إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

علم اللاهوت الرعوي (4): مناهج اللاهوت الرعوي

0 401

منذ أربعينيات القرن العشرين طُرح، في الأوساط الفرنسية والأنجلوسكسونية، تساؤلٌ يُلخِّص اشكالية اللاهوت الرعوي كعلمٍ مُستقلٍ: كيف يمكن قياس وتحليل الخبرة المُعاشة للممارسات الرعوية للكنيسة؟

في الأوساط الفرنسية، أراد ميشونوه، تأثرًا بخبرة إرسالية فرنسا[1]، تطوير فكرًا لاهوتيًا انطلاقًا من الخبرة المُعاشة للكنيسة. ذلك الفكر الذي ساهم في تدعيمه بولارد، باعتماده على علم الاجتماع الكَمَي، لفهم وتحليل خبرة الكنيسة المُعاشة. كان من نتيجة تلك الأطروحه انتقال الفكر اللاهوتي من الفكر العقائدي المعروف إلى الفكر اللاهوتي “التفسيري” و “التطبيقي- العملي”.

بدأ الاستماع لخبرة الكنيسة في العالم الأنجلوسكسوني من هولندا، أبان الحرب العالمية الثانية، التي تبنت فكر “حركة العناية الرعوية” التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية. اعتمدَ هذا الفكر اللاهوتي في دراسة ممارسات الكنيسة على تحليل تلك الممارسات، ومن خلال قواعد ومعايير يتمُّ استنباطها من خلال تلك الممارسات نفسها. الأمر الذي قلب رأسًا على عقب علاقة الفكر اللاهوتي بالممارسة الكنيسة فجعل الأخيرة هي المعيار للفكر اللاهوتي.

وسريعًا ما امتدّ النقاش إلى سياق التفكير اللاهوتي الألماني، الذي كان في هذه الأثناء يواجه تأثير الفكر الماركسي وتطوراته على مستوى نظرية النقد التي قامت بها مدرسة فرانكفورت (كان اللاهوت الراعوي يُفهم  على أنّه نظرية نقدية بالمعنى الضيق، وفقًا “لنموذج العلمنة”).

    • انضمام العلوم النفسية والاجتماعية

بدأت الأوساط الپروتستانتية، في منتصف القرن التاسع عشر، الاستعانة بالعلوم الإنسانية، عند دراسة وتحليل الممارسات الكنسية. إلا أنَّ الأمر أصبحَ جليًا في ثلاثينيات القرن العشرين مع تنامي حركة “العناية الرعوية” التي عَنيت بدراسة الصعوبات التي تواجه الراعي في مجال خدمته الرعوية، خاصّة مع أولئك الذين في مواقف صعبة وخاصّة. يجدر الاشارة في البداية إلى أنّ هذه حركة “العناية الرعوية” ظهرت في الأوساط الپروتستانتية والكاثوليكية لأجل توفير تقنيات متنوعة لرعاة النفوس تُمكِّنهم من مساعدة  الناس الذين في محن إيمانية أو يجدون صعوبة في نمو حياتهم المسيحية.

بدأت الحركة في شمال الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم “التدريب الرعوي التحليلي” أو “التعليم الرعوي التحليلي” والتي كان من أهمّ روَّادها (في آواخر العشرينيات وحتى أواخر الثلاثينيات)، اللاهوتي أنطونيو بويزن والطبيب ريتشارد كابوت[2]. بناءً على أساس غير مؤكد ومغامر في نهج العلاج النفسي (الإرشاد الرعوي أو المشورة الرعوية، تحت تأثير المدرسة الإنسانية في علم النفس، الذي وضعه كارل روجرز[3] في الخمسينات)[4] يُصنف العمل الرائع لعالم النفس واللاهوتي المشيخي، تلميذ بويزن، ستيوارد هيلتنر (في الستينيات) الذي افترض “العناية الرعوية” (مجموعة العلاقات بين المُرشد-الراعي والمسترشد- الشخص ) كمنظور عام للاهوت الرعوي.

