إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

التفكير الإيجابي

0 663

التفكير الإيجابي

لا تعني الصحة النفسية خلو حياة الفرد من الاضطرابات النفسية، كما سبق أن نوهنا، ولكنها حالة توافق مع النفس تعتمد على الرضا عن الأمور التي لا يستطيع الفرد تغييرها. لذا يشكل الرضا عن الحياة أمرً جوهريًا للفرد حتى يمكن وصفه بأنه يتمتع بصحة نفسية سليمة.

نعني بالرضا عن الحياة ذلك القبول الذي يشعر به الفرد وقناعته بحياته الشخصية التي أعطيت له، وتكيفه معها بدرجة تكفي للشعور بالرضا وهدوء البال وعدم التذمر، بما لا يتعارض مع وجود الطموح نحو التغير فيما يستطيع تغييره. هو التفكير الإيجابي في أمور الحياة، فيما حدث له في الماضي، والتوجه الواثق في الحاضر وتفائله بتحقيق النجاح في المستقبل.

ما يحدد التفكير الإيجابي هو التوجه الذهني للشخص، فهو القوة الرئيسية التي تحدد ما إذا كان الإنسان سينجح في حياته أو يفشل. بالنسبة إلى البعض، يمثل التوجه الذهني صعوبة في كل فرصة، وبالنسبة إلى البعض الآخر، يمثل فرصة في كل صعوبة. البعض ينمو ويشعر بالرضا عن حياته بسبب التوجه الذهني الإيجابي، والبعض يتراجع إلى الخلف بسبب المنظور السلبي.

لا تخلو حياة الإنسان الناضج نفسيًا من المشكلات والأزمات والإخفاقات والمآسي والخسارة، مثلما هو الحال مع أي شخص آخر، لكن الفارق هو استجابة الفرد لمثل هذه التجارب. يردد الإنسان الإيجابي بعض الكلمات التي تدل أنه قوي وثابت في أوقات الأزمات، مثل: لست عاجزاً، أستطيع التعامل مع هذه المشكلة، لدي القدرة على تدبر أمري، أنا مصرّ على أن أبقى سعيداً وأستمتع بحياتي مهما صعبت الظروف، بل وأن أدخل السعادة في قلوب الآخرين، لا أنتظر الشفقة من أحد، كل ما أريده التفهم والتواصل، أفكر في طرق أفضل للتكيف مع المرض من أجل تحقيق حياة أفضل، ما زال لدي الكثير لأقوم به.

 في المقابل تجد الإنسان السلبي محبطاً يائساً محطماً إزاء الأزمات والأمراض، فكثيراً ما يردد عبارات مثل: أنا فاشل، لا يحبني أحد، لا فائدة من العلاج، حظي سيء وسأبقى تعيساً إلى الأبد، أحمل المسؤولية على فلان وفلان، من المستحيل أن أعيش حياة طبيعية وأشعر أنني عبء على الآخرين.

يحدد التوجه الذهني طريقة تعاملنا مع الحياة فهو الذي يُحدث الفارق الوحيد بين النجاح والفشل. فعلى سبيل المثال، عندما واجه بنو إسرائيل العملاق جوليات وجيشه، فكروا جميعًا بأسلوب: “إنه أضخم من أن نتمكن من القضاء عليه”. ولكن داوود نظر لنفس هذا العملاق وفكر بأسلوب: “إنه أضخم من أن أخطئ في إصابته”.

كيف يتكون التوجه الذهني الإيجابي

تعلب التنشئة دورًا محوريًا في تبنى التفكير الإيجابي أو السلبي. فغالبية الأطفال، باستثناء من تعرضوا للإيذاء، أو الإهمال يميلون لتبنى منظور إيجابي في الحياة. فلو كان هناك حدث مخطط له، كانتظار زيارة أو إجازة، تجدهم يتوقعون قضاء وقت سعيد، وعندما تسير الأمور بشكل خاطئ فإنهم يميلون لتقبل الأمر ويتابعون نظرتهم المتفائلة السابقة إلى الحياة. فمعظمهم لا يتوقعون سير الأمور بشكل خاطئ، كما أنهم يظهرون شغفًا حقيقيًا بالحياة. لكن متى تعرض الطفل لصعوبات من شأنها أن تؤثر على إشباع احتياجاته النفسية، خاصة الحب والأمان، فإنه من الصعب أن يتبنى التوجه الإيجابي الطبيعي الذي يتمتع به أي طفل.

يلعب تشجيع الطفل على النجاح في أمر ما أمرٌ في غاية الأهمية لتشكيل هذا المنظور الإيجابي للحياة. فعند تشجيع الطفل على النجاح فيما يستطيع القيام به من أعمال صغيرة له أثرٌ بالغ في تشكيل هذه النظرة في المستقبل. المشكلة عندما يحصر الآباء النجاح في التفوق الدراسي، ويفشل الطفل في تحقيق طموحاتهم. من الأفضل أن تتعدد مصادر التشجيع حتى لا يفقد الطفل شعوره بالقيمة في حالة فشله في أمرٌ ما. إذا عدت بالذاكرة إلى أيام الدراسة، من كان المعلم المفضل لديك؟ فكر الآن في السبب، ربما تكون أفضل ذكريات لك موجودة عن شخص كان يقبلك ويشجعك، نحن نادرًا ما نتذكر ما كان يقوله لنا معلمونا، ولكننا نتذكر بالفعل قدر حبهم لنا وتشجيعهم لما نحن عليه.

