إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

لنبدأ من جديد

0 29

“لنبدأ يا اخوتي أن نخدم الربّ الإله، لأنّنا حتّى الآن لم نحرز إلاّ تقدّماً قليلاً، بل لم نحرز أيّ تقدّم” (1 شيلا ([FF 500]. هي أشهر عبارات القديس فرنسيس والتي قالها قبل انتقاله. ثم يضيف توما الشيلاني هذه العبارة التوضيحية: “ظلّ لا يكلّ في طلبه بلوغ التجدّد في القداسة، يأمل دائماً أنّه يقدر العودة إلى ما كان عليه عند البداية”. ماذا يعنى البدء من جديد؟ 

العبارة تعني إن الإنسان يرغب في تغيير شيء ما في حياته، في تجربة خبرة جديدة، تحقيق إنطلاقة مختلفة: كالارتباط بشريك حياة، الانتقال إلى مدينة جديدة، فرصة عمل. هي الرغبة في احداث تغييرات جوهرية في الحياة. لكن هناك سؤالٌ مهم: هل يمكن للإنسان أن يعود إلى نقطة البداية؟

للأسف هناك خبرات في الحياة لا يمكنك فيها العودة إلى نقطة البداية أبدًا!  لا يمكن العودة إلى ما كانت عليه الأمور من قبل، كشريط يُلفّ من جديد ويعود إلى بدايته. فكيف تعود إلى نقطة البداية عند فقدان شخص عزيز؟ كيف تعود إلى نقطة البداية عندما تتعرض للخيانة من حبيب أو صديق؟ عندما تتعرض لمرض خطير؟ هناك خبرات لا نستطيع فيها أبدًا العودة، كما يقول توما الشيلاني، إلى ما كان عليه عند البداية!!

ما هو المقصود بالبداية؟

بَدْء الشَّيء: أوّله ونشأته، هكذا نقرأ في المعجم. هل تتذكرون عندما كنا أطفال وقدمت لنا ورقة بيضاء لنكتب عليها؟ عندما أمسكنا بالقلم لأول مرة وحاولنا الكتابة على الورقة البيضاء. لم يكن أحد منّا قادر على الكتابة. كان لدينا رغبة في الكتابة، كان المعلمين يرسمون أمامنا الأحرف “أ” و “ب” و “ث”، كنا نحاول إعادة كتابتها على الورقة البيضاء، ولكن لم تخرج على الفور تحفة فنية، بل خرج شيء أشبه بالخربشة.

كل خبرة في الحياة هي مثل الصفحة البيضاء: أول مرة حاولنا تحقيق شيء؛ أول مرة التقينا بصديق عزيز؛ أول مرة أحببنا فيها؛ أول مرة صلينا فيها وتحاورنا مع الله. كل بدايات حياتنا، كل انطلاقاتنا هي مثل الورقة البيضاء. محاولتنا الأولى تشبه الخربشة. لدي الطفل رغبة في الكتابة لكنها لا تتوافق مع قدراته وامكانياته.

الطفل لا ينزعج من خربشاته، بل على العكس، هناك لحظات يأخذ فيها تلك الخربشات إلى المنزل ويعتقد أنها روائع فنية، فيتباهى بها، ويُريها لعائلته؛ في الواقع هي قبيحة جدًا، لكن بالنسبة له هي محاولات يجب النظر إليها بعين التقدير، أي أنه يرى الخير في تلك المحاولة. ثم يحدث شيء ما في حياتنا، نصبح بالغين ونبدأ نواجه صعوبة كبيرة في قبول أن ما نحمله في قلوبنا من رغبات لا يتوافق على الفور مع قدراتنا.

