إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

كنْ شفافًا

0 2

نحتفل اليوم بعيد جميع القديسين. مَن هو القديس؟ وكيف نصبح قديسين في واقعنا اليوم؟

هذه كانت أسئلة طفلة صغيرة لجدها، لم يجب العجوز ولكنها وعدها بالإجابة في اليوم التالي. وفي الميعاد رافق الصغير لزيارة كاتدرائية سانت شابيل (Sainte-Chapelle) بباريس. كان الجو غائمًا، وحين نظرت الطفلة إلى النوافذ الزجاجية الملونة الضخمة، بدت لها داكنة ورمادية وباهتة. سألت جدها: “لماذا تبدو هذه النوافذ قبيحة هكذا؟” ابتسم الجد وقال: “انتظري لحظة”. وبعد دقائق قليلة، انقشعت الغيوم، وسقطت أشعة الشمس القوية على الزجاج الملون؛ فإذا باللون الرمادي يتحول فجأة إلى مزيج مذهل من درجات الأحمر الزاهي، والأزرق العميق، والذهبي المتألق. وظهرت صور القديسين على الزجاج، وهي تتلألأ بالنور. عكس الشمس 1113 لوحة فنية رائعة، مأخوذة من الكتاب المقدس، في شكل مبهر ورائع. اتسعت عينا الطفلة وقالت: “فهمت الآن! القديسون هم أشخاص يسمحون للنور بأن يسطع من خلالهم!”

الله وحده القدوس. في اللغة العبرية، يشير مصطلح “قادوش” (kadosh) وهو صفة الله الجوهرية. عندما يُصبح الإنسان كقطعة الزجاج الملون، التي تعكس قداسة الله في الحياة، نقول عنه إنه قديس. لا وجود لقداسة سوى قداسة الله والتي يمتلئ بها الشخص وتظهر في حياته وأعماله ومحبته للعالم وللآخرين. لقد أعلن الله عن قداسته بشكل نهائي من خلال الكلمة المتجسدة، يسوع المسيح. الله هو الذي يقدسنا، فيعمل الروح القدس على تقديسنا من الداخل بعد أن اختارنا فيه -أي في المسيح- قبل إنشاء العالم، لنكون قديسين وبلا لوم أمامه في المحبة” (أفسس 1: 4).

القداسة ليس هدف يصل إليه الإنسان على مجمل حياته أو أعماله! لقد حصل عليها، قبل إنشاء العالم عند اختيار الله لهم، ووضع، من خلال العماد، تلك الجمرة داخل نفوسهم النقية. ماذا صنع القديس؟ كشف عما يملكه، على ما يحمله في روحه، للعالم والآخرين. كشف عن قداسة ونور الله الحالل فيه منذ يوم عماده وامتلاكه لذلك النور الأزلي الذي لا يدنى منه.

القديس إذن هو شخص عادي تمامًا، لكنه سمح لقداسة ونور الله أن يتخلل حياتهم ويملئهم، ثم يشع من خلالهم. لقد مرّ بذات الصراعات التي نمر بها: ثقل الخطيئة، جروح العلاقات المكسورة، الخوف من المستقبل، وألم الفقدان. والفرق ليس في أنهم لم يسقطوا أبدًا، بل في أنهم قاوموا ليعيشوا الإنجيل. سمح لشرارة “التطويبات” بأن تشتعل وتتردد أصداؤها في داخله. لقد بكوا وهم على يقين بأنهم سيُعزَّون؛ وواجهوا الاضطهاد والمصاعب واثقين بأنهم يسيرون وفق منطق الله؛ وجسّدوا الوداعة والسلام في وقت كان فيه الجميع يتصارعون بعنف، وكل ذلك لأنهم عاشوا وفقاً لمنطق الله. لقد غيروا العالم، ليس لأنهم أقوياء أكثر من غيرهم، بل لأنهم سمحوا لحضور الإنجيل بأن يزدهر تدريجياً في داخلهم. هذا هو ما نلمسه بيننا اليوم.

عاشوا إنجيل “التطويبات”، عاشوا في سعادة (وهذا معنى طوبى) بالرغم من الفقر، والحزن، والاضطهاد الذي يعانون منه. فالسعادة لا تعتمد على أن تكون ظروف الحياة مواتية ومناسبة، بل على “من” نرافق في خضمّ هذه الظروف. طوبى لمن يفسح مجالاً لله في لحظات ضعفه الشديد؛ فالقداسة ليست غياباً للمشكلات، بل هي حضورُ محبةٍ تملأ حتى فراغاتنا بالمعنى.

أن تكون قديسًا في حياتك الحالية، وفي ظل ظروفك لا يتطلب الأمر القيام بأعمال خارقة، بل أداء الأمور العادية بطريقة إنجيلية، أن نكون ذواتنا بالكامل؛ فالله لا يريد نسخاً مكررة، ولا يطلب منك أن تكون القديس فرنسيس أو القديسة تريزا، بل يريدك أن تكون “أنت” – ولكن في أبهى صورك. يريدك أن تكون قطعة فريدة من الزجاج الملوّن، بألوانك ونقوشك الخاصة، قادرةً على تمرير شعاعٍ من نور الشمس لا يستطيع أحدٌ غيرك عكسه.

تذكر لا يستطيع أحدٌ غيرك عكسه؛ لأنك فريد تمامًا ولا يماثلك مخلوق على الأرض.. يكفي أن تتذكر بصمات أصابعك وعيناك وأذناك.. أنت قطعة فريدة من الزجاج الملون.. أترك شمس ونور الله يسطعان من خلالك. عيد جميع القديسين مبارك.

قد يعجبك ايضا
اترك رد