لا تقـــــتل
الوصية الخامسة- اللقاء الأول
تتكون الوصية الخامسة من كلمتين فقط!! “لا تقتل”. كلمةٌ يبدو إنها مُوجهة إلى فئة مُحددة، فليس الجميع قتلة! ليس الجميع متعطشين إلى سفك الدماء! إلا إنه من الممكن أن يَقتل الإنسان آخر بالخطأ. فالذي يعود بسيارته إلى الخلف، ويصطدم آخر دون أن ينتبه، هل نصفه بالقاتل؟ لقد نظر إلى المرآه العاكسة لكنه لم يراه فقتل إنسان دون قصد. من يقود سيارة برعونة وبطريقة خاطئة فهو يعرض حياة الآخرين للخطر. إن من يقود سيارته بهذه الطريقة يتعدى على الوصية الخامسة.
تأتي كلمة “لا تقتل” في اللغة العبرية (Ratsach) بمعنى القتل “العمد”، أي توافر النية المُسبقة للفعل. القتل هنا هو سلب الحياة من الشخص. فهدف الفعل هو أَخذ الحياة. لذا فالمعنى الحرفي للكلمة لا تسلب حياةُ إنسان آخر متَعَمِدًا.
هل سلب الحياة يكون فقط بسفك الدم؟ هناك طرقً عديدة لسلب حياة شخص ما، بالرغم من عدم موته. فالكلمة لها قوة القتل، فهي تسلب الحياة من إنسان متى قِيلت في ظروف معينة وبوتيرة خاصة. كذلك الإهانة والتبكيت والنميمة والإدانة، كلها أفعال تؤدى إلى سلب حياة الأشخاص وسعادتهم.
يَشرح يسوع هذه الوصية في عظته على الجبل (متى 5: 21- 26) بقوله:
سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: «لاتَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء». (يستهشد يسوع بنص سفر العدد 35: 9 33). أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: «يا أَحمَق» اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: «يا جاهِل»اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم. فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً، فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك. سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن. الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس.
ما بين الغضب والقتل:
الغضب هو أحساس أو عاطفة شعورية تختلف حدتها من الاستثارة الخفيفة، التي تتمثل في الشعور بالضيق والاستياء والسخط، إنتهاءًا بالثورة الحادة، التي يمكن أن تصبح مدمرة، متى لم يسيطر عليها الإنسان فتصل به إلى القتل. ما بين الغضب والقتل إذن علاقة سببة، فالغضب العارم يكون دافعًا للقتل. ثورة الغضب هي الخطوة التمهيدية للقتل لأنها تدفع الإنسان إلى الخروج عن منطقه المعتاد وشعوره الطبيعي فيصبح تصرفه مدمرًا. حتى إذا لم يصل الإنسان إلى ارتكاب الجريمة بصورة كاملة، فإنه يشعر بذات الانفعالات التي تدفع آخر للقتل.
يقول يسوع “أما أنا” في إشارة إنه لم يأتي لينقض ما تنص عليه الشريعة، لأنه جاء ليُكمل ويفسر نصوصها فيقول: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء. فمن غضبَ يتساوى في ذات الحكم مع مَن قتل عمّدًا. المعيار هو القلب!. حتى إذا لم يقتل الإنسان بالفعل ولم يسفك دمًا بدافع الخوف أو مراعاة لقناعات اجتماعية، إلا إنه يُشبه تمامًا مَن يزهق روح آخر في وقت انفلات غضبهِ. فالفرق بين إنسان غَضبَ فقَتل فعليًا وآخر غَضبَ لكنه لم يقتل، كلاهما غَضبَ، لا فرق بينهما، إلا أن الأول أكمل ما بدأ فيه. كلاهما عاشا ذات الأحاسيس، مشاعر الغضب. لذا يقول المسيح يسوع: من غضب على أخيه يستوجب حكم القضاء. ذات الحكم الذي يُطبق على القاتل. المعيار هو قلبٌ اشتعلت فيه نيران الغضب المدمر.
وَمَن قالَ لأَخيهِ: «يا أَحمَق» اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس. كلمة أحمق تعنى حرفيًا “فارغ الرأس”، “أهبل”. عندما يرغب شخص في إهانة آخر فإنه ينعته بالحماقة والغباء. فمن يقول لأخيه، كلمة مهينة كَمَن يقتله. مَن يقول لأخيه “أنت غبي” يستحق حكم المجلس.
مَن يغضب على أخيه يستوجب حكم القضاء، في حين من يَّهين أخاه بستوجب حكم المجلس؟ مالفرق بين حكم القضاء وحكم المجلس؟
كلِ قرية أو مدينة صغيرة باليهودية كان لديها محكمة خاصة مُصغرة، تجتمع دوريًا على مقربة من بوابة القرية أو المدينة لمناقشة القضايا المختلفة من سرقة وقتل وتعدى على ممتلكات الغير. تُشكل تلك المحكمة من بعض أغنياء القرية وشيوخها. مَن قتل نفسً كانت تُعرض قضيته على تلك الهيئة من الحكماء للفصل فيها. أما المجلس (المجمع) فهو المحكمة العليا بالعاصمة أورشليم. وهي محكمة وحيدة كانت بمثابة المجلس الأعلى للقضاء، ويتنوع أعضائها من رؤساء الكهنة ونبلاء إسرائيل كافة، وبعض الفريسيين والحكماء ذو المكانة الرفيعة. أمام هذا المجلس (المجمع) حُكِمَ على يسوع بالموت.
هناك أمرٌ غريب فمَن يقتل إنسانً يُعرض أمره على محكمة القرية الأهلية، على مجموعة الحكماء. أما إذا قال لأخيه يا أحمق يجب أن تُنقل قضيته إلى المجلس الأعلى للقضاء بالعاصمة أورشليم.
نار جهنم
يُضيف يسوع: ومَن قالَ لَه: «يا جاهِل» اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم. ما هو المقصود “بنار جهنم”؟
على الجانب الأيمن من معبد أورشليم كان هناك واديٍ سحيق لجمع النفايات والمخلفات وحرقها يدعي “وادي هنون”. كانت ألسنة النار تتصاعد من حرق النفايات، ليلا نهار فأصبحت الصورة الرمزية لجهنم، للعقاب الأبدي، حيث تشتعلُ نارٌ لا تطفئ. لذا شبه يسوع هذا المكان بجهنم. ننتقل من المحكمة الأهلية بالقرية الصغيرة إلى المحكمة العليا بأورشليم، إلى المحكمة الإلهية. نصل إلى جهنم الأبدية.
هناك تسلسل عكسي في حديث يسوع لأن ثورة الغضب العارمة التي تدفع إنسانٌ ما إلى القتل هو أشد وطأة وخطورة من أن يقول لآخر “يا أحمق” أو “يا جاهل”. كيف إذن يُعرض أمرُ الشخص القاتل على محكمة أهلية صغيرة في بلدته النائية. في حين يُنقل أمره إلى المحكمة العليا بالعاصمة أورشليم، متى نعتَ آخر بـ أحمق، بالرغم من أن جرمه أقل. أما إذا وصف أخيه بأنه جاهل، وهي كلمة أخف حدة من الأحمق، يزداد العقاب إلى الدرجة بأنه يُلقى في جهنم، حيث النار التي لا تطفئ. كلام يسوع غريبٌ، ومناقض تمامًا لمنطقنا البشري! لأننا اِعتدنا على إن العقاب من جنس العمل، أي يتناسب مع الفعل، فإذا كان الفعل بسيط فالعقاب يكون على شاكلته بسيط، ثم يزيد العقاب ليتناسب مع حجم الجريمة فننتقل من الجنحة إلى الجناية.
إذا رأيت يومًا “أبله” يتصرف بصورة مغايرة للمنطق تمامًا، فهل ستغضب من “مجنون فاقد الرشد”؟ يقول يسوع من يقول لأخيه “مجنون” يُلقى في نار جهنم! قيل لكم لا تقتل، أما أنا فأقول لكم مَن يغضب على أخيه، مَن يقول له “يا أحمق”، لا بل من يقول “يا جاهل – يا أبله” يستحق نار جهنم.
ماذا يقصد يسوع؟ لماذا يتحدث بهذا المنطق وتلك الحجج المتناقضة؟ أى لغةٍ هذه التي يستخدمها يسوع ولماذا يلجأ لأستخدام أحكام مبالغ فيها لدرجة كبيرة. ماذا يريد أن يعلمنا يسوع من استخدام منهج التناقض هذا: “قِيلَ للأولين.. أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم”.
