في كل صباح أول شيء ننظر إليه هي المرآة لنتأكد من مظهرنا الذي سيرانا به الآخرين والناس. يقضى البعض أوقات طويلة أحيانًا للتأكد من تسريحة الشعر، المكياج (خاصة النساء) حُسن اختيار الملابس. ماذا لو افترضنا إن هناك مرآة تكشف ليس الوجه، بل القلب!! كيف سيكون الوضع؟
هل تعلم عزيزي القارئ إننا نتجمل أيضًا على مكنونات القلب، حتى لا تظهر الحقيقة، لأن: “القَلبُ أَخدَعُ كُلِّ شيَء وأَخبَثُه فمَن يَعرِفه؟” (أر 17: 9). نتجمل ونستخدم أدوات مكياج كثيرة حتى يرانا الناس في أفضل صورة ممكنة.
أود أن أتأمل معكم في ما ورد بقراءة قداس اليوم، وهي من سفر الأمثال 21: 2، حيث يقول الوحي الإلهي: «كُلُّ طَريقٍ لِلإِنسانِ مُستَقيمٌ في عَينَيه، وَوازِنُ القُلوبِ الرَّبّ».
لاحظوا أن الكتاب المقدس لا يقول: «كل طريق للإنسان مستقيم» بل يقول: «مستقيم في عينيه». وهذه إضافة صغيرة لكنها خطيرة جدًا. فالإنسان يستطيع أن يخدع الآخرين، لكن الأخطر أن يصل إلى مرحلة يخدع فيها نفسه. قد يكرر الإنسان تبريره لنفسه حتى يصبح التبرير بالنسبة إليه حقيقة. وهنا تكمن مأساة الإنسان الروحية.
ليس مشكلة أن تخطئ. لكن المشكلة أن تخطئ ولا تكون قادر على رؤية خطأك. ليس المشكلة أن تسقط، لكن في أن تبرر لنفسك دائمًا الخطأ. إذا جرحت شخص، تقول لنفسك “لأنه استفزني”. وإذا كانت عباراتك قاسية، تقول لنفسك “أنا صريح “. تحكم على إنسان بقسوة وتقول: “أنا فقط أقول الحقيقة”. تتمسك برأيك الخاطئ وتقول: “المسألة مسألة مبدأ”.
هنا نفهم الجزء الثاني من الآية: «ووازِنُ القلوبِ الرب». الله لا ينظر فقط إلى ماذا فعلت، بل أيضًا: لماذا فعلت؟
- لا ينظر إلى ماذا أعطيت للآخرين، بل لماذا أعطيت؟ هل أعطيت من أجل المحبة؟ أم من أجل أن يمدحك الناس؟
- لا ينظر إلى خدمتك، بل لماذا خدمت؟ هل خدمت المسيح في الآخر؟ أم أردت أن تُشبع رغبة في التسلط والظهور بأنك أفضل من البقية؟
- لا ينظر إلى قولك للحقيقة، بل لماذا قلتها؟ هل الدافع هو المحبة؟ أم لتجرح شخصًا تحت اسم «الصراحة»؟
الله لا ينظر إلى الأعمال، بل إلى النية التي تؤدى بها، إلى القلب الذي يقف وراء الأفعال. قال يسوع: «احترزوا من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم» (متى 6: 1). الصدقة نفسها عمل صالح. لكن المسيح يسأل: لماذا تفعلها؟ فالإنسان قد يصنع عملًا صالحًا، لكن يريد من خلاله أن يصنع صورة جميلة عن نفسه. وقد يصبح حتى العمل الروحي وسيلة لإرضاء الذات.
«ووازِنُ القلوبِ الرب» لا ينبغي أن نسمعها فقط كتهديد. بل كدعوة إلى الثقة. الله يعرفني أكثر مما أعرف نفسي، ومع ذلك يحبني.
وازن القلوب» تعني أن الله يرى ما لا يراه الآخرون هناك أناس يحملون جراحًا لا يعرفها أحد. وأناس يبدون أقوياء وهم من الداخل محطمون. وأناس يبدون متدينين لكنهم يعيشون صراعًا داخليًا. وأناس أخطأوا أمام الناس، لكنهم تابوا بصدق. وأناس لم يسقطوا أمام الناس، لكن قلوبهم امتلأت بالكبرياء والدينونة. لذلك لا يستطيع الإنسان أن يكون القاضي النهائي على الآخرين. يسوع يقول: «لا تدينوا لكي لا تدانوا» (متى 7: 1).
أنا لا أملك أن أضع نفسي مكان الله وأحكم على القلب الداخلي للإنسان. أنا أرى الفعل. الله يرى القلب. أنا أرى لحظة. الله يرى القصة كلها. أنا أرى السقوط. الله يرى أيضًا إمكانية التوبة.