يأتي منهج هيلتنر في دمج العلوم الإنسانية (علم النفس وعلم الاجتماعي) في علم اللاهوت الرعوي استنادًا على قاعدة أنّ العلوم اللاهوتية النظرية عند دراستها للعلاقة بين الإيمان والثقافة في فترات تاريخية معينة، تعتمد على العلوم الدنيوية المساعدة (كعلم اللُّغويات، وعلم الآثار، وعلم الكتابات القديمة)، وبالمثل كذلك على التخصصات اللاهوتية العملية يجب عليها عند تحليل وتقييم الإيمان المُعاش في الكنيسة في السياق الثقافي المعاصر اللجوء إلى العلوم الدنيوية المقابلة، كعلمي النفس والاجتماع .

إنّ اللاهوت الراعوي يندرج تمامًا وبحق في فئة التخصصات اللاهوتية، لأنّ صياغته » بدأت بأسئلة لاهوتية واختتمت بإجابات لاهوتية«[5].

في التخصصات العملية، خلافًا لتلك النظرية التي »تقوم نقطتها المحورية على شيء منطقي وضروري قبل كل شيء مثل الكتاب المقدس، والعلاقة المتبادلة بين العقائد، والتطور التاريخي، والأهمية الأخلاقية […]، الاستنتاجات اللاهوتية، والنظرية، والمبادئ الأساسية تقوم في المقام الأول على التفكير اللاهوتي في الأحداث  والأعمال، انطلاقًا من منظور معين [6]«.

اِسهام العلوم الدنيوية الذي لا غنى عنه، ولا يُقوض الأهلية اللاهوتية، ولكنه يضمن الطابع العملي: فالممارسة تتطلب الطبيعة المنهجية التي هي من سمات المعرفة اللاهوتية المُنسّقة علميًا. ونلاحظ أنّ عمل هيلتنر بالرُّغم أنّه يشكل مساهمة كبيرة، ينتهي بتقييد اللاهوت الراعوي في شكل الراعي[7].

انتشر في السنوات اللاحقة منهج الاستعانة بالعلوم الاجتماعية والنفسية لتفسير الممارسات الذي اقترحه هيلتنز: نقطة الانطلاق من الممارسات (العناية الرعوية) استنادًا على العلوم الإنسانية لاجراء تقييم نقدي مقارنةً بالأفكار اللاهوتية الأساسية للوصايا والتعاليم الإنجيلية فتُترجم مُحصلة المقارنة في شكل مجموعة من القواعد والمبادئ تُنظم بشكل أفضل الممارسات الجديدة الواجب تطبيقها.

طَرح المنهج الجديد إشكالية أوجه وطرق الاستعانة بالمواد الإنسانية في اللاهوت الرعوي العملي، فتبلورت في ثلاثة محاور رئيسية وهي: النموذج التجريبي، والنموذج النقدي، والنموذج التفسيري[8].

الاتجاه الأول: النموذج التجريبي

في السنوات 1960-1970، وخصوصًا في النطاق الپروتستانتي، ظهر على الساحة ما يسمى “النهضة التجريبية” مع مؤلفين مثل ولفجانج هيرمان، جيرد لوتنر، چ. كراوس[9]، لتحديد خصائص ونهج اللاهوت العملي. أشار هؤلاء المؤلفون إلى الطرح الخاص “بالعلوم العملية”، تلك العلوم الهامة لمراجعة الحركة  أحادية الاتجاه (ذات الطابع المثالي) الممتد من النظرية إلى التطبيق، واستعادة الحركة العكسية كما يتمُّ الاعتراف بالممارسات كمنتج للمعاني ومُعَدِّل لها. هي حركة دائرية، نقطة انطلاقها الممارسة كما هي، ونقطة وصولها هي ممارسة مُعاد فهمها وتصحيحها إذا لزم الأمر، بمرجعية لقيم واضحة في النظرية والمقترحات كعناصر تحكُّم في العمل.

