إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تاريخ الحياة المكرسة (15): العصر الوسيط

0 193

الحياة النسكية في العصر الوسيط

شهد القرن الثاني عشر الكثير من المتغيرات السياسية والكنسية التي أثرت بشدة على الحياة المُكرسة. لعل أهم هذه المتغيرات هي ظهور فئة جديدة في هيكلية المجتمع وهي فئة التجار. فقد كانت هيكلية المجتمع آنذاك هرمية، يتصدر قمتها الإقطاعيون، سادة المجتمع، أصحاب الأملاك والعقارات الضخمة، وفي أسفلها عامة الشعب الذي يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان الريف، تابعين دائما للفئة الأولى. ثم جاءت فئة التجار، كفئة جديدة في المجتمع، وقد تحرروا من الارتباط بالأرض والتقيد بها. وقد أتاح لهم هذا التحرر الانفتاح على أفاق التبادل الفكري بين الثقافات المختلفة. كذلك أتاح التحول في أهمية الأرض، التي كانت تعتبر مركز المجتمع الإقطاعي، فتبدل الحال في عالم المدينة وأصبح المال هو الحائز على الأهمية الأكبر. فأصبح الثراء غير قائم على امتلاك الأرض وحسب، بل على المال أيضًا.

تصادم تجار المدن وصناعها مع النظام الإقطاعي القديم وطالبوا بمزيٍد من الحرية والاستقلالية للأفراد. وتصاعدت حدة الانتقادات للكنيسة بوجه عام، وللرهبانيات الإقطاعية التي تمتلك الكثير من الأراضي، كما أسلفنا القول، كالسيسترسيون وغيرهم. إزاء هذا الواقع الأليم، انطلقت الكثير من الجماعات العلمانيّة تنادي بالتّغيير والتّجديد بهدف إصلاح الكنيسة، واتخذوا موقفًا عدائيًّا ضد الكنيسة، فحاربوها بشراسة، بسبب اعتراضهم على غياب الفقر الإنجيلي في حياة الكنيسة.

حلت اللغة الرومانية تدريجيًا محل اللاتينية، مما ساهم في انعزال الناس على الكنيسة التي تمسكت باللاتينية، وصار للعلمانيين تراجم للأناجيل ورسائل بولس والمزامير إلى اللغات الدارجة، مما أدي لمنع الكنيسة، في مجمع تولوز العام 1229م وتراغون العام 1234م العلمانيين من امتلاك أو قراءة ترجماتٍ للكتاب المقدس باللغات الدارجة. فزاد هذا الأمر سوءً، فظهرت الكثير من الحركات العلمانية اعتراضًا على تهميشها من قِبل السلطات الكنسية. وتكونت جماعات إصلاحية ترغب في العودة إلى الحياة بحسب تعاليم الإنجيل، بالدّعوة إلى حياة الفقر ومشاركة الخيرات، وأيضًا مقاومة الكنيسة التي لم يرق لهم وضعها السائد. والآن نعرض لأهم هذه الحركات التي وُلِدت مع بدايات القرن الثاني عشر:

أولًا: الرهبنات العسكرية

ارتبط القديس برنردوس بظهور مؤسسةٍ رهبانيةٍ جديدة في الكنيسة بفضل عظاته في الحمل الصليبة الثانية في العام 1145م، وهي الرهبان العسكريون. نادي برنردوس “بنوع جديد من الجهاد: يتوجه نحو الأراضي المقدسة، وغايته طرد المسلمين منها. تأسست جماعة “فرسان الهيكل”، في أورشليم حوالي العام 1118، وارتبطت بحماية القبر المقدس. كانت رسالتها الدفاع عن المسيحيين في مدينة أورشليم حتى بقوة السلاح. وحافظ فرسان الهيكل على الفقر والعفة والطاعة، ولذلك اعتُرِفَ بهم رهبانًا، واعتمدت قوانينهم على قوانين القديس بندكتوس وقواعد السلوك السيسترسية، التي تتضمن مظاهر العبادة من التزام بصلوات الفرض الإلهي والصوم والملابس الرهبانية التي تتلاءم مع حياتهم العسكرية.

ظهر أيضًا فرسان مالطا لحماية مستشفى القديس يوحنا المعمدان، وتبعوا قوانين القديس أغسطينوس، بالعيش في الفقر والعفة والطاعة وحياة جماعية. ظهرت المشكلة في اعتبار هؤلاء رهبانًا بالرغم من تكريسهم للحرب وضرورة قتل العدو.

انتشرت هاتان المجموعتان بوقتٍ قصيرٍ في أوربا كلها، وكان لهما دورًا مهمًا في تحرير إسبانيا من العرب. وتشكلت في إسبانيا مجموعة أخرى عُرِفَت باسم فرسان القديس يعقوب دي كومبوستيلا، إلا إن هؤلاء لم يكونوا رهبانًا فلم يتوجب عليهم حفظ النصائح الإنجيلية.