عندما أمر بخبرة فشل معينة، لا ترضيني الخربشات التي صنعتها على الورقة، كنت أتمنى أن تخرج لوحة فنية جميلة. فأشعر بالإحباط وأريد أن أمزق هذه الصفحة، وأبدأ من جديد. أرغب في نسيان الفشل وعدم تذكره، أريد أن أختبر شيء جديد في صفحة بيضاء. لكن تلك الخربشات هي التي علمتني الكتابة والرسم، خبرات الفشل التي تُشعرني بالخجل، هي في الحقيقة نقطة الإنطلاقة، نقطة البداية لشيء أكبر. فأسمى ما يمكننا تعلمه في هذه الحياة هو “التعلم من الفشل”. الفشل هو أعظم كشف لوجودنا، لأنه عندما نصل إلى حدودنا، نبدأ أخيرًا في معرفة أنفسنا، نكتشف أخيرًا إنسانيتنا.

إذا تأملتم حياة القديس فرنسيس ستجدون أمامكم شخص فشل على طول الخط. ينتقل من فشل إلى فشل جديد!!

  • فشل في تحقيق حلمه بأن يصبح فارس، وانتهت أحلامه في سجن قاسي في بيروجا. 
  • فشل في علاقته مع والده فيستولى على ممتلكات أبيه ويبيعها دون رغبته ويعطيها للفقراء.
  • فشل في علاقته مع أخوته الرهبان، فبعد أن كثر عدد الرهبان المتعلمين والمثقفين في الرهبنة لم يقبلوا بنظام الحياة الذي أراده: جماعة فقيرة، دون تملك أي شيء خاص. فتخلى عن قيادة الرهبنة في عام 1220، خاصة مع رغبة الكنيسة الرومانية في تحويلها إلى نظام رهباني تقليدي.
  • فشل في هداية السلطان، الملك الكامل، كذلك في الموت شهيدًا. ولم يشهد انتصار العقيدة الكاثوليكية على الإسلام كما كانت تتمناه العقلية الصليبية في ذلك الوقت.

لكن ما بدا في نظر فرنسيس والعالم إنه فشل، تحول إلى أعظم القصص التي تساعدنا اليوم على البدء من جديد. كل خبرة نمّر بها في الحياة ليست فشلا، كما نظن. هناك خطة لله تتحقق بالرغم من الشر الذي نصنعه، بالرغم من الصعوبات والأحداث المعاكسة التي نواجهها. بل الفشل الذي نشعر به، حتى الشر الذي نصنعه يحوله الله إلى خير لتنفيذ مخططه الخلاصي بالنسبة لنا.

الشر هو شر ويبقي شر، والخير هو خير ويبقي خير، لكن لا يجب أن نرفض الشر الذي يحيط بنا، بل أن نفهم عناية الله تحول كل تجارب الحياة إلى جزء أصيل خطته الخلاصية لكل منّا. هذا عمق معنى العناية الإلهية، فهي لا تعني أن يعتني بنا ويحقق كل رغباتنا، أو أن يحفظنا من كل سوء، أو يجعل حياتنا سهلة دون مشكلات أو صعوبات!  بل أن يقودنا من خلال وعبر كل خبرات الحياة، الجيدة والسيئة، إلى الخلاص، إلى هدف أسمى، إلى أن تكون لحياتي معنى.

فرنسيس معلم للرجاء

يقدم لنا فرنسيس من خلال فشله المتتالي، نموذجًا علينا الإقتداء به إذا أردنا أن نبدأ من جديد عندما نعاني من الفشل في الحياة. يتكون النموذج من ثلاث خطوات أساسية:

الأولى: للفشل فائدة عظيمة وهي أن يساعدك على ضبط ردة الفعل في الأحداث المستقبلية

في علم النفس الإيجابي هناك قاعدة عامة تعرف بـ A+ B= C  حيث:

A= الحدث

B= ردة الفعل

C= النتيجة

كل حدث هو محايد، هو صفر ليس له قيمة في حد ذاته، لكن ردة الفعل هي التي تصنع النتيجة. كل منا يفسر الحدث بطريقة مختلفة. فأمام حدث واحد يترك أحدنا عقله اللاواعي يتحكم فيه، ويفسره بناء على برمجة عقله وخبراته السابقة والصدمات التي عاشها في حياتها فتكون ردة فعله لا واعية. لقد فشلت، كما سبق أن فشلت. ورقتي تحمل الكثير من الخربشات أنا أخجل منها ولا أريد تكرارها، النتيجة هي استسلام للفشل.