يصل يسوع بالمستمع إلى النقطة المركزية في تعليمه: “ماذا يعنى لا تقتل؟ أنتم تعتقد إن القتل هو فقط أن تأخذ حياة إنسان منه؟ أن تسلب حياته عن عمد؟ أن تسفك دمه؟ أنت في خطأ كبير!! يُكمل يسوع تعليمه:
“فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً، فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك. سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن. الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس.
لننتبه لما يقوله يسوع. هو لا يقول عليك أن تكون متصالحًا مع أخيك قبل أن تقدم ذبيحتك إلى الله. بل يقول: إذا كان لأخيك شيئً عليك، لا يقول إذا أغضبت أخيك، لكن إذا كان لأخيك شيء عليك. حتى لو لم تقصد ايذائه، فقط تذكرت إنه في حالة ضيقٌ منك أو سخطٌ عليك.
ما يقوله يسوع هنا هو أكثر غرابة مما سبق. إذا كنتَ تُقرب قُربانك إلى المذبح!! كم مذبح في إسرائيل في هذا الوقت؟ ومَن الذي يحق له تقدمة الذبيحة؟
هناك مذبح وحيد، مذبح هيكل سليمان بأورشليم. تقدم الذبيحة في يوم كيبور بواسطة رئيس الكهنة وحده.
قدس الأقداس
كان في أورشليم مذبح واحد فقط، يتكون من عدة ساحات تحيط بقدس الأقداس (المكان الذي يحتوي علي لوحي الشريعة). الفناء الخارجي المسموح للجميع دخوله حتى الوثنيين. أما الفناء الداخلي، الذي يرتفع قليلاً عن الفناء الخارجي فهو مُخصص لليهود، مُقسم إلى قسمين: الأول للنساء، ثم قسمًا يرتفع عن مستوى ساحة النساء مُخصصًا للرجال اليهود. يحيط بهذا الرواق سياجٌ مكتوبٌ عليه، باليونانية واللاتينية، تحذيرًا للوثنيين من اختراقه، إذ كانت عقوبة ذلك الموت. ثم فناء الكهنة، لا يستطيع أحد أن يقترب منه إلا الكهنة الذين يمثلون فئةً قليلة من سبط لاوي. ثم أخيرًا المذبح, مكان صغير جدًا, عُرف بقدس الأقداس لاحتواءه, كما ذكرنا سابقا على لوحى الشريعة المدون عليها “الوصايا العشر”. لا يستطيع أحدٌ أن يدخل إلى قدس الأقداس إلا رئيس الكهنة, الذي يقدم الذبيحة أمام هيكل الرب, بأسم كل الشعب، مرة واحدة في السنة. “ فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح”، المخاطب هنا ليس عامة الناس، بل الكاهن الذي تُصيبه القرعة ليقدم الذبيحة أمام هيكل الرب.
طقس التقدمة
قبل قيام رئيس الكهنة بتقدمة الذبيحة، كان عليه الالتزام الحرفي الشديد بمجموعة من طقوس الطهارة ليُصبح مستحقًا للدخول إلى قدس الأقدس. في يوم الكفارة كان رئيس الكهنة وحده يقوم بخدمة ذلك اليوم في طقس طويل بعد استعدادٍ طويل، يساعده أكثر من خمسمائة كاهن كان رئيس الكهنة يقضي السبعة أيام السابقة ليوم الكفارة في حجرة داخل الهيكل خارج بيته، يلازمه شيوخ السنهدريم ويقرأون عليه أوامر الرب الخاصة بهذا اليوم مرارًا وتكرارًا. وكان يستظهرها حتى يحفظها جيدًا ويتدرب على أدائها. وفي الليلة السابقة لليوم كان يظل مستيقظًا حتى الصباح حتى لا يتعرض لحلم أو عارض ليل يدنس جسده، وكان الكهنة والشيوخ حوله حتى لا يغفل أو ينعس. ثم يأخذون رئيس الكهنة إلى المغسل لغسل جسده كله وحلاقة شعر جسده بالكامل (باستخدام سكينٌ حادة أو قطعةٌ من الزجاج)، ثم يغسل يديه ورجليه. يذكر التقليد اليهودي أن رئيس الكهنة يغتسل 5 مرات في هذا اليوم وعشر مرات يغسل يديه ورجليه. كل هذا لضمان أن يكون طاهرًا ليستحق أن يقترب من قدس الأقداس.
