فيها المؤمنون العداء وحتّى الاضطهاد بسبب ولائهم وإخلاصهم للمسيح والكنيسة والبابا. ونحن نتطلع جميعًا بإعجاب إلى هؤلاء المسيحيّين، الذين يعلّمونا كيف نحافظ على الإيمان بالمسيح والشراكة مع خليفة بطرس، وبالتالي مع الكنيسة الجامعة، كما على مُلكٍ ثمين.

بيد أنّ العلاقات بين ملك فرنسا، وخليفة بونيفاسيوس الثامن سرعان ما عادت علاقات وديّة، وفي سنة 1305، استطاع دونس سكوت العودة إلى باريس لتدريس اللاهوت بصفة Magister regens، ما يُعادل اليوم درجة أستاذ عاديّ. أرسله رؤساؤه في وقت لاحق إلى كولونيا كأستاذ في المعهد اللاهوتيّ الفرنسيسكانيّ، لكنّه تُوفّي يوم 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1308، عن عمر 43 سنة فقط، تاركًا مع ذلك عددًا كبيرًا من المؤلّفات.

ونظرًا لِصيت القداسة التي كان يتمتّع به، انتشر تكريمه بسرعة بين الرهبنة الفرنسيسكانيّة، وأراد المكرّم البابا يوحنّا بولس الثاني أن يثبِّته رسميًّا كطوباويّ في 20 آذار/مارس 1993 واصفًا إيّاه بـ “مرنّم الكلمة المتجسّدة، والمدافع عن عقيدة الحبل بلا دنس”. ويُلخِّص هذا التعبير المساهمة الكبيرة التي قدّمها دونس سكوت لِتاريخ اللاهوت.

قبل كلّ شيء، لقد تأمّل دونس سكوت في سرّ التجسّد وأكّد، على عكس العديد من المفكّرين المسيحيّين في ذلك الزمان، على أنّ ابن الله كان سيتأنَّس حتّى ولو لم تسقط الإنسانيّة في الخطيئة. ويجزُم في الـ Reportata Parisiensa قائلا: “إنّ الاعتقاد بأنّ الله كان ليتخلّى عن هذا العمل لو لم يخطئ آدم هو من غير المعقول تمامًا! أقول إذًا إنّ السقوط لم يكن سبب قدر المسيح – وحتّى لو لم يسقط أحد، لا ملاك ولا إنسان – بهذا الافتراض لكان المسيح مقدّرًا له نفس الشيء” (III Sent., d. 7, 4). ربّما تثير هذه الفكرة الدهشة قليلاً، فقد نشأت لأنّ تجسُّد ابن الله بالنسبة لِدونس سكوت، المُخطّط له منذ الأزل من قِبَل الله الآب في مشروع محبّته، هو اكتمال الخلق، ويجعل من الممكن لكلّ مخلوق، في المسيح وبواسطته، أن تفيض عليه النعمة، فيُقدِّم الثناء والمجد لله إلى الأبد. على الرغم من أنّ دونس سكوت يدرك في الواقع أنّ المسيح، وبسبب الخطيئة الأصليّة، قد خلّصنا بفدائه وموته وقيامته، فهو يؤكّد أنّ التجسّد هو العمل الأكبر والأجمل في كلّ تاريخ الخلاص، وهذا لا يتأثّر بأيّ حدث طارئ، بل يشكِّل الفكرة الأصليّة لله التي تتمثّل أخيرًا في توحيد جميع الخلق بذاته في شخص الابن وجسده.

وكَتلميذ مُخلص للقدّيس فرنسيس، كان دونس سكوت يحبّ التأمّل والوعظ حول سرّ آلام المسيح الخلاصيّة، وهي تعبير عن محبّة الله الشاسعة، وهو تعالى ينقل بِسخاء كبير خارج ذاته إشعاعات طيبته ومحبّته (راجع Tractatus de primo principio). ولا تظهر هذه المحبّة على الجلجلة فحسب، بل أيضًا في القربان المقدّس، الذي تعبّد له دونس سكوت، إذ كان يرى فيه سرّ الحضور الحقيقيّ ليسوع وسِرّ الوحدة والشراكة الذي يدفعنا إلى محبّة بعضنا البعض ومحبّة الله بصفته الخير المشترك الأعظم (راجع Reportata Parisiensia).

