(5) امتحان إبراهيم
سلسلة عظماء الكتاب المقدس- 5
اليوم نلتقي بأهم نصوص الكتاب المقدس والذي بدونه، إذا تخيلنا إنه غير موجود، لن نحصل على وحي كامل وشامل عن مَن هو الله، عن ما هو الإيمان الحقيقي. نص يطرح تساؤلات عديدة مثل: هل الله قاسي لهذه الدرجة ليطلب من إبراهيم تقديم ابنه وحيده كذبيحة؟ لماذا هذا التناقض، فالله هو الذي قاد إبراهيم إلى أن يترك أرضه وعشيرته ووعده بنسل مثل نجوم السماء، واليوم يطلب منه أن يقدمه هذا الابن كذبيحة؟ عندما نتعرض لأمر صعب في الحياة نقول “أنه تجربة من الله” هل الله يجربنا بهذه القسوة؟
هو من أجمل النصوص ولكنه أكثرها غموضًا ودراما وحبكة وتشويق حتى من جميع الأدب الذي صاغه البشر، فكل كلمة، كل حركة لها مدلول ومعني عميق للغاية. يُعرف النص “بذبيحة إسحق”. والتي يسميها اليهود بـ “ربط إسحق” إشارة إلى ربط اسحق على المذبح فوق الحطب، لكن العنوان الأصح هو “امتحان إبراهيم” لأن اسحق لم يتم التضحية به.
تعرض هذه الحادثة الشهيرة علاقة إبراهيم بربه وعلاقته بابنه الحبيب إسحق. وسنكتشف إنها تقدم مفهوم جديد لعلاقة الإنسان بربه ومفهوم جديد آخر لعلاقة الإنسان بأبناءه وذريته.
سبق أن تعرض إبراهيم لاختبارات كثيرة منذ دعوة الله له مثل: تركه لأبيه وأرضه وعشيرته إلى أرضٍ مجهولة، ثم المجاعة التي ضربت المنطقة، فنزل إلى مصر وخاطر بحياته وحياة سارة وإدعي إنها أخته. ومشكلة انفصاله عن لوط ومغامرته بأن يترك لابن أخيه حرية اختيار الأرض المناسبة له وحربه مع الملوك الأربع. وأخيرً تأخر الوعد وقراره بأن يفعل كل شيء بنفسه فانجب إسماعيل من جاريته هاجر بالرغم من تأكيد الوعد أكثر من مرة أن الابن المنتظر هو من سارة زوجته.
يتم تنبيهنا منذ البداية من قبل الوحي الإلهي بأن الأمر يتعلق بامتحان. بعض الترجمات تجعل الكلمة “أَنَّ اللهَ جَرَبَ إِبْراهيمَ” لكن الكلمة العبرية لا تحمل دلالات المشقة والمعاناة الذي توحي بها كلمة تجربة. الأمر يتعلق بامتحان، أو اختبار يضعه الله لإبراهيم. القارئ لهذا النص يعرف ما سيحدث، يعرف إنه سيقرأ “امتحان” إبراهيم، لكن بطل القصة هنا لا يعلم ماذا يحدث له. هذا التصريح: “اَمتحنَ اللهُ إبراهيمَ” يضعنا، نحن اللذين نقرأ القصة، على مستوى مختلف عن مستوى إبراهيم. نحن نراقب كيف سيتصرف أبونا في الإيمان في هذا الموقف الصعب. نحن، بطريقة ما، القراء، المستمعون، مشاهدو القصة، نحن نختبر إبراهيم، نختبر الشخصية.
الهدف من الامتحان أو الاختبار اكتشاف شيء ما غير معروف. فالاستاذ يجرى امتحان أو أختبار للطالب لأنه لا يعرف ما إذا كان الطالب قد استوعب المهارات والمعلومات التي يهدف الدرس إلى تعليمها له. إذن، اكتشاف شيء غير معروف أو التحقق من شيء غير مؤكد. وعندنا يتحقق الاستاذ من معرفة ما يعرفه الطالب وما لا يعرف، يتحقق من مستواه، ينتهي الاختبار. الاختبار إذن هو دائمًا شيء مؤقت عندما يعرف الشخص ما يريد معرفته ينتهي الأمر. لذلك بالنسبة للقارئ عندما يقرأ العبارة الأولى من القصة: “وكانَ بَعدَ هذه الأَحْداثِ أَنَّ اللهَ اَمتَحَنَ إِبْراهيمَ” سيسأل نفسه بصورة تلقائية:
ما هو هذا الامتحان؟ ما هو الهدف من الاختبار الذي يخضع له إبراهيم من قبل الله؟ ما الذي يريد الله أن يعرفه عن إبراهيم ولا يعرفه بالفعل؟ وكيف سيكون رد فعل إبراهيم؟ ما الذي سيكشفه الاختبار عن إيمان إبراهيم وعلاقته الأبوية بإسحق؟
استمع للقاء كاملا عبر قناتنا على اليوتيوب