لن ينتهى الأمر هنا، فطقس يوم كيبور معقد للغاية. كان على رئيس الكهنة تلاوة صلوات محددة، في فجر اليوم، عند سماع صوت البوق، ومع اِشعال الشموع، يبدأ في السير تجاه قدس الأقداس، يسير خطوة ثم بعدها خطوتين وفى كل خطوة يتلو بعض الصلوات الخاصة. مما لا شك فيه إن الاستعدادات الطويلة لدخول قدس الأقداس تجعله يتطلع إلى تلك اللحظة التي انتظرها وتهيأ لها طول عامٍ مضى.
هنا يقول يسوع، إذا أتممتَ جميع الاستعداد لدخول قدس الأقدس، وقمتَ بكافة الطقوس الواجبة، وحفظت الأصوام المطلوبة، وشروط الطهارة الواجبة، لكنكَ تذكرت إن لأخيك شيءً عليك، فأترك قربانك على المذبح. لقد سبق لرئيس الكهنة أن أعترف بكل خطاياه، وتذكر كل أوامر الرب ولم ينسى منها شيء، لم يصنع شرًا مع أحد، يصل إلى عتبة الهيكل وبداخله خوف من أن يكون أغفل خطيئة ما، هنا تحديدًا يقول له يسوع يجب أن تترك قربانك على المذبح وتعيد كل شيء من البداية. تعيد تلك الطقوس الطويلة والمرهقة، وتذهب لتصالح أخاك أولاً.
لا يقول يسوع: “إذا تذكرت إن عليك شيءً لأخيكَ”، أي أخطأت في حقه، بل يقول “أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً”، أي أنت لم تخطئ إليه أو تغضبه، أنت لم تجرحه بكلمةٍ مهينة أو حتى عاملته بسوءٍ فغضبَ منك، فقط هو لديه شيءً ضدك، حتى إذا لم تتسبب فيه. إذا كان أخاك مريضًا نفسيًا، يشعر بعقدة اضطهاد، تذكرت هذا فاترك كل شيء وصالح أخاك. هنا يوضح يسوع المقصود من وصية “لا تقتل”، بأن يوضح في أيُّ شيءٍ يكمن عدم القتل.
أنت مثل ذلك الكاهن، تطهرتَ، تنقيتَ، حفظتَ كل الشريعة والصلوات المطلوبة، وصلت إلى نهاية استعداداتك فأنت الآن أمام المذبح! لكن يجب عليك ترك التقدمة إذا تذكرت إن هناك شخصٌ، لا يعيش في سلام، يشعر بنوعٍ من التجاهل. بالرغم من أنك لم تخطئ إليه، يجب أن تتوقف حتى لا تخطئ لوصية “لا تقتل”. إذا قدمت تقدمتك وهناك قريبٌ لا يشعر بالسلام فأنت “قاتل”.
بكلمات اخري قد يكون أخيك مريضًا، غيورًا أو أى شئ آخر. أنت لم تظلمه أو تهينه بشيء لكن لديه مشكلة ما، لا يعيش في سلام فإذهب أولاً وصالح أخيك الذي لا يعيش في سلام. “لاتقــتل” تعنى : اِعتني بأخيك، لا تتجاهله، اِهتم به، لا تقول : ” إن أمره لا يعنيني” متى عرفت إنه يحتاج إليك.
سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن. الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس.
يشرح يسوع ما يقصده في هذه الجملة. ردد يسوع هذه العبارة كثيرة عند حديثه عن العقاب الأبدي: “لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس”. عبارة لا تخص الحياة الطبيعية المعتادة ولكنها تصف الحياة الأخرى. القاضي المقصود هو الله، والشرطي، حارس السجن، هو الشيطان. حاول أن تصل إلى صيغة تفاهم مع خصمك، مع عدوك، حتى لا يسلمك القاضي إلى ذلك الحارس المخيف. يقول يسوع: : أفعل كل ما تستطيع ، وأنت في هذه الحياة، لإرضاء من حولك حتى لا يسلمك القاضي إلى الشرطي فيضعك في سجنّ لا تخرج منه بسهولة. اسرع في طلب رضاه، دون أن تنتظر منه شيء.