ليس بإمكان أحد أن يفعل أي شيء إزاء الأسرة أو الظروف التي نشأ فيها، فالماضي لا يمكن لأحد أن يغيره، إلا أنه بإمكانه أن يفعل شيء بشأن رؤيته لماضيه، وبالتالي حياته في الوقت الحاضر. فالناضج نفسيًا لا يعنى إنه لم يمر بمشكلات في حياته ونشأته، لكنه يقرر تجاوز آثار تلك المشكلات على حياته، مما يشعره بالرضا عنها.

كيف لنا أن نتعامل مع الماضي؟ إذا تملكت الفرد مشاعر سلبية كالغضب والحزن والاستياء تجاه أشخاص مؤثرين في حياته، فسيكون من الصعب عليه أن يواصل حياته بإيجابية، من الصعب عليه أن يشعر بالرضا عن الحياة، فهو يحتاج لمشورة نفسية أو تلقى علاج لكي يتجاوز تلك المشاعر السلبية ويشعر بمتعة الحياة.

تمرين:

  • سجل في ورقة بيضاء ثلاثة أمور لا تزال تتذكرها من طفولتك المبكرة، قبل أن تدخل المدرسة إن أمكن. قدي يتمثل ذلك في الانتقال من منزلك القديم إلى آخر، أو الإصابة بمرض، أو ولادة أخيك، أو وفاة أحد أبويك، أو تحقيق شيء ما.
  • أكتب الآن خمسة أشياء حدثت لك في السنوات العشر التالية من حياتك، سوف يتضمن ذلك تجاربك في المدرسة الابتدائية والإعدادية، وقد يتضمن أيضًا تكوين صداقات أو ربما انتهاءها. هل تتذكر إنك فزت بشيء، أو فشلت في القيام بأمر ما؟ ما التجارب الإيجابية التي تذكرها؟ عادة ما يكون من الأسهل تذكر الأمور السلبية. ما الذي جعلك تشعر بالرضا عن نفسك في هذه السن؟ ضع عمرك التقريبي بجوار كل ذكرى إن أمكن ذلك.
  • والآن، اكتب خمس تجارب حدثت لك مؤخرًا. ما الذي حدث لك منذ أنهيت مرحلة الدراسة؟ قد تكون هناك حالات مرض أو وفاة أو حوادث أو حرمان، ولكن على الصعيد الآخر قد تجد ولادات أو إجازات وإنجازات ومتع. أبرز التجارب الإيجابية بخط عريض أو بلون مختلف. إذا كان لديك مزيد من التجارب السلبية، فهل تستطيع أن تتذكر مزيدًا من التجارب الإيجابية لتضيفها؟
  • من بين التجارب السلبية، أيهما في نظرك أثرت عليك أكثر من غيرها؟ هل هناك أي تجارب تذكرها بدت لك كارثة في ذلك الوقت، ولكنك تراها الآن بشكل مختلف؟ أيهما في نظرك لا تزال تؤثر عليك حتى الآن؟ هل هناك ما يمكنك أن تفعله في هذا الأمر؟

بعض الناس يجدون أنه من الأسهل تذكر التجارب المؤلمة، ويواجهون صعوبة في تذكر التجارب الحلوة. استمتع بتذكر التجارب السعيدة، وشاركها مع شخص آخر. حاول أن تتذكر التجارب الطيبة بمزيد من التفاصيل وانظر ما إذا كان بإمكانك تذكر مشاعرك في ذلك الوقت. ثبتها في عقلك لتتمكن من تذكرها وقت حاجتك إليها.

ماذا بإمكانك أن تفعل؟

إذا كنت تعتقد أنك تنظر للحياة بسلبية، نظرًا لوجود مشكلات لم تسوها بعد مع أشخاص أو أحداث معينة في الماضي، فإنك بحاجة للتعامل معها قبل أن تواصل طريقك. إذا تمسكت بجراحك فإنك تسمح لأولئك الأشخاص وتلك الأحداث بأن تظل تجرحك، وهذا يعنى أن أهمال والديك لك سيجعلك دومًا تشعر بأنك فاشل، وإن احباطاتك في الماضي ستظل عائقًا يمنعك من الرضا عن حياتك.