أشهر رواد الاتجاه التجريبي، في الأوساط الكاثوليكية، “يوهانس فان دير فين”، ومتخصصو اللاهوت الرعوي في جامعة مونتريال وألبرت. پييت.

  1. النقطة المركزية في أسلوب يوهانس فان دير فين (في التسعينيات) هي الجمع بين البعد النظري للتفكير والمجال العملي للعمل من خلال ما يُطلق عليه تعريف “الدورة التجريبية لتفسير الممارسات”: الأولوية يجب أن تُعطى للممارسة المُعاشة التي يجب أن تبقى الأُفق المرجعي أيضًا بالنسبة للتفكير النظري اللاحق.

يمكن تخليص وتحديد الأسلوب السليم لدراسة وفهم الممارسة وفقا لمنهج يوهانس فان دير فين كالأتي:

  • هناك أولًا المرحلة المتعلّقة “بالتحديد الدقيق” لبؤرة ممارسةٍ ما، يتم ذلك من خلال عرض وتحليل المشكلة اللاهوتية المرتبطة بالممارسة المراد دراستها، يلي ذلك الاستقراء اللاهوتي للباحث في عمق الثقافة الخاصة بالفئة الاجتماعية للتعرف على نوعية الناس، درجة معرفتهم، مستوى أعمالهم والإجراءات التي يعتمدون عليها. يتمُّ في نهاية المرحلة الاستنتاج اللاهوتي اللاحق وإعادة تنظيم ما تمَّ اختباره في إطار نظرية ما، فرضية ما لفحصها من خلال البحث.
  • يلي ذلك المرحلة الأكثر تحليلا (الاختبار)، مرحلة البحث التجريبي، وفقًا للأساليب الكَمّيّة أو النوعية التي وضعتها العلوم الاجتماعية، التي تتحقق من صحة الافتراضات بهدف الوصول إلى مرحلة التقييم.
  • المرحلة الأخيرة ( التقييم) التي لا تزال تركيبية مؤلَّفة من الفَهم وإعادة القراءة الاستنتاجية للعملية ككل: إنّها المرحلة التي يعود فيها علم اللاهوت للقيام بدوره الحاسم في تفسير الظاهرة موضوع التحليل.

إنّ الأسلوب التجريبي النقدي هو إذًا متجانس في حلزونية نظرية- ممارسة- نظرية، واللاهوت العملي مفهوم باعتباره لاهوت تجريبي[10].

  1. إنّ مفهوم “علم الممارسة الرعوية” قد اتّخذه أساتذة الرعوية في جامعة مونتريال، الذين منذ السبعينيات، قد حدَّدوا شكله كنهج نوعي لتفكيرهم اللاهوتي- العملي، الذي أطلقوا علية مُسمّى الدراسات الرعوية[11].

إنّ أسلوب علم الممارسة الرعوية (ويُسمى أيضًا أسلوب البحث / العمل / التكوين، أي الابحاث الاجتماعية-الدينية في المجال الذي فيه يجري تعديل المفاهيم المسبقة الخاصة) هو أقل تعقيدًا من وجهة المعرفية ولكنه أكثر انتباهًا بكثير للأنشطة الرعوية وسياق انتقال البشارة المسيحية. وإذ ينقسم إلى أربع مراحل، يطرح هذا الأسلوب ذاته كوسيلة من وسائل البحث والعمل، الإصغاء والتدخل.

  • تبدأ المرحلة الأولى بـ (الملاحظة)، مرحلة تحديد وتعريف الممارسة العملية التي أصبحت إشكالية من خلال “قصص الحياة”.
  • ثم تأتي المرحلة الثانية (الإشكالية) حيث يستخدم أدوات مختلفة وضِعت للمقارنة مع العلوم الاجتماعية، في محاولة فهم أفضل للممارسة العملية المتخذة موضوعًا للبحث والدراسة.
  • المرحلة الثالثة (التفسير) يقوم فيها الفريق البحثي بعمل مقارنة وثيقة بين الممارسة العملية قيد البحث، وحركياتها وميولها مع ما تحمله الذاكرة المسيحية (التقليد، كلمة الله، واللاهوت)، للحصول على عناصر للقراءة والتفسير.
  • المرحلة الرابعة والأخيرة ( الابتكار والتخطيط) يسعى فيها كل العاملين في البحث لإيجاد الحلول الممكنة.

يتعين القيام بهذه العملية معًا، أي بمشاركة الباحثين والأشخاص الملتزمين مباشرة بالعمل الرعوي، بغرض إظهار المعنى الإيماني الذي هو ثمرة جميع عناصر النسيج الكنسي.

الغرض من الأسلوب المذكور هو وضع تفسير نقدي للنشاط المسيحي في ضوء تاريخ الخلاص، وهو التفسير المُراد صياغته بمنظور الإيمان وكذلك بمنظور اللاهوت. لذلك، يتحتم لهذه القراءة:

  • تقديم الخواص العلمية (التفكير النقدي، الاهتمام المعرفي)؛
  • عدم إغفال أنّ الغاية لا تزال هي الممارسة المسيحية ( الانتباه للارتباط نظرية/ممارسة، الانتباه للثقافة كوسيلة لبيان معنى هذه الممارسات العملية، المقدرة التحليلية على وصف هذه الممارسة، والمقدرة على التخطيط والتحقيق في المصداقية)؛
  • إتاحة المجال للإنجيل والذاكرة المسيحية كي يظلا معًا هما العنصر الحاسم في التاريخ والنقطة المركزية للتفسير والتحول.
  1. كانت البراجماتية اللغوية أساسًا ونقطة انطلاق تفكير ألبرت پييت[12]، الذي قصد به تطوير أدوات لمراقبة الظاهرة الدينية وفقًا لما هي عليه في الحياة اليومية، والمضاد لذلك التفكير الذي وصفه هو بنفسه على أنّه عقائدية العلوم الاجتماعية (خرافة سلبية). النقاط المرجعية في تحليله هي التالية:
  • الخاصية المعتادة للخبرة الدينية، التي تتشكل دائمًا مع بداية الإيمان بالمعتقد الديني؛
  • الإيمان كبنية لغوية وتعيين معاني جديدة للخبرة الدينية، في عملية صيرورة مستمرة تنظر إلى شكل الاعتقاد / عدم الاعتقاد كقاعدة؛
  • التركيز الشديد على خاصية المعتقدات »الصغرى«، تلك التي تؤثر حقًّا في الحياة اليومية فتُشكّلُ مساحات لغوية جديدة يُمكن للأفراد في إطارها أن يجدوا أدوات لفهم عمل الله وتغلغله في الحياة اليومية (التغلب على مبدأ ” الإلحاد المنهجي للعلوم الاجتماعية).

يُمكننا من هذه الأساليب الثلاثة لتطوير اللاهوت العملي أن نشتق هذه النقاط الثابتة:

  • الحاجة للتعرف على الممارسة الفعلية، بتجاوز الشكل الخارجي للصورة التي يتم فيها تقديم الممارسة؛
  • المقارنة التي يتحتَّم أن تكون مفتوحة مع العلوم الاجتماعية؛
  • القدرة على تطوير قراءات ديناميكية وغير أيديولوچية للقضايا الاجتماعية؛
  • أبحاث رجل الدين والمسيحية من خلال العلاقات الاجتماعية التي يمكن لهذه الخبرة إعادة هيكلتها.
  • الحاجة إلى إجراء عملية تحقُّق مستمرة من الخطة النظرية لعملية التحليل.

كما تظهر أيضًا  نقطة ضعف:

  • القدرة الضئيلة التي لهذه الأساليب على هيكلة القراءات المركَّبة للعمليات الشاملة للمعنى الذي تكون المسيحية قادرة على تفعيله، كظاهرة ثقافية؛
  • القراءات التي أجريت وتبدو كتفسيرات ضئيلة جدًّا، مفيدة جدًّا في التعامل المباشر ولكنها قليلة القدرة في التفسيرات المنفردة والعامة.

لذلك فهو عمل تحليلي يظهر أنّه جزئيٌّ ضئيلٌ وقليل المقدرة في التفسيرات الثقافية الكبيرة والمُركَّبة.

  • الاتجاه الثاني: النموذج النقدي

يتناول الاتجاه الثاني استخدام “النظرية النقدية للمجتمع” (راجع ت. ڤ. أدورنو؛ ماكس هوركهايمر؛ وغيرهما)[13]، كأسلوب لتفسير الممارسة المسيحية، بإضافة بعض مؤشرات التحليل اللاهوتي. إذًا، هذا يطرح نموذجًا نقديًا لتطور اللاهوت العملي.

يعمل هذا النموذج بالتأكيد على تجاوز حدود التجزئة النمطية التي كانت في المحاولات السابقة. إنّ غرضه، في الواقع، هو تحقيق إصغاء وقراءة للممارسة المسيحية العملية يتجاوز مستوى التشتت البادي على السطح بهدف الانخراط بدلًا من ذلك في فهم الهياكل الكبيرة التي تتسيَّد العمل الجماعي وتوجهه.  تزامن هذا مع نمو الفكر الماركسي والشمولي الذي كانت رؤيته للدين بمثابة أفيون الشعوب أو كعصاب للثقافة [ه. كوكس][14]). حملت هذه التيارات الفكرية تركيزًا حصريًّا على العنصر الوجودي، الاجتماعي والسياسي كأفضل عنصر تفاعلي مع الواقع البشري، مستبعدة التأثير الديني مما نتج عنه تراجع الإيمان والعمل المسيحي.

في تحدي للتيارات الفكرية السابقة ظهر علمٌ لاهوتيٌ هدفه التحليل النقدي للممارسات المسيحية، مشِّددًا على أن يُصبح “نظرية نقدية للممارسات بوساطة دينية في المجتمع” لتسهيل تطوير طرق أكثر فاعلية في تحرر ونضوج حُرّيّة الإنسان بمنظور المسيرة نحو الملكوت[15]. لذلك، هذا الأسلوب في تصور اللاهوت العملي سريعًا ما وضع هذا التيار ضمن ذلك الذي يُسمّى “نموذج العلمنة”، باعتباره وسيلة لتطوير الفكر اللاهوتي.

الشاهد لهذا التيار هو Norbert Mette نوربرت متّيه[16] (في الثمانينيات)، الذي غطى إنتاجه فترة تطوير هذا النموذج بكاملها. في رأي هذا الكاتب، يتزامن الاصغاء إلى الممارسة المسيحية مع القدرة على تطوير قراءة، غير مرتبطة بهياكل السلطة (حتى المشروعة والمؤسسية)، للأشكال والمحتوى الذي تتخذه الكنيسة والمسيحية في المجتمع الإنساني.

تتطَّلب مثل هذه القراءة الأمور الضرورية التالية:

