إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تأملات في حياة القديس أنطونيوس البدواني: (6) خزانة الكتب الالهية 

0 5

نردد في طلبة القديس أنطونيوس البدواني عبارة “خزانة الكتب الإلهية”، يعود اللقب التاريخي إلى البابا غريغوريوس التاسع فعندما استمع إلى القديس أنطونيوس وهو يعظ ببلاغة وعمق لاهوتي، تعجب كثيراً من سعة معرفته بالأسفار المقدسة وقدرته على اقتباس الآيات وتفسيرها، فأطلق عليه هذا اللقب تعبيراً عن أنه يختزن كلام الله داخل عقله وقلبه كما كان تابوت العهد يضم لوحي الشريعة.

كانت عظاته مبنية بالكامل على كلمة الله، ولهذا كان لها تأثير كبير في الناس. نركز كثيرًا على معجزات القديس أنطونيوس لكننا لا نتوقف أمام هدف المعجزة، أي السبب الذي لأجله قام بالمعجزة. كانت كل معجزاته تهدف لأني يفهم الناس كلمة الله ويعملوا بها في حياتهم.

لنأخذ مثلا معجزة “قلب المرابي”. نتوقف عند قوة المعجزة وكيف فتح الناس خزانة الرجل المرابي فوجدوا قلبه وعندما تم استدعاء الجراحين لفتح صدر الميت أكتشفوا إن صدره خاليًا ولا يوجد فيه قلب. لكننا لا نتوقف أمام سبب المعجزة، التعليم الذي أراد القديس أن يصل إلى الناس: “لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا.” (مت 6: 21). ما هو الكنز؟

في سفر الخروج وتحديدًا الإصحاح 19 حيث يقول الرب: “والآن، إِن سَمِعتُمِ سَماعاً لِصَوتي وحفَظِتُم عَهْدي، فإِنَّكم تَكونونَ لي خاصة مِن بَينِ جَميعِ الشُّعوب، لأَنَّ الأَرضَ كُلَّها لي” (خر19: 5). هنا يثار سؤالا: إذا كانت الأرض كلها للرب فبالتالي ليس هنا شيء يمكن أن نطلق عليه خاص، لأن كل شيء له؟  

كلمة “خاصَّةً” تنطق بالعبرية “سيغولا”. ما هي السيغولا وكيف نفهمها. هناك نص يمكن أن يكون مرجعًا. في سفر أخبار الأيام 29، حيث يروي داود ما فعله لإعداد هيكل الله. تعلمون أن داود أراد بناء هيكل للرب، ثم قال له الله: لست أنت من يبني لي البيت، بل أنا من أبني لك البيت، بمعنى أنني أعطيك عائلة، وسيبني لي سليمان الهيكل. يشرح داود لسليمان أنه أعد كل شيء يلزمه الهيكل من رخام ثمين، ذهب وفضة وخشب ثمين استورده من بلاد بعيدة، ثم يضيف هذه العبارة: “لِرَغبَتي في بَيتِ إِلهي، وَهَبتُ لِبَيتِ إِلهي مالِيَ الخاصَّ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّة، عِلاوَةً على كُلِّ ما خَزَنتُه لِبَيتِ القُدْس”… وقد وضع كل شيء تحت تصرف الهيكل، لكن هذا «كل شيء» هو ما يملكه لأنه ملك إسرائيل. إنه كنز التاج، وهو المرتبط بكونه ملكًا، لكن داود يقول بعد ذلك: «من أجل محبة الرب، أعطيت «سيغولا» الخاصة بي». ». ليس الأشياء التي يملكها لأنه ملك إسرائيل، بل ممتلكاته الشخصية الصغيرة، تلك التي تخصه، أشياءه الذهبية القليلة والتي تمثل ذكرياته: الخاتم الذي أهدته إياه والدته عندما تزوج، قلادة عائلية وهكذا.

يمكن لكل منا أن يمتلك كل شيء، لكن الكنز الحقيقي هو “السيغولا”، التي تساوي أكثر من كل شيء لأنها الشيء الذي يخصني وأملكه وحدى، وهي جزء من تاريخي، فيها خلاصة حب من أحبوني، وبالتالي فيها الحب. عندما يدخل إسرائيل في العهد، عندما ندخل نحن في العهد، نصبح “سيغولا” الله، ذلك الكنز الصغير. نعم، الأرض كلها لي، لكن ماذا أفعل بالأرض؟ لا شيء! أما إذا نظر إلى كنزه الصغير، فعندئذ يتذكر، هناك كل قلبه، ومشاعره، وماضيه، وتاريخه، وفرحه. ينظر الله إلينا وكأنه يقول: هل ترى هؤلاء؟ إنهم كنزي الصغير وسط هذه الأرض! هل تفهمون معنى “سيغولا”؟ هذا هو معنى الكنز.

ما هو رد الإنسان على كونه هو سيغولا الرب؟ أن يكون الرب أيضًا هو كنزه الخاص والثمين. الكنز الذي يرتبط به قلبه. في بداية الإصحاح 20 من الخروج يعطي الله وصاياه التي تبدأ: لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي. 4 لا تَصنَعْ لَكَ مَنْحوتاً ولا صورةَ شَيءٍ مِمَّا في السَّماءِ مِن فَوقُ، ولا مِمَّا في الأَرضِ من أَسفَلُ، ولا مِمَّا في المِياهِ مِن تَحتِ الأَرض. 5 لا تَسجُدْ لَها ولا تَعبُدْها، لإِنِّي أَنا الَرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيور” (خر 20: 3- 5). إذا كانت السيغولا الخاصة بي أي شيء غير الله.

تلك كانت رسالة أنطونيوس إلى المرابيين الذين يستغلون الفقراء ويحملون على كواهلهم فوائد باهظة. هو على مثال بولس يقول لهم: أنتم سيغولا الرب، أنتم كنزه الثمين، فلا يكون ردكم بأن تتخذوا لكم كنوزًا أخرى بعيدًا عن الله. لا تعبدوا الأوثان، لا يكون كنزكم شيء مادي أو معنوي، بل أعدوا كل شيء نفاية، اخسروا كل شيء لأجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح (فل 3ك 8):  “بل أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد