إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الصمت

0 988

لوقا ١/ ٢٠: “لكنَّكَ ستُصابُ بالخَرَسِ، فلا تَقدِرُ على الكلامِ إلى اليومِ الذي يَحدُثُ فيهِ ذلِكَ
في وسط محنته صرخ أيوب إلى الله طالبًا منه أن يتدخل، أن يَّستجيب لشكواه. شعر أيوب أن الله يتجاهله ولا يرغب في سماعه فصرخ إلى الله: “”طَرَحني اللهُ في الوحلِ، فمِثلُ التُّرابِ أنا والرَّمادِ. إليكَ أصرُخ فلا تُجيبُ. وأمامَكَ أقِفُ فلا تَنتَبِهُ. عدوُا قاسيًا صِرتَ معي وبقوَّةِ يدِكَ حمَلتَ عليَ”. فيصرخ أيوب… يصرخ… يصرخ، يصرخ طالبا من الله أن يرد عليه، على اتهاماته (٣١: ٣٥- ٣٦) لَيتَ القديرَ يَسمَعُني! لَيتَ خصمي يَردُّ على دَعوايَ، فأحمِلَ ردَّهُ على كتِفي وأعصِبَهُ تاجا لرَأسي”. لكن الله لا يتكلم إلا في الصمت. عندها صمت أيوب فتكلم الله، ولم يُقدم إجابة لتساؤلات أيوب، بل ظهر كفنان يرسم لوحة، كاشفًا جمال الكون والطبيعة. وخلال هذا الحوار الرائع يكشف الله عن نفسه لعبده أيوب، فيشعر الأخير بسعادة غامرة، بالرغم من أن الله لم ينقذه من بلاياه.

وحده الصمت هي المساحة التي يتحرك فيها الله، ويكشف عن نفسه. صمت زكريا هو درس بليغ مفاده أن صمت اللسان هو أولى الخطوات لكي يفتح القلب أبوابه للاستقبال نعمة الإيمان… ينظر كثير من الناس إلى صمت زكريا كعقاب له من الله لأنه شك في كلام الملاك.. وهذا ما يتبين فعلا… ولكن هذا العقاب أصبح فرصة لزكريا لكي يتأمل في كلام الله…. لم يكن قصاص انتقامي بل قصاص تعليمي وتربوي…. يدعونا للدخول إلى مدرسة الصمت والتأمل التي تخرج منها زكريا…. زكريا الإنسان الذي أنهكته الطقوس والصلوات والكلام الكثير في الهيكل، الله يقول له قف، ليس علي أن أسمعك لوحدك، عليك انت أيضاً أن تسمعني، فيسكت ويصمت ويتأمل بعمق ويرى حقيقة ما يجري…. زكريا يريد ان يكون هو الاول في الكلام والله دائما مستمعاً، ولكن الله كاب يعلم زكريا كيف يجب عليه كابن ان يسمع أيضاً، ان يسمع لله أبيه…. كشف الله نفسه لزكريا، مثلما فعل مع عبده داود، وعندما حُّلت عقدة لسانه، بعد ميلاد طفله يوحنا، طفق زكريا معددًا عجائب الله ومراحمه، كاشفًا ما عرفه عن الله في وقت صمته. صرخ زكريا، كأيوب: “سمِعتُ عنكَ سَمْعَ الأُذُنِ، والآنَ رأتْكَ عَيني” (أيوب ٤٢/ ٥).
ْ
لا سبيل لمعرفة الله معرفة حقيقية إلا في أوقات الصمت، أن نترك الله يُحادثنا ويكلمنا. فلنتعلم من زكريا أن لا تشغلنا أعمالنا اليومية وممارساتنا الدينية عن التأمل في كلام الله، علينا أن نترك العالم لفترة معينة حتى ننقي علاقتنا بالعالم، وهذه التنقية لن تحدث ما لم نوجه أنظارنا إلى الداخل…. زكريا يشك لأنه ينظر إلى ضعف الطبيعة البشرية ومحدوديتها، ونسي أن ينظر إلى قدرة الله الفائقة…. عن اليأس ليس من مميزات المسيحي، فاليأس لا يتوافق مع حياة الإيمان المشبعة بالرجاء.

علينا أن ننتبه من أن ندخل الكنيسة، كواجب اخلاقي أو كعادة اجتماعية لا أكثر. فزكريا الكاهن يعلمنا ويقول لكل منا: لماذا أنت هنا؟ ماذا تصلي؟ بأي كلمات تتلفّظ؟ أي هيبة ورهبة تشعر بها وأنت في حضرة الرب؟ هل تترك مساحة ليخاطبك الله؟ توقف عن الصلوات والابتهالات والتضرعات فالله روحٌ لا حاجة لسماع الصوت الإنساني، هو يحتاج إلى قلبك ويسمع تنهداته ويحادثك من خلاله.

قد يعجبك ايضا
اترك رد