  • قدرة تدميرية، تعمل على الاستنكار وكشف كافة التشوهات فيما ليس هو بمسيحي. وأسلوب القراءة في هذه المرحلة يُشبه كثيرًا ذلك الذي عُرِفَ في الأوساط الألمانية باسم “نموذج العلمنة”، وتمَّ تطويره في المجال الفرنسي إلى أشكال فكرية مثل تلك التي للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي Michel de Certeau ميشيل دي سيرتوه: يجب مساعدة المسيحية على العودة للاستماع إلى ذاكرتها العميقة والأصلية (ماضيها البعيد) وما يؤدِّي ذلك إلى تفكيك كُّلّ ما هو من الماضي القريب من مؤسسات وطقوس، رمزية، وأشكال وتمثيل ممارسة السلطة[17]. هذه القدرة التدميرية يعقبها:
  • القدرة البنائية، في رأي متّيه، هو توصيل الإنجيل في الظروف الاجتماعية الحاضرة؛ لذلك أول جوانب الاستقصاء هو ذلك المتعلق بدخول المعاصرين في الإيمان. ومن ثُمَّ يعمل على تحديد ما هي فرص الإدخال، والعلاقة المشتركة بين توصيل الإيمان المسيحي والإنسان المعاصر. إنّها ليست مجرّد نيّة الإيمان في المعتقد الشخصي، لإعادة صياغة المحتويات القديمة للإيمان بلغة جديدة، ولكن الأمر أكثر من ذلك بكثير، فهو استقصاء فرضيات الإيمان المعتقد فيه، » إذا ما كان الناس اليوم، وكيف، بصفة عامة على استعداد للانضمام إلى شيء مثل الإيمان أو بتعميم أكثر نقول إلى الدين، بداية من ظروفهم المعيشية«[18]. ما هي احتمالات – يتساءل ميتّه – وجودٍ مُتصوَّر على أنّه إيمان ورجاء ومحبَّة؟ ما الذي تغيّر بالنسبة للشروط، لفرضيات التوصيل بشكل عام، وعلى وجه الخصوص توصيل الإيمان أو الإنجيل؟
  • الاتجاه الثالث: النموذج التفسيري

عَمِد البعض إلى تطوير نمط تفسيري لمفهوم الممارسة العملية وصياغة العلاقة المعرفية بين النظرية والممارسة، والعلاقة المعرفية بين اللاهوت العملي والذاكرة المسيحية. يقصد بالتفسير داخل مجال العلم الكشف عن العلاقات الثابتة بين الظواهر واستنتاج القوانين المتحكمة فيها والتي تُمكِّن من التنبؤ بناء على تلك العلاقة السببية والحتمية بين السبب والنتيجة. يقوم التفسير على ربط ظاهرة بأخرى ربطًا سببيًا حتميًا. في مجال اللاهوت الرعوي الأساسي يدين الاتجاه التفسيري إلى چاك أودينيه[19]  الذي يمكن وصف منهجه بهذه الطريقة:

  • يبدأ المنهج بوصف الواقع الاجتماعي، ووظيفته، متلمسًا نهجًا تفسيريًّا أوليًّا، يُساعد على قراءة وفهم الثوابت في العمل، والقوانين العارِضَة، والأدوار، والرموز والقيم المتداخلة في المسألة (مرحلة تفسيرية، علم اجتماع وظيفي).
  • وصف الواقع الاجتماعي سيؤدي، في مرحلة ثانية إلى أسئلة أوليه تبرز أسئلةً أكثر جوهرية التي ستقود إلى التفكير في دور ومعنى وأهمية تلك الأفعال في ضوء الديني (علم اجتماع وأنثروپولوچيا الدين)، مثلما تُعاش في الثقافات المختلفة، وكيف تحولها وكيف تتأثر هي بها بدورها.
  • هكذا يصل إلى مرحلة التحليل النهائية، التي يسعى فيها إلى فهم الهياكل الأساسية للهوية الإنسانية الفردية والجماعية، وكيف تُنظِّم هذه الهوية المؤسسات ومن ثَمّ تُشكل الثقافات وتُؤثر فيها.
  • عند هذا المستوى يصبح ممكنًا، من وجهة نظر علم اللاهوت المسيحي الأساسي، التساؤل حول الطريقة التي شكّل بها التقليد المسيحي هذه الهوية، انطلاقًا من أسفاره المقدسة (التجديد ظهر في حركة يسوع، وبصفة أعم في المسيحية التي خرجت منها).

يجعل تفعيل هذا المنهج ممارسة الاستماع لخبرة الكنيسة هي النقطة المركزية لبنيانهما النظري: ليست هناك إمكانية للبشارة دون أن تتحقَّق هذه المرحلة الواقعية للاستماع الحقيقي لواقع الكنيسة المُعاش في سبيل قراءة الفعل وفهمه، كعنصر خارجي، ولا يمكن إغفال قصة أولئك الذين شعروا بأنّهم معنيين على نحو ما في هذا العمل، لأسباب مختلفة.  بهذه الطريقة أستطيع الاستماع في نفس الوقت، كهوية قادرة على الشهادة وسرد الأفعال، لقصص الناس، وأوصاف الأحداث، ونصوص الكتاب المقدس التي توصِّل عمل الله العظيم  إلى داخل العديد من الأفعال التي تحدّد تاريخ شعب الله.

عند هذه النقطة تتداخل في المسألة المرحلة التفسيرية: أستطيع أن أحاول فهم هذه الأفعال، والدخول في قلب منطقها، بطريقة أكثر عمقًا. وهكذا تتطور القدرة على التعبير عن استماع للوحي وللحاضر يُتيحُ لي فهم تفرد الأفق الذي في إطاره أنا مدعو بدوري ليس فقط للنظر، ولكن بفعلي الذاتي الفكري أمارس هويتي أنا بدوري.

[1] نشأت ارسالية فرنسا في العام 1941 على يد الكردينال عمانوئيل سوهارد لأجل تحطيم الأسوار التي تفصل الكنيسة عن المجتمع الذي تعيش فيه وذلك بالتوجه وخدمة واقامة حوار فعال مع أولئك الذين لا يؤمنون بالمسيحية والكنيسة. انتشرت الارسالية في جميع أنحاء فرنسا وظهر من بينها حركة الكهنة العمال، واعتمد قانونها البابا بيوس الثاني عشر في 15 أغسطس 1954، وأصبحت النموذج الذي تبناه المجمع الفاتيكاني الثاني للكرازة والرسالة في علاقة الكنيسة بالمجتمع.

[2]  Faber H., Pastoral Care and Clinical Training in America, Arnhem 1961; Midali M., Teologia pratica, pp. 328-329.

[3]  كارل روجرز (1902 – 1987) عالم النفس الأمريكي، مؤسس العلاج المُتمركز حول العميل، وهو معروف في جميع أنحاء العالم بدراساته في الإرشاد والعلاج النفسي داخل التيار الإنساني.  لدى الأفراد داخل أنفسهم موارد واسعة لفهم الذات ولتعديل مفهومهم الذاتي، والسلوكيات الأساسية والتوجهات السلوكية. ويمكن لهذه الموارد أن تظهر عندما يمكن توفير مناخ قابل للتحديد من السلوكيات النفسية التيسيرية « (C.R. Rogers, Un modo di essere, Firenze, Psycho 1983).

[4]  Midali M., Teologia pratica, pp. 330-331.

[5]  S. Hiltner, Preface to Pastoral Theology, New York 1958.

[6]  M. Midali, Teologia pratica, p. 333.

[7]  M. Midali, Teologia pratica, pp. 331-335; S. Lanza, «Teologia pastorale», in La teologia del XX       secolo. Un bilancio, III, a cura di G. Canobbio – P. Coda, Città Nuova, Roma 2003, pp. 393-475, qui pp. 420-422; Villata, L’agire della Chiesa, pp. 60-61.

[8]  J. Audinet, «Théologie pratique et pratique théologique», in Le déplacement de la théologie, pp. 91-107; L. Bressan, «Pratiche ecclesiali di ascolto e questione del metodo in teologia pratica», in La Scuola cattolica 135 (2007), pp. 557-568.

[9]   M. Midali, Teologia pratica, pp. 227-234.

[10]  M. Midali, Teologia pratica, pp. 284-290; A. Toniolo, «L’anima riflessiva e formativa della prassi pastorale», in Teologia pastorale in Europa, a cura di G. Trentin – L. Bordignon, pp. 369-388.