ثانيًا: الفالديّون Valdesi

ترجع جذور هذه الجماعة ونشأتها إلى بيترو فالدو[1] Pietro Valdo o Valdes، في ليون بفرنسا مع نهايات القرن الثاني عشر. كان فالدو تاجرًا غنيًّا، وبعد سماعه لكلام الإنجيل[2] وتأثره بها، قرر أن ينفصل نهائيًّا عن العالم وأن يحيا فقيرًا، فترك ما يملك لزوجته، وفيما بعد للفقراء. انضم لفالدو رجالٌ ونساء لهم نفس الهدف، فاتّخذوا لهم لباسًا بسيطًا وأخذوا يتجوّلون هنا وهناك، اثنين اثنين للوعظ ليحثوا المؤمنين على التّوبة والاقتراب من الله. انتشروا في أماكن عدة حتى وصلوا إلى إيطاليا وعُرفوا “بفقراء ليون”. كان وعظهم لكلمة الله بدون تصريح من السلطة الكنسيّة، وعلاوة على ذلك اتّصف وعظهم بتوجيه اللوم إلى الإكليروس وإدانتهم مما جعل أسقف ليون يقف ضدهم، إلا أن فالدو توجّه عام 1179 إلى البابا إسكندر الثالث (1159 – 1181)، والذي أجاز لهم الوعظ شرط طلب إذن القائم على المكان الذي يريدون إلقاء الوعظ فيه.

لم يستطع الفالديّون العمل بهذا سوى زمنٍ قصيرٍ جدًّا، واعتمادًا على ما جاء في سفر أعمال الرسل الفصل الخامس بأنه يجب طاعة الله لا الناس، فقد خالفوا أوامر السلطة الكنسيّة، لذا حرمهم البابا لوشيوس الثالث  (1181 – 1185)، سنة 1184. اضطر الفالديّون إلى ممارسة معتقداتهم سرًّا، في علاقة مع أصدقائهم المؤمنين الذين كانوا يهتمونَ بهم ماديًّا، لأن الفالديّين ككاملين، قد تخلوا عن كل شيء فلم يملكوا شيئًا. كان الكتاب المقدس بالنسبة لهم قانون حياة، وقاموا بترجمته إلى اللهجات العاميّة.

عاش الفالديّون بحسب النذور الثلاثة الفقر والعفة والطاعة لرئيسهم (فالدو) المفوّض من قِبَل الله كما يعتقدون.

ثالثًا: الكتاريون (الألبيجيون)[3] Catari:

نشأت هذه الجماعة في شمال إيطاليا (لومبارديّا) وفي فرنسا مع القرن الحادي عشر. تَعُودُ هذه التَّسميَة إلى الكلمة اليونانيّة Katharos، والتي معناها “الأنقياء”؛ يقوم اعتقادهم على ثنائيّة الخير والشر الميتافيزيقيّة، الَّتي تعود جذورها إلى الفلسفة المانويّة، والذي ينتج عنها احتقار العالم الماديّ فكانوا يمتنعون عن الزواج كونه ضرورة ماديّة محض، حسب رأيهم، وإِنكار حُريّة الإرادة، وعدم الإيمان بقيامة الأجساد، كما كانوا ينكرون العديد من العقائد المسيحيّة. وتُدرج هذه الجماعة ضمن أخطر الهرطقات في ذلك الوقت.

أزمة الكنيسة في تلك الحقبة

لم يكن وضع الكنيسة كمؤسسة يختلف كثيرًا عن الوضع الاجتماعيّ، فكانت منغمسة في العديد من الأمور الدنيويّة، سواء على المستوى السياسيّ أو الرعويّ. فغدت السلطة المطلقة هي غاية معظم الرؤساء الكنسيين، فكان منهم أصحاب إقطاعيات كبيرة يحكمونها، كما أنه لا يمكن إِنكار العثرات الناتجة عن رجال الاكليروس. نتج عن ذلك تدهور حالتها كمؤسسة وعمل الكثيرون على محاربتها حتى بعض أبنائها، مِمَّن حاولوا إصلاح الأمور.

أفرزت هذه الأحداث والحركات الكنيسة ظهور رهبنياتان جديدتان في الكنيسة: الفرنسيسكان والدومنيكان، كردة فعل إصلاحية داخل الكنيسة، وعملتا على عودة المسيحية كما يطلبها الإنجيل وحياة الرسل الأوائل. أصلحت الأنماط الجديدة من الحياة المكرسة، خصوصًا في مجال الفقر والكرارزة.

[1]– ولد فالدو نحو عام 1130 في ليون بفرنسا، ومات سنة 1206 أو 1207. ويعتبر مؤسس الكنيسة الإنجيليّة المعروفة “بالكنيسة الفالديّة”. راجع K. BIHLMEYER – H. TUECHLE, Storia della chiesa II, ed. Italiani a cura di I. Rogger, ed morcelliana, Brescia 1966, p. 240.

[2]– النصوص الكتابيّة المعنيّة هنا هي مت 10: 5 ؛ لو10: 1.

[3]– يرتبط اسمهم يالألبيجيين نسبة لمدينة ألبي Albi الفرنسيّة. راجع، MORONI, corso di storia I, p. 286؛ راجع أيضًا، K. BIHLMEYER – H. TUECHLE, Storia della chiesa II, p. 237.

قد يعجبك ايضا
Loading...