ليس فقط التقدمة غير صالحةً، لكنك ستذهب إلى جهنم لأن هناك، عدوٌ لك، شخص ما يكرهك، مذنبٌ في حقكَ، لم تسعى إلى رضاه. يجب أن تسعى إلى إرضاء عدوك. هذه هي المقارنة التي يستخدمها يسوع ليشرح عبارة “لا تقتل” ليوضح إن القتل هو إهانة تنم على تجاهلك للآخرين. أنت لم تخطئ أبدًا في حق عدوك، فهو الذي يكرهك دون سبب، هو شرير بطبعه يود أن يدمرك، حتى إذا كان هو كذلك لا تتجاهله.
يضيف يسوع مفهومًا جديدًا لعبارة “لا تقتل”. القتل هو سلب الحياة من شخص ما. عدم القتل، هو العكس تمامًا، إعطاء الحياة.
القتل يكون بتهميش الآخر، بلا مبالاه تجاهه، كرئيس الكهنة الذي تذكر إن هناك شخصٌ أهمله، شخص لا يرتبط به مباشرة، ولكن من الممكن أن يكون هناك شخصٌ لا يشعر بالسلام. هذا التهميش هو أكثر جرمًا من القتل العمد. يضيف يسوع: سارع لإرضاء خصمك وأنت في هذه الحياة. “لا تقتل” إذن أن “تحب”.
إذا فكرت مليًا، فإن جميع الذين لا يحبونك، يقتلونك في واقع الأمر. الأشخاص الذين لا يقبلونك يقتلونك. أولئك الذين أظهروا لا مبالاه تجاهك، عدم اهتمام يسلبون منك الحياة. هنا لا يتكم يسوع عن ضرورة حفظ الحياة ويجعلها هي الوصية الأساسية، فليس من حقك أن تسلب الحياة من شخص ما، فالله هو سيد الحياة والموت. من الممكن أن أحترم الحياة، ولا أتعدى على شخص آخر أبدًا، لكن حياة الآخرين لا تعنيني في شيء. كل ما يفعله الأخرون يخصهم وحدهم.
الحقيقة التي يؤكدها يسوع، إن عدم الاهتمام يقتل، عدم القبول يقتل، اللامبالاه تقتل. عندما تقوم بهذا فأنت قاتل نفس.
لقد مَررنا جميعًا بخبرات للموت عندما رفضنا البعض، عندما لم يحبنا الآخرون، دفعونا لنصبح مرائيين، لنرتدي أقنعة نختفي خلفها، لنعيش تحت ضغط مستمر وفي قلق دائم. فقط الحب هو الذي يحمي الإنسان من القتل. إذا لم أقبل أخي فأنا قاتلٌ، عندما أرفض شيئًا ما سأترك داخله جرحًا عميقًا يرافقه طوال حياته.
فإذا ارتبط الزوج بزوجته بعلاقة تمثل حد أدنى لعلاقة الحب، التي فيها يعطي الإنسان ذاته للآخر، فإن هذا بمثابة قتل، لأنه سلبٌ لروعة الحياة. كل مرةٍ أدافع عن حياتي، وأتخلى عن الطرف الآخر فإني أقتله وأخذ حياته منه.
تقتل هي ان تأخذ حياة إنسان منه!! لا تقتل هي أن تعطي حياة، أن تأخذ الموت منه وتقدم له حياتك: ” سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق.. تنازل له عن حقوقك وحياتك”، اي تنقذ حياته. لو أنقذ يسوع حياته ونزل من على الصليب لهلكنا جميعًا، لكنه قدم حياته، فمات هو لنحيا نحن. ما يجب أن نفعله حتى لا نقتل أن نتمثل بيسوع المسيح، بالشخص الذي يضحي بحياته.
ما هو الحب؟ أنت تُحب متى كنت قادر على اِعطاء الحياة للآخر. في هذ اللحظة بالذات تعيش هذه الوصية “لا تقتل”. بكلمات أخرى أقول لك: فى كلٍ مرة تدافع فيها عن حياتك، فأنت تقتل. في كل مرةٍ ترفض أن تساعد آخر في مشكلته وتقول لن ألوث يدي معه، فأنت تقتل. متى وقفت متفرجًا أمام ألم أخٍ يتعذب ولا يعيش في سلام فأنت ترتكب جرمًا أكثر بكثير من القتل. الحب هو الطريقة الوحيدة لتحفظ الوصية: “لا تقتل”.