في حين لا يترك شخص آخر عقله اللاواعي يتحكم فيه، بل يستجيب بطريقة واعية ناضجة أمام الحدث. عندما يشرح القديس فرنسيس إلى الأخ ليون ما هو الفرح الكامل والحقيقي، يقول له مجموعة من الخبرات، كل واحدة أسوأ من التي قبلها: “نصل الدير ولن يسمحوا لنا بالدخول بالرغم من المطر الشديد والثلج وتجمد أطراف الثوب التي تدمّي ساقي فيسيل منها الدم.. سيقولون لي: عد إلى مستعمرة الجذام، إن عددنا أصبح كثير، لا نحتاج إليك أنت بسيط وفقير وغير متعلم”. كان تحكم رائع في ردة الفعل، لم يترك اللاوعي يتحكم في رده فعله، ولا الخبرات السابقة ولا الإحباط إنه هو الذي أسس هذه الرهبنة وتلك الجماعة من الأخوة فكيف يفعلون ذلك به!!

نعود لفكرة الورقة البيضاء، فالطفل لا يخجل من الخربشات، بل يعدها محاولات تنتظر التقدير. لقد أظهرت تلك المشكلة إن محدود، هذه هي قدراتي، هنا على الإنسان أن يبدأ في إزاحة نفسه و”الثقة” في مشيئة الله التي تقوده إلى خير لا يعلمه حاليا. قد تكون هناك فرص أخرى يصنعها الرب فيحقق ما سعيت لأجله. وبالفعل على جبل لا فرنا يكشف الساروفي لفرنسيس أن الحب هو كل شيء، هو الذي دفع ابن الله لتحمل الآلام عوضًا عن البشر.

انفتح قلب فرنسيس للمحبة عندما اتحد بيسوع المسيح الابن فأحب كل شيء: الرهبان والأعداء والعالم والمخلوقات وجعل الجميع أخوة لأن الجميع هو صنع الله الخالق المُحب. أحب رهبانه بالرغم من خذلانهم له، ورغبتهم في طرده لأن قانون الحياة، ولا شخصية فرنسيس ومؤهلاته أصبحت تناسبهم بعد دخول العديد من المثقفين وعلماء اللاهوت الرهبنة. آمن فرنسيس أن الله سيدبر كل شيء، عليه أن يثق في مشيئته التي لا يفهمها حاليا.

الله حاضر في كل مكان ويدبر كل شيء، فلماذا لا نثق ونتملك هذا اليقين بأن كل شيء في الحياة هو ضمن خطة الله الخلاصية لكل منا. كل شيء بمعني كل شيء: الخير الذي نصنعه، والشر أيضًا، النور والظلمة، الفرح والكآبة، لحظات الانتصار ولحظات الاحباط، التقدير والإساءة، أوقات القوة وأوقات الضعف، ثقتي في نفسي والآخرين وأوقات إحباطي وخذلاني.  لم يعد فرنسيس يعيش في قلق من أحلامه لن تتحقق لأن امتلك اليقين الداخلي بأن حياته ستكتمل بكل الطرق التي لا يعرفها، لأن الله معه.

الخطوة الثانية: لكي نبدأ من جديد علينا أن “لا نخاف من مخاوفنا

علينا أن نتعلم كيف نضغط على أنفسنا وكيف نفرض إرادتنا على مشاعر الخوف والخذلان والألم وعدم الأمان والنقص التي نشعر بها. ولتوضيح هذه الفكرة لنتأمل في موقف فرنسيس من الأبرص، الذي في نهاية حياته، وفي وصيته، يصف مخاوفه من أولئك المرضى. كان يشعر بالإشمئزار، لم يكن يستطيع الاقتراب منهم: “إِذْ لَمَّا كُنْتُ في الخَطايا، كانَتْ رُؤْيَةُ البُرْصِ تَبدو لي مُرَّةً جِدّاً”.