[11]  “الدراسات الرعوية” يُقصد بها »مجال الدراسات الخاصة بالمعتقد والتخصصات المقصود بها تكوين فكر نقدي حول الممارسات الرعوية العملية «:

  1. G. Nadeau (a cura di), La praxéologie pastorale, Montreal Fides, 2 voll.; Id., «Une méthodologie empirico-herméneutique», in Précis de Théologie Pratique, Lumen Vitae, Novalis 20072; M. Midali, Teologia pratica, pp. 357-369.

[12]   A. Piette, La religion de près, L’activité religieuse en train de se faire, Métaillé, Paris 1999; Id., Le fait religieux. Une théorie de la religion ordinaire, Economica, Paris 2003.

[13]» إنّ النظرية النقدية للمجتمع برزت، في مقاصد هوركهايمر، بغرض ” تشجيع نظرية المجتمع القائمة  والمعتبرة بمثابة كُلّ إجمالي”؛ لكنها نظرية كان من الضروري أن تكون نقدية، أي قادرة على إبراز التناقض الأساسي في المجتمع الرأسمالي. باختصار: النظرية النقدية هي “تلك النظرية التي اهتمامها الوحيد يكمن في تطور يؤدي إلى مجتمع خالي من الاستغلال”«.

(G. Reale – D. Antiseri, La filosofia nel suo sviluppo storico, III, ed. La Scuola, 19887, pp. 493-494).

[14]   ه. كوكس عرض علم اللاهوت الراديكالي أو لاهوت موت الله (الولايات المتحدة الأمريكية)، في كتابه “المدينة العلمانية” عام 1965، حيث عبّر عن مفهوم »العلمنة« باعتبارها »تحرير للإنسان من التحكّم الديني قبل كل شيء، وبعد ذلك من السيطرة الميتافيزيقية على عقله ولغته« . (G. Reale – D. Antiseri, La filosofia nel suo sviluppo storico, III, 440).

[15]  في هذا المنظور يتحرَّك اللاهوت العملي في المنطقة الاسبانية تحت تأثير “لاهوت التحرير” ذو الأصول الأمريكية اللاتينية. في هذه المنطقة يُفهم اللاهوت العملي بمثابة لاهوت ممارسة التحرير ويتضمن اللاهوت السياسي كبُعد من الحكمة والنبوية. تحت هذا التشكيل الجانبي هناك محاولة لإيجاد أساس لاهوتي للرعوية بداية من لاهوت ممارسة تحرير المظلومين في العالم. اللاهوت، بشكل عام، هدفه ليس فقط جعل مضمون الإيمان المسيحي مفهومًا وواضحًا، ولكن أيضًا توجيه وحث الممارسة المسيحية كممارسة للرجاء والمحبة، وخلاص وتحرير الإنسان، منذ الآن، في العالم. موضوع هذا اللاهوت هو الكنيسة باعتبارها “الجماعة الأساسية” حيث كلمة أساسية هنا تعني الأشخاص الذين يلاقون – يصطدمون مع الحرمان من الحيازة، من المعرفة، من السلطة، بسبب أي نوع من أنواع الاستغلال والقمع والسيطرة.

( L. A. Maldonado, «La teologia della prassi di liberazione. La riflessione in area spagnola», in Teologia pastorale in Europa, pp. 187-224; S. Galilea, La teologia della liberazione dopo Puebla, Queriniana, Brescia 1979; G. Villata, L’agire della Chiesa, pp. 61-65).

[16]  N. Mette, Theorie der Praxis, Patmos, Düsseldorf 1978; ID., Einfübrung in die katholische Praktische Teologie, Darmstadt Wissenschaftliche, Buchges 2005; M. Midali, Teologia pratica, pp. 272-277; S. Lanza, Teologia pastorale, pp. 441-442.

[17]  M. de Certeau, «La rupture instauratrice», in La faiblesse de croire a cura di M. de Certeau, Seuil, Paris 1987, pp. 183-226.

[18]  N. Mette, Einführung in die katholische Praktische Tehologie, p. 45.

[19]  J. Audinet, «Émergence de l’église», in Recherches de Science Religieuse 79 (1991), pp. 337-351.

قد يعجبك ايضا
Loading...