إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

نائين.. لقاء الحياة والموت

0 1

يضعنا إنجيل اليوم أمام تقاطع مسيرتين: فمن جهة، نرى يسوع محاطاً بتلاميذه وبجمعٍ غفيرٍ يفيض بالحياة والفرح والرجاء. لقد أتم يسوع شفاء خادم قائد المئة بعد قوله المشهور: “يا ربّ، َإِنِّي لَستُ أَهلاً لِأَن تَدخُلَ تَحتَ سَقْفي، ولكِن قُلْ كَلِمَةً يُشْفَ خادِمي”. لنا أن نتخيل موقف التلاميذ والجموع بعد أن وصول أخبار شفاء الخادم، تُفتح طاقة جديدة للحياة. ومن جهة أخرى، تخرج من بوابة مدينة “نائين” مسيرةٌ من نوعٍ آخر: حشدٌ صامتٌ وحزينٌ يرافق ميتاً إلى القبر. كان الشابُ الابنَ الوحيد لأمٍ أرملة.

لم تفقد هذه المرأة ابناً فحسب، بل فقدت كل شيء. ففي ثقافة ذلك الزمان، كانت الأرملة التي لا ابن لها تعيش في حالة من العوز الاجتماعي؛ إذ تصبح مهمشةً، بلا أي حماية اقتصادية أو عاطفية. إنها تجسيدٌ حيٌّ لليأس البشري والوحدة القاتلة. نتصور أن أقسى معاناتنا هي عندما نتألم، لكن المأساة الحقيقية هي الوحدة التي يُعاش فيها الألم. عندما أتألم وحيدًا، لا يراني أحد، لا يشعر بي أحد، لا يشاركني أحد ولا يخفف أحدهما معاناتي بتضامن أو تشجيع.

في تجربة أُجريت على مجموعة من الطلاب لاختبار قوة احتمالهم بوضع أقدامهم في مياه مُثلجة. لم يتحمل جميع الطلاب برودة المياه إلا لحظات قصيرة. وعند إعادة التجربة في وجود آباء وأمهات وأصدقاء الطلاب (بعد توصيتهم بتشجيع أولادهم وأصدقائهم وأعلان ثقتهم فيهم وبقدرة تحملهم) تحمل الطلاب أوقات طويلة لنفس برودة المياه. المأساة البشرية الحقيقية لا تكمن في المعاناة بحد ذاتها، بل في التألم وحيداً.

يكسر يسوع وحدة المرأة، التي لم تنطق بشكواها ليسوع، ولم تطلب منه أن يفعل شيئًا لوحيدها. فقط كانت تبكي في صمت. يقول لوقا في وصف الحدث: “فلَمَّا رآها الرَّبّ أَخذَتُه الشَّفَقَةُ علَيها، فقالَ لَها: «لا تَبكي!»”. تألم يسوع في باطنه، وتحركت أحشاءه بوجع المرأة وعبر عن مشاركتها لها وبأنها ليست وحيدة بعد الآن، لقد أعاد ابنها إلى الحياة من جديد.

قام يسوع بعمل صادم لليهود، لقد لمس النعش، وكان من يلمسه يعد “نجسًا” من الناحية الطقسية. لا يخشى يسوع أن يلمس ما قد تلوث في حياتنا، ما قد مات فينا، لأجل أن يعطيه الحياة من جديد. للآسف نفكر كثيرًا بأن الله بعيد عنا، هو في سماءه ينظر إلينا، لكنه لا يتدخل، في حين أن يرسل ملائكه، أشخاص غير منتظرين، ليدعمونا، ليقدموا لنا عونًا نحتاجه في وقت الألم. موقف البعض بمثابة إعادة الحياة، إعادة الأمل في المستقبل، إعطاء قوة تساعدنا على التحمل، لعل أقدامنا تتحمل “برودة المياه” الغارقين فيها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد