يروي لنا إنجيل اليوم قول رجل ليسوع «طوبى لِمَن يَتَناوَلُ الطَّعامَ في مَلَكوتِ الله» (لو 14: 15). فيجب المسيح بمثل عن رجل ينظم عشاء فاخر ويدعو الناس لكنهم يعتذرون، الواحد تلو الأخر، لأسباب هي مشروعة ومهمة للحياة: السعى وراء الممتلكات، الانهماك الشديد في العمل، والعلاقات العائلية. لديهم أسباب مهمة وعادلة، لكن أين يكمن الخطأ في أنهم فقدوا فرصتهم في الوليمة السمائية؟
لتقريب الفكرة أتذكر قصة قصيرة للكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي “كم يحتاج الإنسان من الأرض. يروي أن هناك فلاح فقير يُدعى “باخوم”، كان يردد دائماً أنه لو امتلك أرضاً كافية فلن يخاف حتى من الشيطان. يسمع رئيس إحدى القبائل رغبته، ويقدم له عرضاً مغرياً للغاية: “يمكنك الحصول على كل الأرض التي تستطيع أن تطوقها مشياً على قدميك في يوم واحد، تبدأ من شروق الشمس وتعود إلى نفس النقطة قبل غروبها، ومقابل ثمن بخس جداً” طمع باخوم وبدأ يركض ويركض وكلما رأى أرضاً خصبة مدّ طريقه ليربحها. ومع اقتراب غروب الشمس، أدرك أنه ابتعد كثيراً، فبدأ يركض بجنون وعطش شديد للوصول إلى نقطة البداية قبل فوات الأوان. يصل باخوم إلى نقطة البداية في اللحظة الأخيرة تماماً مع غياب الشمس، ولكنه يسقط ميتاً من شدة الإنهاك اللامتناهي. في النهاية، يحفر له خادمه قبراً صغيراً ليدفنه فيه.
هناك دعوة مجانية للملكوت توجه إلى كل منّا، لكن أحيانًا ننشغل في الحياة بأمور كثيرة، هي مهمة جدًا، لكننا نهتم بها تمامًا وننسى أمر الملكوت، ولا نتهم حقًا بنهاية الرحلة. لنرى تلك الأعذار:
العذر الأول يقول الرجل: “قدِ اشتَرَيتُ حَقلاً فلا بُدَّ لي أَن أَذهَبَ فأَراه، أَسأَلُكَ أَن تَعذِرَني”. هو الشخص الذي يهتم كثيرًا بالممتلكات وشعاره “أنا أمتلك إذن أنا موجود”، يبحث عن ما يضيفه إلى ثروته. لاحظ إنه اشترى حقلا دون أن يراه، اشتراه فقط لأجل زيادة رصيد ممتلكاته. والأمر الآخر إنه يود أن يراه في الظلام، فالوقت هو العشاء، ولا يمكنه فعليًا أن يراه في الظلام، ولكن شهوة الأمتلاك تحرمه النوم فلا ينتظر إلى الصباح ليرى ما قد أشتراه.
لنأخذ مثلا بسيطًا جدًا، فأنا مشغول بما هو جديد، بالبرندات المعلن عنها، أجرى وراء الاعلانات لكي أحصل على المزيد وقد لا أستخدمه. تمضي الحياة وأنا أجرى وأجري لأجل زيادة ممتلكاتي ولا أنتبه أن الشمس من الطبيعي أن تصل إلى الغروب. لنختبر أنفسنا في هذا الأسبوع، لنقم بعمل يتسم بالكرم الخالص مثل: تقديم شيئاً للمحتاجين، أو تخصيص جزءاً من وقتنا – دون انتظار أي مقابل – لشخص آخر.
العذر الثاني، “وقالَ آخَر: قدِ اشتَرَيتُ خَمسَةَ فَدادين، وأَنا ذاهِبٌ لأُجَرِّبَها، أَسأَلُكَ أَن تَعذِرَني”. هو الشخص الذي يكون العمل كل حياته، فلا شيء أهم من تحقيق النجاح فيه، والاستفادة من كل الفرص لأجل أن أربح وأنجح وأصل إلى طموح أومركز أعلى. هو يريد أن يجربها اليوم والآن. لا يحصل على راحة، وأن حصل عليها فهي راحة سلبية تمامًا، كهدنة محارب، لا يمكن مثلا أن يستغلها في الذهاب إلى قداس الأحد. لنختبر أنفسنا في هذا الأسبوع، حاول أن تخصِّص خمس عشرة دقيقة يومياً لإغلاق هاتفك والجلوس في صمت، مذكّراً نفسك بأن العالم سيستمر في الدوران حتى دون أدائك المستمر.
العذر الثالث، “وقالَ آخَر: قد تَزَوَّجتُ فلا أَستَطيعُ المَجيء”. هو عذر يبدو عادل تماما، لكن الإنغماس في حياة أسرية وعائلية لا تعطني الفرصة أن أري احتياجات الآخرين، خارج إطار عائلتي. لنختبر أنفسنا أيضًا هذا الأسبوع: إذا كنتَ منغلقاً داخل فقاعتك الخاصة، فافتح باب بيتك، ادعُ شخصاً يعيش وحيداً، أو اتصل هاتفياً بشخص تعلم أنه يمر بظروف صعبة.
لكن الخطوة الأولى هي أن تزيد الرغبة في أن تشارك في الوليمة عندها يمكنك أن تتخلص من “ما يسجنك” وتعطي أهمية لها وسط كم الاهتمامات التي تشغلك قبل أن تميل الشمس للغروب.