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، هذه النظرة اللاهوتيّة، التي “تتمحور حول المسيح” بشدّة، تفتح لنا أبواب التأمّل والدهشة والامتنان: فالمسيح هو محور التاريخ والكون، وهو الذي يعطي معنًى وكرامة وقيمة لِحياتنا! كما قال البابا بولس السادس في مانيلا، أنا أيضًا اليوم أودّ أن أصرخ للعالم: “[المسيح] هو الذي أظهر الله الذي لا يُرى، هو بكر كلّ خليقة، هو أساس كلّ شيء، وهو معلّم البشريّة، هو المخلّص؛ إنّه وُلد ومات وقام من أجلنا؛ وهو محور التاريخ والعالم؛ هو الذي يعرفنا ويحبّنا؛ وهو الرفيق والصديق في حياتنا… لن أنتهي أبدًا من الحديث عنه” (عظة 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1970).

لم يكن دور المسيح في تاريخ الخلاص وحده موضوع تأمّل “الملفان الدقيق”، ولكن أيضًا دور مريم. كان لدى معظم اللاهوتيّين في زمن دونس سكوت اعتراض يبدو من الصعب تخطّيه حول العقيدة التي تقول إنّ مريم كليّة القداسة كانت بريئة من الخطيئة الأصليّة منذ اللحظة الأولى من الحبل بها: في الواقع، تبدو عالميّة الفداء الذي أنجزه المسيح، للوهلة الأولى، معرّضة للخطر بهذا التأكيد، وكأنّ مريم لم تكن لديها حاجة للمسيح وخلاصه. لهذا كان اللاهوتيّون معارضين لهذه النظريّة. ولشرح هذا الصَون من الخطيئة الأصليّة، عالج دونس سكوت موضوعًا سوف يعتمده أيضًا الطوباويّ البابا بيوس التاسع عام 1854، عندما عرّف رسميًّا عن عقيدة الحبل بمريم بلا دنس. وهذا الموضوع هو “الفداء الاستدراكيّ”، الذي يمثّل وفقه الحبل بها بلا دنس تحفة الفداء الذي أنجزه المسيح، لأنّ قوّة حبّه بالضبط ووساطته قد جعلت أمّه مصانة من الخطيئة الأصليّة. فالمسيح إذًا قد افتدى مريم بالكامل، ولكن حتّى قبل الحبل بها. اقتبل الفرنسيسكان إخوانه هذه العقيدة ونشروها بحماس، وتعهّد لاهوتيّون آخرون، غالبًا بقسَم رسميّ، بالدفاع عنها وتحسينها.

وفي هذا الصدد، أودّ أن أسلّط الضوء على مُعطًى يبدو لي هامًّا. لقد أغنى لاهوتيّون بارزون – كَدونس سكوت وأعماله حول عقيدة الحبل بلا دنس – بمساهمتهم المحدّدة ما كان يؤمن به شعب الله تلقائيًّا عن القدّيسة مريم العذراء، وكان هذا يتجلّى في أعمال العبادة والتكريم وتعابير الفنّ وعمومًا في العيش المسيحي. وهكذا فالإيمان بالحبل بلا دنس أو بانتقال مريم العذراء بالجسد على السواء كان موجودًا حينها لدى شعب الله، بينما لم يكن اللاهوت قد عثر بعدُ على مفتاح تفسيرهما في كامل عقيدة الإيمان. فشعب الله يسبق إذًا اللاهوتيّين، وكل هذا بفضل sensus fidei أي “حسّ الإيمان” الخارق، أي تلك القدرة التي يسكبها الروح القدس، ويسمح لنا باعتناق واقع الإيمان، بتواضع القلب والعقل. بهذا المعنى، فإنّ شعب الله هو “السلطة التعليميّة التي تسبق اللاهوت”، ومن ثمّ يجب أن يتعمّق اللاهوت ويقتبل الأمور فكريًّا. أتمنّى أن يتمكّن اللاهوتيّون دومًا من الإصغاء إلى مصدر الإيمان هذا والإبقاء على تواضع الصغار وبساطتهم! لقد ذكرت هذا قبل بضعة أشهر قائلاً: “هناك مثقّفون كبار، ومتخصّصون كبار، ولاهوتيّون كبار، وأساتذة في الإيمان، علّمونا الكثير من الأشياء. وقد توّغلوا في تفاصيل الكتاب المقدس… ولكنّهم لم يتمكّنوا من رؤية السرّ نفسه، النواة الحقيقيّة… فقد بقي الجوهر مخفيًّا! بدلاً من ذلك، نجد أيضًا في عصرنا صغارًا عرفوا ذاك السرّ. نُفكِّر هنا بالقدّيسة برناديت سوبيرو، والقدّيسة تريز من ليزيو، بقراءتها الجديدة “غير العلميّة” للكتاب المقدّس، تدخل مع ذلك إلى قلب الكتابات المقدّسة” (عظة القدّاس الإلهيّ مع أعضاء اللجنة اللاهوتيّة الدوليّة، 1 كانون الأوّل/ديسمبر 2009 ).