  • اعترف بمشاعرك: الخطوة الأولى في هذه العملية هي أن تصبح على دراية بمشاعرك وعواطفك عندما تواجه مشكلة أو فرصة صعبة، ومن خلال التعرف على إشاراتك العاطفية، سوف تكون مستعدًا للاستجابة إلى أي موقف. فبإمكانك أن تستحضر المشاعر المادية بمجرد التفكير فيما حدث في الماضي: فموقف محرج قد يجعلك تخجل ويزيد ضربات قلبك حتى عندما تتذكره بعد مرور سنوات على حدوثه. والمشاعر السلبية كالغضب والخوف والاشمئزاز لا يجب تجنبها بالضرورة، فقد تكون مفيدة، لأنها تحذرنا من خطر أو هجوم نتعرض له وتنبهنا لأن نتوخى الحذر.
  • حرر نفسك: تعد القدرة على العفو أول خطوة للتحرر من المؤثرات السلبية لماضيك. قد يكون استرجاع ذكريات الماضي التي تود نسيانها تجربة مؤلمة بالنسبة لك. ولكن حقيقة كتابتك ذلك تدل على أنك لم تنساها بعد. وقد يكون من المفيد استرجاع الماضي، إذا أتحت لنفسك الوقت وتفهمت أنك تملك القوة والنضج اللذين يمكنانك من رؤية الأمور بشكل مختلف الآن. سامح نفسك أولاً، ففي الغالب يكون للأشخاص الذين يشعرون بسلبية تجاه أنفسهم معايير عالية لم يصلوا إليها قط. لذا من المهم مسامحة النفس على الأخطاء السابقة، والتركيز على التعامل مع الأمر وقبوله ومسامحة الآخرين ومساعدتهم.
  • رتب قناعاتك الشخصية: ترتبط القناعات التي تؤمن بها بطريقة تفكيرك، وهي ذات تأثير كبير على حياتك وكيفية استجابتك للأشياء التي تقدمها لك الحياة (سواء كانت جيدة أو سيئة). كل تجربة تعيشها في الحياة تسهم في تشكيل قناعاتك، التي تؤثر بدورها في تفكيرك إيجابيًا أو سلبيًا. تميل قناعاتك السلبية لأن تكون ثابتة، وقد تشعر كأنها صحيحة بلا شك. ولكنها ليست كذلك، وبمجرد أن تحددا، يصبح تغييرها أمرًا ممكنًا. وسوف يغير ذلك نظرتك إلى الحياة بأكملها.

كذا التفكير في المستقبل قد يثير مشاعر معينة مثل القلق نتيجة أفكار سلبية بشأن أمور لم تحدث بعد وقد لا تحدث مطلقًا. ومن المؤشرات البدنية الشائعة التي تخبرك بأنك تواجه أو تفكر في موقف صعب تصبب العرق، واحمرار الوجه، وارتعاش الركبتين، والصداع النصفي، وآلام المعدة والشعور بالإرهاق وسرعة ضربات القلب. كل هذه الأشياء تنبهك لحقيقة شعورك بعدم الارتياح أو الخوف.

عندما تتعرف على هذه العلامات عليك أن تهدأ وتأخذ نفسًا عميقًا، ولا تتفوه بكلمة حتى تهدأ. فقط تذكر أنك وحدك الذي تشعر باستجابات الجسم تلك، وأن الآخرين لا يشعرون بها في العادة، وحتى لو أحسوا بها، فماذا في ذلك؟

  • حدد أفكارك: عندما يبدى جسمك أيّا من هذه الاستجابات البدنية، عادة ما يصاحب ذلك تسارع الأفكار في رأسك. على سبيل المثال، إذا تحدثت في اجتماع وشعرت بأن وجهك يحمر، فقد تقول في نفسك: “الجميع ينظر لي، من أعتقد نفسي؟ من الغباء أن أفعل ذلك”. يكمن الحل في أن تتدرب على تغيير أفكارك حتى تتحدث في الاجتماع وأنت تقول لنفسك: “من حقي أن أعبر عن نفسي. إنها فكرة جيدة. أو أنا سعيد بنفسي وقادر على إدارة الأمر”.
  • اِعلم أن التفكير السلبي هو آلية من آليات حماية النفس: فأنت تخشى اقتراب خيبة الأمل، لذلك فإنك تعد نفسك لها، وكأنك تخفف على نفسك هذا الأمر. اِنتبه إن توقع الفشل يؤثر على السلوكيات، كما أنه يمنعك من التعبير عن نفسك.

التفكير الإيجابي يستلزم العمل الجاد وإصرارًا حقيقيًا على التغيير. إنه يعنى تحدي الأفكار والعادات التي اكتسبتها طوال حياتنا ومعرفة أن التغيير لن يحدث في يوم وليلة، لأنه يتطلب تغيير القناعات الشخصية في الحياة. أنت تحتاج إلى واحد وعشرين يومًا تقريبًا لكي تعتاد على القيام بسلوك جديد وترسخه بشبكتك العصبية. بإمكانك أن تجرب ذلك بنفسك بأن تختار اكتساب عادة جديدة لتحل محل العادة التي ترغب في “تغييرها”. سوف تحتاج لبعض الوقت قبل ترسيخ العادات الجديدة والتخلص من العادات السلبية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد