إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

عيد القديس فرنسيس 2026

0 16

في عيد القديس فرنسيس تصلي الكنيسة هذه الصلاة: “اللُّهمّ، يا مَن بفَضلِ نِعمَتِك، كانَ القدّيس فرنسيس الأسيزيّ صورةً حَيَّة للمسيحِ الفقيـرِ المُتواضِع”. وفي بعض الترجمات بــ “الأكثر شبهًا بالمسيح” أو alter Christus. ماذا صنع فرنسيس في حياته دفع الكنيسة لتصفه بهذا الوصف، دون هذا الكم الكبير من القديسين اللذين يملئوا الأجندة الليتورجية؟ لم يصنع معجزات كتلميذه القديس أنطونيو البدواني أو القديسة ريتا وغيرهم من القديسين، لكنه هو الأكثر شهرة بين  الناس في العالم على اختلاف ديناتهم وعقائدهم. ماذا صنع فرنسيس؟ ببساطة شديد لأنه أخذ كل كلمة في الإنجيل على محمل الجد، أي عاشها بصدق ودون تفسيرات معقدة. دعوني أتامل معكم في كلمة واحد سمعها فرنسيس وعاشها بصدق: “الترميم”

عندما سمع فرنسيس نداء المصلوب: “فرنسيس، اذهب ورمم كنيستي”، ذهب بالفعل لترميم كنيسة سان دميانو ويومًا بعد يوم يكتشف أن الرب يطلب منه شيء أكثر عمقًا من ترميم المبنى الأيل للسقوط.  قاده الروح ليعرف أن المقصود هي نفوس المؤمنين، فالكنيسة مكونة من بشر، وتلك الرؤية ظهرت للبابا بأن فرنسيس، هذا الرجل الفقير البسيط هو الذي يسند كنيسة روما بالكامل، فوافق على القانون الذي قدمه. ثم يصل على جبل لا فرنا أن المقصود  بالمبنى المطلوب ترميمه هو فرنسيس ذاته.  

ماذا فعل فرنسيس؟ لقد أخذ دعوة الرب لإصلاح بيته على محمل الجد. ونحن دائمًا ما نعتقد أن الحياة تصبح أجمل أو أسهل عندما يحدث شيء جديد، عندما نتغير، عندما نكتسب شيئًا لم نكن نملكه. لكن السر الأول الذي يذكرنا به فرنسيس هو أننا ندخل في حياة جديدة عندما نقبل الدعوة لإصلاح ما انكسر.

هل تعرفون فن الكينتسوجي(Kintsugi)، الفن الياباني التقليدي لإصلاح الفخار والخزف المكسور باستخدام مادة لاصقة ممزوجة بمسحوق الذهب أو الفضة أو البلاتين. ما هي الفكرة وراء هذا الفن: بدلاً من محاولة إخفاء العيوب والكسور، يتعامل هذا الفن مع الكسر والترميم كجزء من تاريخ القطعة، مما يجعلها أكثر جمالاً وقيمة بعد إصلاحها. ترتبط هذه الممارسة بفلسفة الـ “وابي-سابي” (Wabi-Sabi) اليابانية، والتي تدعو إلى قبول العيوب وعدم المثالية، ورؤية الجمال في الأشياء القديمة أو المكسورة.

ليس الذهاب إلى مكان آخر بحثًا عن شيء أفضل أو على شيء جديد هو الحل، لكن بالتوقف أمام ما في أيدينا، والذي يسبب لنا الإحباط، واعادة ترميمه، عندها سيكون أجمل وأكثر قيمة في الحياة. ربما لا تكون الحالة سيئة لهذه الدرجة، نحتاج إلى الصبر ومادة أو شريط لاصق تعود الحالة أفضل مما كانت عليه في البداية.

من الممكن أن ترميم علاقاتي بعائلتي، بأولادي، بزوجتي (زوجي)، بأصدقائي، برعيتي، بزملاء العمل وغيرهم إذا أصابتها الكسور والجروح. قد تصبح العلاقات أجمل كــــــ “المزهرية أو طبق الخزف” بعد ترميمه بمسحوق الذهب، تكون أكثر قيمة لأنها تدل على إننا بشر ولا وجود للمثالية وجميعنا معرضون للخطأ. لماذا ننسى أن المسيح القائم أحتفظ بعلامات الصليب بعد قيامته، وكان يظهرها لتلاميذه علامة على انتصاره وبقاء علامات حبه مطبوعة على جسده الممجد.

في قصة الفرح الكامل، المنقولة عن فرنسيس، نعرف أنه قد قابل رفض أخوته له في نهاية حياته بمزيد من المحبة الأخوية والصبر على ضعفاتهم: “وأنا إذا صبرت وتأنيتَ هذه هو الفرح الحقيقي”. لقد رمم فرنسيس علاقاته بمسحوق الذهب، بالمحبة التي هي أول صفاتها، كما علمنا الوحي الإلهي على لسان بولس: “المَحبَّةُ تَصبِر”.

في بداية حياته كانت طريقة تفكير فرنسيس الهروب من واقعه والبحث عن واقع مغير، جديد عسى أن يكون أفضل. تطلع أن يكون فارس، أكثر شهرة، يمتلك المزيد من المال والثروة، والمزيد من السلطة. ثم أدرك في وقت أزمته داخل سجن بروجيا، أن عليه أن يتوقف، يتراجع خطوة للوراء لينظر إلى الموقف، يراه بعيون جديدة، عيون الإنجيل وليس بعيونه هو. فمثلا عند لقاءه بالأبرص: توقف ونزل من حصانه لكي يقبله؛ وعند اشتد الصراع بين الغرب والشرق ونظمت الحملات العسكرية لتحرير الأراضي المقدسة من سيطرة الجيوش العربية، توقف وقرر أن يقابل السلطان الكامل لأجل بناء جسر السلام فــ “طوبي لصانعي السلام”.

قد يكون هناك علاقة، شيء يحتاج منك الترميم.. أبدا الآن وليس غدًا، جمعه وقم بإعادة أجزائه بعضها لبعض بمسحوق الذهب: المحبة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد