إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

حديقة الحيوان

0 892

لحديقة الحيوان بريقٌ خاص في نفوس الصغار والكبار على السواء. يتسابق الجميع لاستغلال المناسبات لرؤية الحيوانات في أقفاصها : الأسد والفيل والزواحف باشكالها المُختلفة. أود اليوم في مرافقتك أيها القارئ العزيز لزيارة حديقة للحيوانات غربية لم ترى مثلا يومًا. يصف أشعيا حديقةً خاصة جدًا فيقول: “يَسكُنُ الذِّئبُ معَ الخروفِ، ويبيتُ النَّمرُ بجانِبِ الجدْي. ويَرعى العِجلُ والشِّبلُ معًا وصبيًّ صغيرٌ يسوقُهُما. وتُصاحِبُ البقَرَةُ الدُّبَ ويبيتُ أولادُهُما معًا. ويأكُلُ الأسدُ التِّبنَ كالثَّورِ. يلعبُ الرَّضيعُ على وكرِ الأفعى، ويضَعُ يَدَهُ في مَكمَنِ الثُّعبانِ” (أشعيا 11: 6- 8).

ما هذه الحديقة الغريبة؟ كيف يسكن الذئبُ مع الخروف؟ وكيف يبيتُ الجدي مع النمر؟ ويرعى الأسد مع العجل ويسوقهما صبي صغير؟ كيف يضع الطفل الصغير يده في جُحر الأفعي؟ كيف للأعداء أن يسكنوا معًا، وللحيوانات الضعيفة أن ترعى مع حيوانات مفترسة؟ إنها حديقة عجيبة وغريبة، ماذا صنع مسئولي الحديقة لنزع غريزة الإفتراس من الذئب والنمر والأسد والدُّب؟

إن ما يصفه أشعيا هو نبوءته عن الزمن المسيحاني، زمن الملكوت الذي يحلُّ فيه السلام في قلوب البشر والمخلوقات جميعًا. حينما يسودَ المسيح على القلوب، عندما يملك “رئيس السلام” سَّيعم السلام والحب والتضامن والعدل والاتفاق بين جميع البشر، بل ومع المخلوقات أيضًا. زمنٌ يعود فيه الإنسان إلى حالة البرارة الأولى، حيثُ آدم يعيش في تناغم من الكون كله، مع المخلوقات والطبيعة . عندما نقرأ الأدب الرهباني نجد النساك والرهبان يعيشون في تناغم مع الطبيعة والمخلوقات -يستخدم أحدهما (هيلِّي) تمساحًا كمعدية ليعبر إلى الضفة الأخرى من النيل، ويساعد أسدان أنطونيوس الكبير في دفن الأنبا بولا، ويُسيطر فرنسيس الأسيزي على ذئب أجبيو- للدلالة على وصول الناسك إلى درجة من البرارة الكاملة في علاقته بالله، كآدم الأول قبل السقوط.

عندما يحلُ الزمن المسيحاني يتبدل كل شيء. فمَن قَبِلَ يسوع المسيح، يتبدل تمامًا مثل بولسَ الرسول الذي قتلَ وسجن كثيرين في أيام توحشه وتعصبه صار بعد إيمانه لطيفًا مع الناس جميعًا حتى اشتد به الحنين يومًا فصاح قائلاً: ” فمَنْ يَضعُفُ وأنا لا أضعُفُ معَهُ، ومَنْ يقَعُ في الخَطيئَةِ وأنا لا أحتَرِقُ مِنَ الحُزنِ علَيهِ”.

إذا أراد إنسان أن يدخل هذه الحديقة العجيبة عليه أن يطرح عنه كل مظاهر الكراهية، الحقد، الضغينة لأي إنسان، عليه أن يّحب الجميع حتى الأعداء منهم: “إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضًا يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ” (متى 5: 43).

قد يعجبك ايضا
اترك رد