وفي النهاية، تعمّق دونس سكوت بنقطة حساسّة جدًّا بالنسبة للحداثة، أي موضوع الحرّيّة وعلاقتها بالإرادة والعقل. يؤكّد مؤلّفنا على الحريّة كَصفة أساسيّة للإرادة، فبدأ بذلك تيّارًا ذا منحًى إراديّ، نما في تناقض مع ما يسمّى العقلنية الأغسطينيّة والتوميّة. فبالنسبة للقدّيس توما الأكوينيّ، الذي تبع القديس أغسطينوس، لا يمكن أن تعتبر الحريّة صفة فطريّة للإرادة، بل هي ثمرة تعاون الإرادة والعقل. تُولِّد فكرة الحرّيّة الفطريّة والمطلقة المتموضعة في إرادة سابقة للعقل، سواء في الله أو في الإنسان، خطرًا يكمن في الوصول إلى فكرة عن إله لا يرتبط حتّى بالحقّ والخير. إنّ الرغبة في صون سموّ لله واختلافه مع التشديد الجذريّ على إرادته التي لا يمكن وُلوجها، لا تأخذ في الاعتبار أنّ الله الذي أظهر نفسه في المسيح هو الله اللوغوس “الكلمة” الذي عمل ويعمل ممتلئًا محبّة لنا. بالطبع، كما يؤكِّد دونس سكوت على خط اللاهوت الفرنسيسكانيّ، تتفوّق المحبّة على المعرفة وهي دومًا قادرة على إدراك ما يتجاوز العقل، ولكنّها دومًا محبة الله “الكلمة” (راجع بينديكتس السادس عشر، الخطاب في ريغنسبورغ، تعاليم البابا بينديكتس السادس عشر، الجزء الثاني [2006]، ص 261). وفي الإنسان أيضًا فكرة حريّةٍ مطلقة، كامنة في الإرادة، تتناسى ارتباطها بالحقّ وتتجاهل أنّ الحرّيّة نفسها يجب تخليصها من المحدوديّات التي تأتيها من الخطيئة.

في حديثي إلى الإكليريكيّين في روما العام الماضي، ذكّرتُ أن “الحرّيّة في كلّّ الأزمنة كانت الحلم الكبير للبشريّة، ومنذ البداية، ولكن على الأخصّ في العصر الحديث” (خطاب في الإكليريكيّة البابويّة الرومانيّة الكبرى، 20 شباط/فبراير 2009 ). ولكن يعلّمنا تاريخنا المعاصر تحديدًا، عدا عن تجربتنا اليوميّة، أنّ الحرّيّة أصيلة، وتساعد على بناء حضارة إنسانيّة حقًّا، ولكن فقط عندما تكون متوافقة مع الحقيقة. فإذا كانت منفصلة عن الحقيقة، تصبح الحريّة بشكلٍ مأساويّ بداية دمار التناغم الداخلي للشخص البشريّ، ومصدر استغلال من جانب مَن هم أقوى وأعنف، وسببَ معاناةٍ وحزن. يؤكِّد دونس سكوت أنَّ الحرّيّة تنمو وتكتمل، شأنها شأن كلّ القدرات التي يملكها الإنسان، حين ينفتح الإنسان على الله، مقيِّمًا ذلك الاستعداد لِلإصغاء إلى صوته، الذي يسمّيه potentia oboedientialis قوّة الطاعة: فعندما نصغي إلى الوحي الإلهيّ، إلى كلمة الله، لكي نقتبلها، تصلنا رسالة تملأ حياتنا نورًا وأملاً ونصبح حقًّا أحرارًا.

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، يعلّمنا الطوباويّ دونس سكوت أنّ جوهر حياتنا هو أن نؤمن بأنّ الله قريبٌ منّا ويحبّنا في المسيح يسوع، وأن ننمّيَ لذلك محبّةً عميقة لله وكنيسته. نحن شهودٌ لهذه المحبّة على هذه الأرض. لتساعدْنا القدّيسة مريم على تلقّي محبّة الله اللامتناهية هذه التي سوف نتمتّع بها بالملء في السماء إلى الأبد، عندما تصبح نفسُنا متّحدة أخيرًا بالله على الدوام، وفي شركة القدّيسين.

البابا بندكتوس السادس عشر

تعليم 07 يوليو (تموز) 2010

قد يعجبك ايضا
Loading...