ويمكننا أن نقول إن المصاب بالجذام يمثل بالنسبة لفرنسيس تجسيدًا لأعمق مخاوفه ومخاوفنا. لأن المصاب بالجذام، في الحقيقة، هو ميت حي يرتدي خرقًا، ويبقيه الجميع على مسافة بعيدة، وإذا فكرتم جيدًا، فما هو أكبر خوف لدينا؟ ألا نُقبل من أحد، وأن نصبح أمواتًا سائرين، وألا نحظى بأي نوع من الحب والتقدير من أحد في العالم؛ باختصار، أن أكثر ما يخيفنا يمكننا تجسيده في شخص الأبرص، ومع ذلك لحظة يشعر فيها فرنسيس، عند رؤية الأبرص، بدافع داخلي يدفعه إلى مواجهة نفسه، أي التغلب على نفسه؛ فـ “مَلَكوتُ السَّمواتِ يُؤخَذُ بِالجِهاد، والمُجاهِدونَ يَختَطِفونَه” (مت 11: 12).

عاش فرنسيس ما طلبه يسوع في الإنجيل: «من أراد أن يتبع طريقي، فلينكر نفسه ويتبعني»، أي أن يتعلم كيف يفرض نفسه على نفسه، فلا يترك مشاعر تتحكم فيه. عندما يثق الإنسان بأن الله معه، وبأنه حاضر في حياته، فإن ما كان يرعبه ويخيفه في الحياة، سيستمر في شعوره بالرعب والخوف، لكنه لم يعد يتحكم فيه، بل إنه يتمكن من فعل أشياء تتعارض مع مخاوفه. ولذلك قام فرنسيس بتلك اللفتة الرائعة المتمثلة في الوقوف ضد نفسه؛ ضد مخاوفه التي تقول له: “أهرب.. هذا المرض معدٍ جدًا ومصيرك الموت”.

لكن فرنسيس توقف، ونزل عن حصانه، وعانق ذلك الرجل؛ والوصف الذي تقدمه المصادر الفرنسيسكانية لهذا المشهد جميل جدًّا، يقول فرنسيس في وصته: “وَلَدَى ابتِعادي عَنْهُم، تَحَوَّلَ ما كانَ يَبْدو ليَ مُرّاً إِلى عُذوبَةِ الرُّوحِ وَالجَسَدِ”؛ أي ما هي الطريقة للتغلب على المخاوف؟ ليس الهروب منها، بل قبولها والسيطرة عليها ولا نترك لها الفرصة للتحكم في حياتنا.

الرجاء في البداية الجديدة يُولد عندما لا نعود نخاف من مخاوفنا. لكن من أين نستمد القوة للسيطرة على ما يخيفنا؟ هنا يكشف فرنسيس لنا أن التسليم بأن الله حاضر في حياته وحضوره حقيقي وملموس لدرجة أن ما كان يرعبه من قبل، ما يزال يرعبه ويخيفه، لكنه لم يعد يتحكم فيه، بل إنه يتمكن من فعل أشياء تتعارض مع مخاوفه، مثل النزول من على الحصان وعناق مصاب بالجذام، وعندما يقف في وجه مخاوفه، يقول فرانسيس: « تَحَوَّلَ ما كانَ يَبْدو ليَ مُرّاً إِلى عُذوبَةِ الرُّوحِ وَالجَسَدِ»؛ فقد تغير طعم الحياة لديه تمامًا.

نعيش لسنوات عديدة من حياتنا مسجونين في مخاوفنا، ومخاوفنا تحول حياتنا إلى مرارة. “لقد فشلت لن أكرر هذه الخبرة أبدًا”. “أنا أخاف أن أفشل، فلن أجازف من الأساس”. “لا يحبني أحد وسأبقى تعيس إلى الأبد”… وغيرها من مظاهر الخوف التي تسيطر علينا. تقبل فرنسيس كل تلك المخاوف، تلك الجروح، ذلك الظلام الداخلي الذي يفسد حياته ويواجهه، أي إن حضور الله معه يجعله يرى الأمور بطريقة مختلفة تمامًا. الأمر يتضمن نوع من التدرج، لا يحدث كل شيء في لحظة، كنتُ خائف والآن لا أشعر بالخوف. الروح يغيرنا من الداخل ببطء ويعمل على تحويلنا فالشيء الذي نراه مر المذاق سيتحول إلى أقل مرارة، ثم مستساغ، ثم مقبول، إلى أن أصل في النهاية للقول “حلو المذاق” يتم كل هذا عندما ندرك إن حتى لو كنا في الظلمة فهي نورٌ بالنسية إلى الله، كما نقرا في المزمور 139: “تأمُرُ الظَّلامَ فيَنجلي، واللَّيلَ فيصبحُ نورًا. لدَيكَ لا يُظْلِمُ الظَّلامُ، واللَّيلُ يُضيءُ كالنَّهارِ. فالظَّلامُ عِندَكَ كالنُّورِ” (11- 12).

الخطوة الثالثة: إعادة النظر في العلاقات

إن أعظم ما قدمه فرنسيس للكنيسة هو إعادة اكتشاف العلاقات، والتي وصفها هكذا: “أعطاني الرب إخوة”.  أكتشف فرنسيس إن الكنيسة ليست مبنى مصنوع من الحجارة، ليس مكانًا جغرافيًا، ليست مؤسسة أو شيء مادي، بل أشخاصاً حقيقيين: هي ليون، كلارا، روفينو، إيليا. نحن أخوة لأن الله أبا لنا جميعًا، والرب هو الذي يعطي الأخرين كإخوة. لذا أنا بحاجة إلى العلاقات مع الآخرين، لا أستطيع أن أكون منعزلا، لن أحقق شيء ذو قيمة أبدًا وأنا وحيد.

إذا أردنا البدء من جديد في حياة تحمل معنى علينا أن نعرف إن الله حاضر ويرافقنا المسيرة، لكن هناك عائق يتمثل في الصراعات والمشكلات التي نصادفها مع الآخرين في مسيرة الحياة. ليس هناك هدف يمكن أن نسعى إليه إلا إذا أَحسنت إدارة العلاقات مع الآخرين الذين ألقاهم في مسيرتي لتحقيق أحلامي.  

اتسمت العلاقات مع الآخرين منذ بدء الخليقة بالتوتر فيما بينهم, نعرف ما حدث بين قايين وهابيل، يعقوب وعيسو، يوسف وأخوته. المشكلة هي دائمًا في قبول اختلاف الآخر، في قبول تنوعه وتميزه. لكي تنشأ علاقة سليمة وصحية مع الأخ، مع الآخر، علينا أن نقبل بتنوعنا واختلافنا أولا. لا تنشأ العلاقات السليمة مع الآخرين إلا بين أشخاص مختلفين، لذا فإن أول ما يُفنّده الكتاب المقدس هو فكرة أنه لكي توجد شركة، يجب أن نكون جميعًا متساوين. لكي ندخل في علاقة سليمة ومتوازنة، يجب على كل منا أن يقبل اختلافه ويتصالح مع تنوعه، مع ذلك الجانب المميز، الخاص بنا، الفريد، الذي لا يتكرر.

أدرك فرنسيس إن قبول التنوع هو السبيل لحماية البشر من الصراعات والتوتر في العلاقات بينهم، ويكونوا “أخوية” فيما بينهم. عندما سئل عن مواصفات الراهب الفرنسيسكاني الأمثل (الشروط والفضائل الواجب أن يتحلّى بها الأخ الاصغر)، قال: هو من يملك إيمان برناردوس؛ بساطة وطهارة ليون؛ ذوق ولباقة أنجلو؛ عقل وحُسن كلمات مسّيو؛ روحانية إيجيديو؛ صلاة روفينوس؛ صبر چينيپرو؛ وقوّة وصلابة چيوفاّني ديللي لودي؛ محبة روجّيرو؛ يقظة لوتشيدو. إذا كنا عاجزين أولا عن حب تنوعنا، على قبول اختلافنا وتفردنا، خصوصيتنا، لن نجح أبدًا في إقامة علاقات طيبة مع الناس. ليس هناك هدف يمكن أن نحققه في الحياة إذا لم تكن لدينا علاقات جيدة مع من حولنا.

لقد تجسد الرب لأجل أن يشفي علاقة الإنسان المريضة والشائكة مع أخيه. إذا تأملنا معجزات يسوع في الأناجيل سنلاحظ إن أغلبها (وأرى أن جميعها) يتعلق بالعلاقات. قد شفى الأعمي والأبكم والأصم وهي حالات تمنع الإنسان من التواصل مع الآخرين. شفى الأبرص الذي يعيش وحيدًا بسبب مرضه. يشفي نازفة الدم ويتقابل مع السامرية، مع مقعد بيت حسدا، مع أولئك  المنعزلين عن الناس. يسوع يشفي عندما يكون هناك مرض أو حالة معينة تمنع الإنسان من فرصة تكوين علاقات وروابط مع الآخرين. هل تساءلتم يومًا لماذا لا يشفي يسوع في الإنجيل أي شخص مصاب بالسرطان أو التهاب رئوي مثلا؟  كانت لديه القدرة على الشفاء من الأمراض، لكن اكتفت الأناجيل بذكر المعجزات التي ترتبط بقدرتنا على إقامة العلاقات. وذلك لأن إيماننا يتجسد بشكل أساسي في علاقاتنا.

عندما لا أتقبل التنوع والاختلاف تتولد داخلي مشاعر الحسد والشعور بأن حياة الآخرين أفضل من حياتي، مواهبهم أفضل من مواهبي. الأمر الذي يصل بي إلى الشعور بأن هناك شيء خطأ في حياتي جعل الله لا يرضى عني، ولا يمنحني ذات الامكانيات والمواهب التي منحها للآخرين. متى أشعر بالسلام إذن؟ نعم، عندما يختفي الأخر الذي يجعلني أشعر بالاختلاف، بأن مواهبي وامكانياتي محدودة. الحل هو أن يتخلص قايين من أخيه هابيل.

هذه ما فعله الأخوة في فرنسيس، لم يقبلوا اختلافه وتفرده فتولد لديهم مشاعر رفض لشخصه ولطريقته. أصبح الإخوة التي أسسها فرنسيس نفسه هي أكبر معاناته وأقسى تجاربه في الحياة. رفضوه تمامًا مما دفعه للتخلي عن مسئولية الرهبنة التي أسسها. في الواقع لقد طُرد عمليًا من الرهبنة وتخلي عنه الرهبان إلا من عدد محدود كانوا يسهرون على رعايته بعد أصابته بالعمى تقريبًا.

قضى فرنسيس عامين تقريبًا بعد تخلى عنه أخوته، منعزلا في ظلام كامل بعد إصابته بالعمى. لكن في تلك الظروف الصعبة يعلمنا فرنسيس أن نبدأ من جديد. ترك لأخوته البركة قبل انتقاله بالرغم من كل ما صنعوه. ويقول لهم أجمل عبارة، وهي كذلك بالنسبة لنا اليوم: «لقد قمت بدوري، والرب يعلمكم أن تقوموا بدوركم». قام فرنسيس بدوره، والآن علينا أن نقتدي به. لنبدأ من جديد واثقين أن الله معنا، مهما كانت الأحداث. علينا أن نهزم مخاوفنا فلا تتحكم فينا، بل حضور الله يجعلك ترى الأمور بطريقة مختلفة ويتحول ما كان مر المذاق إلى حلاوة للنفس والجسد. وأخيرًا إذا أردنا أن نبدأ علينا إدراك صعوبة العلاقات والتمسك بمحبة الآخرين، حتى إذا أبغضونا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد